غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 لبحر الجي / قصة قصيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: لبحر الجي / قصة قصيرة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 6:54 am

البحر الـــــــــحي ...

مسح الرجل ذو القامة الطويلة , قطرات العرق المتصبب من جبينه , سقطت تلك القطرات في ماء البحر , ربما تكون تلك القطرات قد زادت من منسوب مياه ذلك البحر , انحنى بقامته الطويلة جامعا أكواما أخرى من الملح , لشد ما كان يحاول التهام شيء من ذلك الملح, الشديد البياض , ليملأ معدته الخاوية , لكنه ملح مالح, كماء هذا البحر , خاله عذب في أحيان كثيرة , بدليل أنه كان يلعق شيئا من ذلك الماء الأجاج , ثم يعود ليبصقه ساخطا ولاعنا , لقد رأى في الملح عذوبة وأي عذوبة؟ إنها حياة بالنسبة له ومصدر رزق لا ينضب , كيف لا وثمة أفواه تنتظر أن يعود محملا بالملح ؟
عن بعد ثمة طفلين صغيرين يحلمان وفي نفس الوقت يجمعان الملح أكواما أكواما , تمهيدا لملئه في أكياس صغيرة , قد تجد لها طريقا إلى حيث يباع الملح بسعر زهيد, قد لا يوازي عناء جمعة , وبالقرب منهما أيضا كتلة سوداء , تجمع هي الأخرى الملح اكواما اكواما , كانت تجلس بين الفينة والأخرى , لالتقاط أنفاسها , فجمع الملح ليس بالأمر السهل , إنه أشبه ما يكون بتخليص القمح مما علق به من شوان .
إنه قوتها هي الأخرى وقوت أطفالها , رغم وجهها المتشح بالسواد ورغم الهزال البادي عليها , فإنها هي الأخرى تحلم بارتفاع سعر الملح ليتجاوز الكيس الواحد الدينارين على الأقل , تنهدت بغصة عندما جمعت كميات كبيرة من الملح الذي هوى فيما بعد إلى ما دون الدينار , كانت كارثة بالنسبة لها, أن يباع الملح بأقل من دينار , الأمر الذي دفعها الى وضع سياسة شديدة للتقشف , واقتصار وجبات الأكل لإفراد أسرتها إلى وجبة واحدة في اليوم , بيد أنها وفي مثل هذا اليوم كانت متفائلة بأن يسترد الملح عافيته ليعاود الصعود مرة أخرى الى الدينارين على الأقل, سيما وأن تجار الملح حددوا كميات الملح التي ستباع في الأسواق .
على الجهة الأخرى, كان الرجل صاحب القامة الطويلة, الواقف وحيدا أمام أكوام الملح , يتمتم قائلا وقد جمع ثلاثة أكياس صغيرة جمعها جنبا إلى جنب :
- سوف يأتي يوم قد يصبح فيه هذا الملح محرم علينا , ولن نستطيع الحصول على شيء منه , وقد يكون السفر عبر مياهه , ضرب من الخيال .
تنهد نافثا هواءً مشبعا برائحة الملح, ليهمس محدثا نفسه مرة أخرى :
- من قال أنك ميت أيها البحر ؟ من قال أنك ميت وقد أحييت أمواتا ؟ إنهم هناك وراء السراب وتلك الفضاءات اللامتناهية , أشداقهم ضخمة , يرقصون من نشوة الملح , ومن عذوبة ماء هذا البحر المعتق , لقد امتصوا ماءه حتى القرار , وقضموا كثبانه , ثم بعد ذلك لاذوا بالفرار .
أيقضه من عذابات الملح , ولوعة الشعور بالوحدة إلا من أكياس الملح الصغيرة , صوت أحد الطفلين يقول :
- هل لديك ماء يا عم؟
قال الطفل عبارته باقتضاب , أو كما القانط من العثور على الماء .
لم يلتفت الرجل ذو القامة الطويلة نحو مصدر الصوت , فقد أصيب بشيء من الذهول والدهشة من سؤال ذلك الطفل , ليقول بعد ذلك :
- ماء ؟ ولماذا الماء يا صغيري ؟
- للشرب !!
نظر مرة أخرى الرجل ذو القامة الطويلة إلى ماء البحر ليقول :
- اشرب من ماء البحر , اشرب منه, إنه دمنا النابض في عروقنا , وخفقات قلوبنا التي لا تهدا , أليس ماؤه ماء , وملحه ملح ؟
قال الطفل بحزن :
- ولكنه مالح !!
- ومع ذلك اشرب منه حد الارتواء , إنه ثروة لا تقدر بثمن, إنه دنانير ودولارات .
لم يستوعب الطفل ما وراء عبارات هذا الملاح التائه في مياه هذا البحر والذي أوشكت سفينته ربما على الغرق , في مياه معشوقه البحر , وراح ينظر مرة إلى الرجل ذي القامة الطويلة وإلى البحر مرة أخرى .
عاد الرجل إلى البحر وإلى الملح والوحل يجمع مزيدا من الملح , مرددا في سره مقطعا من أغنية لم يفهم منها الطفل الذي تركه وسط أكوام الملح شيئا .
تراءى البحر للرجل بحرا متلاطم الأمواج , يحمل في لججه اكواما من الملح: بيضاء وحمراء وصفراء وخضراء , وثمة أنشودة نسجها البحر للحياة تقول :
- ملح ..ملح.. أنا البحر في جوفي ملح .
عندها اشتدت قبضة الرجل على الملح, أخذ يفركه ناقما وحاقدا وقائلا :
- أنت سبب كل المتاعب , أنت ...
رفع قبضة يده إلى السماء, ألقى بالملح إلى حيث كان , أخذ يضحك بهستيريا غريبة , ثم ركض هنا وهناك أو كمن أصيب بالجنون , رفس أكوام الملح التي جمعها بقدميه , لم ينتبه للخطر المحدق به , ركض نحو الأكياس الصغيرة , حمل اثنين منها , ثم عاد بها إلى البحر صائحا :
- خذ ملحك , لم نعد بحاجة إليه , الرزق على رب العباد .
وقبل أن يلقي بالأكياس , غاصت أقدامه في الوحل حتى الركب , شعر بالخوف والرعب , فقد أوقعه جنونه المؤقت ونقمته على الملح في حفرة من الطين , أخذ يغرق فيها شيئا فشيئا , صرخ بأعلى صوته :
- الحقوني .. الحقوني
لم يسمعه أحد , فقد اختفى ذلك الرأس في الوحل وغمرته مياه البحر المشبعة بالملح في عناق ابدي , اتحد من خلاله مع الملح ليتحول إلى ملح , قد يُجمع في أكياس صغيرة , ولو بعد حين .
رثاه البحر الذي احتضنه وضمه إليه بكلمات :
- ملح ملح , أنا البحر في جوفي ملح .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
لبحر الجي / قصة قصيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: