غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الحياة الثقافية والادبية والعلمية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: الحياة الثقافية والادبية والعلمية    الأربعاء أغسطس 04, 2010 6:14 am


الفصل :الخامس:
الحياة الثقافية والأدبية والعلمية :
تمهيد:
أولا: الشاعر والفنان التشكيلي / احمد موسى العشوش
السيرة الذاتية
مختارات من شعره/ جمهرة الصمت
ابرز الأعمال الفنية
ثانيا : قصص من بيئة الأغوار / بقلم خالد عطيه العشوش
أبو صليبا
حليط
مهباش الجدة
ميلاد في طي النسيان
ثالثا : ابرز الخريجين من الجامعات المختلفة















الحياة الثقافية والأدبية
تمهيد:
مع مطلع التسعينات أخذت الساحة الأدبية والثقافية تحظى باهتمام وعناية أبناء الاغوارالجنوبية وان كانت المعيقات والتحديات تحول دون اخذ المساحة الكافية لإبراز مواهبهم سيما وان ظروفهم المادية وبعدهم عن العاصمة عمان مركز الاشاع والحضارة والثقافة تلعب دورا مؤثرا في ذلك علاوة عن عدم وجود جهة رسمية في الأغوار تهتم بابدعاتهم 0غير أن النابهين منهم اخذوا على عاتقهم ضرورة الخروج من عزلتهم الأدبية وحاولوا جاهدين تعريف الأخر باهتماماتهم وابدعاتهم الادبية0بيد انه وحتى هذه اللحظة لا زالت الحياة الثقافية والأدبية في الأطوار الأولى من النمو والظهور هذا وقد قامت مجموعة منهم بمحاولات كثيرة للولوج إلى عالم الثقافة والأدب والتعبير عن مواهبهم التي بدأت تشق طريقها إلى عالم وفضاءات الابداع0
وكان لبعض المؤسسات الثقافية كمنتدى الشباب العربي ونادي شباب غور الصافي دورا بارزا في احتضان الكثير من المناسبات الثقافية كإقامة الندوات والأمسيات الثقافية المختلفة 0
فقد قام ملتقى الكرك الثقافي في أواسط التسعينات بعقد أكثر من لقاء ثقافي مع مبدعين وكتاب من محافظة الكرك الشماء 0حيث ألقى الدكتور سليمان الطراونه والقاصة د 0 رفقه دودين والكاتب الباحث الدكتور احمدالطروانه ود حسين المحادين والقاص نايف النوايسه وغيرهم من المبدعين بقراءة نماذج ابدعية من أعمالهم القصصية والروائية مما كان له الدور البارز في حفز الشباب وفتح أفاق الإبداع لهم 0 كما وتم إلقاء محاضرات من قبل معالي رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابده والدكتور عبد اللطيف عربيات رئيس مجلس النواب الأسبق والسيدة توجان فيصل والمرحوم سليمان عراروالدكتور سليمان عربيات والدكتور فواز طوقان- تناولت الهموم الثقافية والوطنية وسبل الاستفادة منها كما , كما وتم تأسيس فرقة الأغوار الجنوبية للفلكلور الشعبي وقد عمل على تأسيسها كل من السادة , جمعه عوده المعاقله ( المخ) والأستاذ صالح جمال عقله العشوش والأستاذ عرار عطيه العشوش,وقد عملت الفرقة على إعادة وصياغة الفلكلور الشعبي من دبكات وأغاني وأهازيج من ثراث الأغوار الفني0
من هنا قمنا بتسليط الأضواء على بعض الرموز الإبداعية والتي تتلمس الطريق في محاولة منها للتعبير عن الهم الثقافي والأدبي لأبناء الأغوار 0
ولاننسى دور الصحافة في تعزيز مكانة الإبداع والمبدعين ومن هنا برزت أسماء لامعة في عالم الصحافة لعبت دورا مهما في تغطية الأحداث الساخنة وتسليط الضوء عليها 0
ففي مجال الشعر برز احمد العشوش كواحد من الشباب الذين حملوا على عاتقهم مهمة رسم الطريق للأجيال القادمة كواحد من الشعراء البارزين الذي اخذ يحظى باهتمام المؤسسات والجهات الرسمية المختلفة بالإضافة إلى كونه فنان تشكيلي متعدد المواهب والرؤى يحسن استخدام الألوان ويجسد بريشته الأبعاد الإنسانية بشفافية عالية جدا 0
أما في مجال القصة القصيرة فقد اخترنا مجموعة من القصص القصيرة والتي جاءت من بيئة الأغوار كتعبير منا عن هذه البيئة الغنية بالصور والدلالات وكتوثيق لعنصر المكان الغني بالمعاني التراثية من حياة أبناء الأغوار وحاولنا إعادة الحياة للكثير من المفردات التي تكاد تختفي من المعجم اللغوي 0وتسليط الضوء على شخوص كانوا رموزا تراثية شعبية للأغوار
إن بيئة الأغوار لا تقل أهمية عن أي بيئة أخرى ولعل من أهم نجاحات أي عمل أدبي هو الاهتمام بعنصر المكان والتعبير عنه كما هو, وهذا ما فعله نجيب محفوظ الروائي العالمي في اغلب رواياته ومنها الثلاثية الشهير ( السكرية , وبين القصرين وقصر الشوق) واللص والكلاب وزقاق المدق0

أولا : الشاعر والفنان التشكيلي : احمد موسى العشوش

أحمد موسى الحشوش
السيرة الذاتية :
ولد الشاعر والفنان التشكيلي احمد العشوش في مدينة دمشق السورية في 19/ 12/ 1971 حيث سافر والده في مطلع شبابه إلى سوريا واستقر هناك وتلقى احمد تعليمه الابتدائي والثانوي في المدارس السورية ليكمل دراسته بعد ذلك في المعهد المتوسط للفنون التطبيقية – قسم النحت في دمشق للعام 1996 0
وقد اجتاز احمد الكثير من الدورات الفنية في مجال اختصاصه منها
دورة في الحفر الطباعي على الخشب / الجامعة الأردنية 2004
دورة في الرسم والتصوير / وزارة التربية والتعليم 2005واحمد عضو بارز في
في اتحاد الكتاب والأدباء العرب 1997
في رابطة الكتاب والأدباء الأردنيين 1997
في أسرة الكرك للفنون التشكيلية 2002
في جمعية البلقاء للفنون التشكيلية 2007كما حصل الشاعر والفنان التشكيلي على الجوائز التالية وهي:
الجائزة الأولى في الشعر في مسابقة رابطة الكتاب الأردنيين
للكتاب غير الأعضاء في الرابطة 1993
الجائزة الأولى في حقل اللوحة التشكيلية /جائزة الناصر صلاح الدين 2004
الجائزة الأولى في القصة القصيرة / مديرية ثقافة الكرك 1991
كما وصدرت له مجموعة شعرية ( جمهرة الصمت ) عن وزارة الثقافة الأردنية 1995 وأقام معرضين فنيين :
معرض فني في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين ( الحمام هنا ) 2005
معرض فني في غاليري سيزان /الأردن 2007 ولاننسى انه تمت الكتابة عن هذا الفنان الرائد في أكثر من مكان وخصوصا في معاجم التراجم الأدبية ومنها معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين1وكذلك معجم الشعراء العرب من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث 2
____________________________________________________________
1- انظر معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ص / 186و 187
2- انظر الشعراء العرب من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث / المجلد الأول/ ص 235و236

نشرت اغلب أعماله الأدبية ومنها ديوانه جمهرة الصمت1عن وزارة الثقافة كما ونشر في العديد من المجلات الأدبية منها أفكار 02
وأدخلت رسوماته في تصميم أدلة المعليمين03
بقي أن نذكر أن احمد فنان متعدد المواهب لا حدود لابدعاته ورسوماته ولديه المزيد بإذن الله
يعمل حاليا في مديرية التربية والتعليم للواء الأغوار الجنوبية / مسؤول النشاط الثقافي وقد حصل على العديد من الشهادات التقديرية04

1- صدر هذا الديوان عن وزارة الثقافة في سبعين صفحة من القطع المتوسط وتضمن مجموعة من القصائد الغنائية التي تهتم بالإيقاع الخارجي والقافية
2- انظر مجلة أفكار العدد العددان 2007 / ص 221و222
3 – انظر دليل المعلم للتربية الفنية / لوحات فنية ص 90
4 منها جائزة الناصر صلاح الدين الأيوبي للإبداع
ورابطة الكتاب الاردنين لمسابقة الشعر وحصل على المركز الأول


























مختارات من شعره / ديوان جمهرة الصمت(!)

-1-
تعالي:
تركت الفضاءات
مشرعة في عيوني
وأثقلتها بالصراخات
حتى ارتمى ثعلب الوقت أعشى
يراوح بين البكاء وبين الجنون
تعالي ليخضر وجه المساء
وتجلو بقايا الحنين
تعالي على عجل
واسكنيني


-2-
أهفوا لأن تمسني يداك
فلا أحس ضيقا
وأنني أموت في ثراك
فألمس الطريقة
للوصل أو جفاك



-3-
كان يأتيني مساء
يطرق الباب ويمضي
كنت أدعوه حبيبي
كان شيئا آخرا فيه جلال
يسرق البهجة مني حين يغريني سؤال
ياحبيبي أين تمضي
في صحارى لا تطال ؟
بيننا ومضة حب والتفات
بيننا هذي الحياة
بيننا هذي الحياة



1- صدر هذا الديوان عن وزارة الثقافة / انظر الدراسة التطبيقية في الشعر الأردني الحديث د0 لقمان الشطناوي ص 53و54و95

رؤيـــا:2

ليل يترنح في أفق الشرفة
ومواعيد بللها المطر المتساقط لهبا أسود
وقياصر تتمطى في زي امرأة
وكوابيس تزحف في حمى الأعصاب
وأراني أتضائل
أتضاءل
من ينقذني مني ؟
من ينقذني مني ؟


يمضي على تعب خريف
يمضي على تعب خريف
ويلم أوراقا رماها قبل عام
وأساي أحضنه
ويتركني أنام ولا أنام
كم كنت مني ياأساي
كم أنت مني ياأساي
يمضي على تعب خريف
دمع ووجه شاحب وأنين ناي
يمضي على تعب أساي
وأنا ووجهي هائمان على الرصيف
يمضي على تعب خريف


إنسانية

أفتح الأفق لعصفور جريح
أطلق في آخر العالمين
من يد نازفة
إفتح القلب لأوجاع
الغصون الراعفة
واشتعال الحنين
1- انظر الدراسة السابقة/ الدراسة التطبيقية في الشعر الأردني الحديث د0 لقمان الشطناوي ص 53و54و95





تسألني جارتي1

...ثم أسأل عن جارتي مالها لاتقيل الكلام كعادتها
حين أعبر من نومها ناهدا كالحنين
ومشاغلا بالنبات المؤرق في قعر أجفانها
"وأنا ما أنا "!
مالها لا تطيل الوقوف على ألمي حين تلمحني ساقطا مثل آنية فوق ظلي
وأنا أصعد الدرج المستطيل إلى غيمة نسلت من ثيابي
.....
وأسأل عن جارتي أين خبأتها حين عاثت يدي بالمساء الشفيف
الذي فر من شرفتي قبل أن أحتفي بجناحيه
أو احتسي قهوتي في ثنايا تجاعيده
وأصر دخان حرائقه حول ظني المهدهد بالجوع ؟!
.....
أين أطلقتها في المساء الرشيق الذي لم شمل الخليقة:
أصداءها وتراتيلها, استعاراتها في الكلام, وإيهامها في الحواس
انبناءاتها في القياس, انكفاءاتها في التضاريس,
آمادها في الخيال, اندفاعاتها في انتباهي السخي, انسحاراتها بالصدى ...
كل ليل الزمان وإبصاره الثاقب الذائب في رفة العين
.....
أي شيء ترى يصنع العارف الواقف في أول الدرج المستطيل
وفي الرأس ينقر طير السلام الرهيب
وفي ساحة القلب تندلع الكائنات..
اندلاع الرجاء على لثغة في اللسان وفي عثرة القلب
ماترى يصنع العارف الزاحف نحو ملامحه السائلات
على وتر مرسل في مساء شجي كهذا المساء ؟!!
.....
سوف أخون الحياة
وأنشرها مثل غيم الرمل أو ساعد زل بالأمنيات السحيقة
أيام عسفي الصبي بأروقة المستحيل, وركضي على رقة العيش منفلتا مثل خيل وليل ..
وبرق على حافة الرأس يهمي بأنوائه الخابيات
وخوفي على كسرة الحب من عضة الجوع
سوف أخون الحياة
لأني هناك.. أرى مايراه الغزاة على جسدي من فلول وما تذر الذاريات
***
هناك على تلة في الزمان سأصعد
اصعد هذا العذاب الوحيد الذي يتناسل من شرفتي حين ادني الطريق ولا يستجيب الصدى لندائي الحثيث
ولا يستجيب الندى لانكفائي على حطب الذكريات
هناك على تلة في الزمان.. يضيع الزمان..
فلا قرب أو بعد لاقادم سوف يعبر أحزانه المصطفاة

***

في انتظاري المديد
اعلق صمتي على غيمة في الطريق
واهجس فيما سيحمله القادمون على مهل من هنا أو هناك
***
بعد حين من الصمت اشرع نافذتي ليمر الهواء
كعشب على كتفي المساء النحيل
وأطلق ذاكرتي في مساء يعاجلني بالغناء ويسلمني لانهياري الثقيل
هاهنا أو هناك جرح الصبر انتظاري
وظنون شاخصات في فضاء زاخر بالمستحيل
كم يمر العام اثر العام لاعام لقلبي
لا رداء لانبعاثي في الطريق ولا حسيس أنامل تمتد نحوي
لا نهايات لحزني المستطيل
دثريني.. دثري أوهام قلبي
انه ماكان عصفورا فيهوي في مدارج عزلتي
ما كنت أحزاني فيرميني الصبا بأيائل بيضاء تذروني قتيلا في الهوى فقتيل
دثري ظلي على طول الطريق وعرضها
لتفيض قطعان من السماق فوق ملامحي ويشف صمتي عن كلام واهن :
لا تتركي جسدي بلا ماء ولا خيل وليل ...
***
بعد حين من الصمت أشرع نافذتي وانشغالي
وألقي على حلكة الأرض بعض التحية
كي تترك الأرض بعض الصبا لاكتهالي
وتسألني جارتي عن مساء يعلقني في فراغ الطريق
وعن شجر لا يرى في تعاقب وحدتي وزوالي
وتسألني كيف حالي
وكيف ارتقى سلم عاثر ماء قلبي وآلي
وكيف انكفأت على قمر فاجع وانكشفت على غبطة واحتمال
أحبك ياجارتي لم تقولي سوى الصمت
ولم تفعلي غير أن تكسري ياسمين احتفالي
ولم تبصريني على شارع وارف أعزل القلب والعين
أمضي بلا هدف نحو ظلي وحول ارتحالي
***

____________________________________________________________________1- نشرت هذه القصيدة في مجلة أفكار الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية








الأنثى:

والأنثى في غسق ِ المرآة تُراجعُ بهجتها
والأنثى في حضرتها
ويغالبها الدّمعْ
لو يأتي
لو يأتي الآن
يحملني بين أصابعهِ كالوردةِ
يُطلقني في أفق ِ براءته قمرا ً
لو يأتي الآن
يحملُ في قبضته الأرض
لو يقرأ حزن العين
ويَمسحُ دمعتها
لو يُطلق من شرفته عصفورا ً أخضرْ
لو يعرف أنّ العمر تخثرْ
لا تتأخرْ
لو يأتي الآن
يحملني ملءَ ذراعيه وأكثرْ
سيّان إذا ًسيّان
أن تحملنا الأرضُ وأن نحملها
----------------------------------------------------------------------------------
تدنو وأدنو:
تدنو وأدنو
والفضاء معلق مابين خطوتها وخطوي
والنجوم مبعثرات مثل عينيها ومثلي
وانحنى شجر
وأرسل ظله حول انتباهتها وحولي
ياه ...
كدت أنساك حبيبي
في انتظار طال آلافا من العبرات
تفرك وحدتي وتهز ليلي
كدت أنساني
وأضرب في الجهات
ميمما شطري... ومجرورا بهزلي



مختارات من ابرز اعماله الفنية

















من اعمال الفنان احمد العشوش / لوحات فنيه رسم ونحت وقدرة على استنطاق الألوان








ثانيا : قصص من بيئة الأغوار / بقلم خالد عطيه العشوش
أبو صليبا
حليط
مهباش الجدة
ميلاد في طي النسيان















أبو صلـــــــيبا 000(1)
مهداة الى روح ابو صليبا حيث كان يملا المكان بركة
كنقطة ضئيلة متناهية الصغر بدا يسير مترنحا تائها على غير هدى , قاطعا المسافة نفسها التي يقطعها ربما مرة أو مرتين في الأسبوع , بدءا من (المزرعة) مسقط رأسه مرورا (بعسال) محطته الثانية , (فالميره ), إلى أن يصل إلى مشارف( الصافي) مخترقا (العنبر) , (فحارة العرامين)ومن ثم( السيل)انتهاء (بالجور)محطته الأخيرة 0
وكغيري من أشقياء الحارة كنت انتظر مروره بفارغ الصبر, للتحرش به, أو لمراقبته وهو يقذفنا بالحجارة متمتما ولاعنا بلغته غير المفهومة ( سا 00 سا ) وهذا ما يتقنه من اللغة 0تجمعنا معا قرابة الخمسة, لأخذه على حين غرة ,فيما كانت تلك النقطة تكبر شيئا فشيئا , وبالضبط عندما وصل مقهى( سليمان الاطرم )بدأت ملامحه بالظهور , كان نحيلا هشا ضعيف البنية , يده اليسرى معقوفة إلى الأسفل , أما الثانية فكان يحمل بها أشياءه
التي كانت عبارة عن حجارة صغيرة يقذف بها من يتحرش به أو يضايقه , ولفائف من دخان (الهيشه ) يشعلها بين لحظة وأخرى , أما رأسه فكان مغطى بقطعة بالية من القماش , فيما كان يرتدي معطفا ضخما فوق جاكيت سوداء متهرئة , غير عابئ بارتفاع درجة الحرارة 0
وقفنا متأهبين وخائفين في نفس الوقت لحظة اقترابه منا , وكان كل واحد منا يحاول وعن غير قصد أن يحافظ على هدوءه واتزانه أمام هذا المخلوق البشري الهش المطلق الحرية , وكنت وبالكاد أسيطر على مشاعري وأنا أراه يسير متعبا ومترنحا لا يتوقف الالشرب الماء من القناة المحاذية للشارع , أو لإشعال سيجارة , أصبح قاب قوسين منا أو أدنى , يسيل منه العرق بغزارة , نظرت حولي لم أر أحدا من تلك( الفتوات) كانوا قد أطلقوا سيقانهم للريح ,فيما وقفت أمام( أبو صليبا )وجها لوجه , ربما يكون الخوف الشديد منه هو الذي جعلني أتسمر في مكاني, والدليل على ذلك أني فقدت للحظة وجيزة قدرتي على الكلام , وكنت انتظر منه أن يلطمني اويقذفني بأحد حجارته كما لو كنت شيطانا مريدا , وكانت عيناي تراقبان حركة يديه المرتجفتين, وتمتمته غير المفهومة ( سا 00سا ) ساد السكون قليلا ,ولاحظت انه وبفطرته كإنسان يراقب المكان خوفا من مفاجأة , أو ضربة على حين غرة , وأدركت انه يملك القدرة على التحليل والمراوغة والأخذ بالأسباب , وعندما شعر بالأمان حدق ممعنا النظر في قسمات وجهي الشيطانية , بينما أغمضت عيناي منتظرا ذلك المنقض أو المخلص لي من هذا المخلوق , وعندما طالت لحظات الانتظار فتحت عيني اليسرى فقط نصف انفتاحه , فيما كانت الأخرى مطبقة الأجفان , امتدت يده برفق شديد ملامسة وجهي , اخذ يمررها على مناطق مختلفة منه , وكأنه يحاول قراءة ما يدور بخاطري من أفكار , امسك بأنفي الصغير ,ثم بعد ذلك فرك أذني برفق شديد , توقفت بعد ذلك يده عن الحركة , ليدخلها في جيب معطفه, مخرجا قطعة حلوى كبيره ,خرجت بها من هذه المقابلة المرعبة مع( أبو صليبا ), الذي كان يحاول جاهدا الإيحاء لي بأخذها 0
في تلك اللحظة بالذات أخذت احلل شخصية( أبو صليبا) رابطا بينه وبين (فرحان) لذلك الشبه بينهما , غير أن فرحان كان يملك القدرة على الكلام ويتلاعب بالألفاظ ويحفظ الشعر , ملامح وجهه قاسية ,وله نظرة ثاقبة فيها شيء من المكر , أما شبريته الذهبية الحادة الرأس فكانت مصدر خوف لايوصف بالنسبة لنا ,وشارباه المشوبان بالحمرة وصبغة الدخان المنبعث من انفه فكانا أشبه ما يكونان بالأسلاك المثبتة على شفته أسفل انفه العريض ذي الفتحات الواسعة , وأما( أبو صليبا) فربما ولست متأكدا مما أقول ,كان صاحب إحساس مرهف ولكنه لا يملك القدرة على التعبير عن تلك المشاعر والأحاسيس 0
وأنا في غمرة أفكاري هذه كان (أبو صليبا) قد ابتعد عني شيئا فشيئا , فيما خرج الأشقياء الأربعة من مخابئهم غير مصدقين ما رأوا وشاهدوا , كانت عيونهم ترمق قطعة الحلوى باستغراب وعفويه , لم اترك لهم مجالا للحوار أو النقاش , قسمتها بينهم فيما اكتفيت أنا بمتعة المشاهدة , وأنا أراهم يلتهمون هدية (أبو صليبا) لي 0 حتى لحظة التهامهم لقطعة الحلوى , كنت لا أزال أعيش تلك الحالة من اختلاط المشاعر والحزن والأسى على أحوال ذلك لمخلوق الذي كان ينظر إليه على انه لا شيء , وكانت القصص التي تحاك حوله أكثر من القصص التي نسمعها عن جحا أو عنترة ,وفي الحقيقة لم أر مما يقولون سيئا , وأغرب ما سمعته عنه , أن حفنة من لصوص الآثار حاولوا تقديمه كقربان لفك الرصد عن احد الكنوز , وقد تقدموا بعرض مغري , لأهله للموافقة على ذلك , غير أن شقيقه الأكبر رفض ذلك رفضا قاطعا 0 قطع علي حبل أفكاري احد الأشقياء وهو يقول: ( هل بقي معه شيء من تلك الحلوى )؟ قلت بشيء من الازدراء Sad إنها الاخيره معه ) وعندما حاولوا اللحاق به منعتهم مستميتا من فعل ذلك وقلت لهم بصرامة ( لن نؤذي أبو صليبا بعد الان ) وبشيء من الاستهجان والخيبة تفرقوا غير راضين عن تصرفي هذا , فيما بقيت واقفا أتابع (أبو صليبا) الذي اختفى كنقطة ضئيلة متناهية الصغر مخلفا وراءه شعورا بالحزن كان يلفني, وندما مني على فهمي الخاطئ لشخصيته الغامضة 0 سرت لمسافة ليست بالقليلة وراءه مطرق الرأس , فيما أخذت أتحسس المناطق التي لامسها بيده , أخذت امسح بيدي على وجهي , وفركت انفي كما فعل , ووقفت أراقب ذلك الفراغ الذي تركته تلك النقطة وراءها , وعندما يئست من عودته عدت أدراجي إلى ذلك المكان الذي أهداني فيه قطعة الحلوى , كانت (سأسأته ) وملابسه الرثة ,ولفافات سجائره تنتشر في أرجاء المكان , فوق الإسفلت, وعلى حواف الطريق ,وبقايا من عود ثقاب كان قد أشعل فيه سيجارته المفضلة ملقى طريحا على الأرض , فيما أثار أقدامه , في المناطق الترابية , ظلت تعانق الأرض وتبعث فيها الحياة من جديد , التقطت في حالة من الانتشاء عود الثقاب الذي تركه خلفه وكأنه كنز ثمين , وبحرص لم أعهده من قبل قبضت عليه بيدي معانقا , إني أراه في كل مكان يسير مستكشفا عالمنا الخفي, الذي لم يكن له فيه أي وزن, أو مكان 0اراه ينثر البركة في حقول الذرة ,و يزيد من تدفق الماء في القنوات , فينبت (الخرفيش ) و ( الحناء ) وتعبق رائحة ( العصفر) , (والريحان) ,و(النعناع البري) ,وتسيل عصارات العنب من حباتها كحلمة ثدي يسيل منها الحليب في فم الرضيع 0بعد هذه الحادثة وبعد أن اختفى كنقطة ضئيلة لم تقع عيني على( أبو صليبا)قط , مرة واحده جاء الأشقياء يصرخون ( أبو صليبا 00 أبو صليبا !!) قفزت فزعا ومشتاقا له , وأخذت اركض,واركض لاهثا لرؤيته , شاقا لي طريقا وسط أغصان( السليل) الجارحة محطما ومكسرا أي عائق يصادفني , صارخا وباكيا دون جدوى 0 ( أبو صليبا 00 أبو صليبا ؟؟ ) 00 خالد العشوش/ 17/11/2005
___________________________________________________________
1- فازت هذه القصة بالمركز الأول في مسابقة مهرجان ملتقى بصيره الثقافي ونشرت في مجلة انكيدو الثقافية الحرة
انظر الرابط التالي: m.ankido.us/forum.php?action=view&id
حلـــــــــــيط 000(1)
مهداة الى احد الرموز الشعبية من ابناء الاغوار الذي افرح العشرات بصوته/ والى رفاقه
كان أخر عهدي به منذ فترة طويلة جدا ,عندما كان في عنفوان شبابه وعطائه , بعد ذلك كنت أراه على فترات متقطعة , لم أتمكن خلالها من تعرف أحواله وظروفه, و ويبدو الأمر مختلفا هذه المرة عندما رأيته يسير مترنحا, زائغ النظرات , تائهها , يتوكأ بيده اليسرى عصا كثيرة النتؤات , وكأنما قطعت لتوها من شجرة شديدة اليباس , فيما كان بيده اليمنى يتأبط ذراع زوجته التي دلفت به إلى ردهة المشفى , أمعنت النظر في (حليط) حد الاستغراب , سائلا نفسي أمن المعقول أن يكون هذا حليط ( أبو توفيق ) الاسم الأشهر في تاريخ قريتنا ؟! (حليط) الذي كانت الناس تقطع المسافات الطوال لسماع صوته وموسيقاه , حليط الذي لو قدر له لقاء (عبد الوهاب) لكان من الأسماء اللامعة في عالم الفن , ربما أكون في مشاعري هذه وأنا أراه , الوحيد الذي ساءه ما كان عليه (حليط) من حالة يرثى لها , في الوقت الذي كان غيري لا يعيره أدنىاهتمام0
(حليط) واحد من أربعة فرسان اشتهروا في قريتنا بفنهم الشعبي الرفيع , كان هو عازف الإيقاع ( الدربكة ) الأول أما الثاني فكان (محمد مونس) عازف الناي ( الشبابه ) الأول أيضا , أما الثالث وهو أسطورة زمانه في قريتنا, وكان كفيفا ( أبو علوان ) عازف إيقاع أيضا , كان اسمه عند بعض النابهين من قريتنا يقترن باسم (سيد مكاوي) , أما الرابع فكان ( أبو رمزي ) الذي كان يتناوب العزف على شبابته المزركشة بالخرز الملون مع (محمد مونس) 0
ولا ادري لماذا أجد علاقة بين الفرسان الاربعه ( دارتنيان) المعادل الموضوعي بالنسبة لي (لحليط) و ( بورتوس واراميس واتوس) كمعادل موضوعي أخر ل ( أبو علوان ومحمد مونس و أبو رمزي ) علما أن وجه الشبه بين الفريق الأول والثاني مختلف جدا , وليس ثمة علاقة بين عالم الغناء والعزف من جهة, وبين عالم الفروسية من جهة أخرى , ولكني ومن وجهة نظري كنت انظر إلى الموضوع من زاوية أنهم أربعة لا يساوم الواحد فيهم على الأخر, وكان شعارهم (اصرف ما في الجيب , يأتي ما في الغيب ) وهو موازي لشعار ( الواحد للجميع والجميع للواحد ) 0 كان حليط ( أبو توفيق ) القاسم المشترك بين الأربعة , بصوته العذب وكان إلى جانب (أبو علوان) يشكلان ثنائي في العزف على ( الدربكة ) فيما ( أبو رمزي ومحمد مونس) يشكلان ثنائي في العزف على الشبابه , يقودهم في ذلك ويوزع الأدوار بينهم ( حليط ) 0
الغريب في الأمر أيضا أن ( حليط ) مع الثلاثة ( أبو رمزي وأبو علوان ومحمد مونس ) وباتفاق منظم لا يحيون أية (رقصه) ومهما كانت إلا بوجودهم معا , الأمر الذي جعل أهل القرية مجبرين على إحضار الأربعة , تحت أي ظرف كان 0
وأصبح لدى الجميع قناعة مطلقة بأن أية ( رقصه أو دبكه ) لا يوجد فيها الاربعه محكوم عليها بالفشل الذريع 0وأصبحت ( دربكة أبو علوان ) و( شبابةابو رمزي ومحمد مونس ) مضرب مثل واعتزاز عند أهل القرية , أما أي صوت غير صوت (حليط) فهو مرفوض رفضا قاطعا 0
في ركن قصي - وربما لأول مرة ذهبت بصحبة أبناء الحارة لرؤية الفرسان الأربعة , لقرب المسافة من ناحية, ولشغفي الشديد في استكشاف عالم (حليط وأبو علوان ومحمد مونس وأبو رمزي ) من ناحية أخرى - جلست انتظر حضورهم فيما حشد كبير من الناس كانوا يشكلون حلقة واسعة للدبكة , وفي زاوية من زوايا الحلقة ترك فراغ للأربعة , ليس فيه إلا ستة قطع من الطوب, وضعت فوق بعضها , كل قطعتين معا ليجلس عليها حليط وفريقه , وفوق قطع الطوب وضعت قطع من مفارش بالية, لم تعد ثمة حاجة إليها كعلامة مميزة للأربعة 0
وكنت وببراءة أتابع المشهد الملحمي أمامي , رأيت في وجوه المنتظرين رغبة جامحة لقدوم حليط وفريقه وانتظار شبه محموم لسماع صوت (حليط ), بل إن الأمر كان يصل حد الرغبة في مصافحته والتبرك بقدومه , أدركت فيما بعد أن (حليط ) وفريقه وفي قريتنا بالذات التي كانت تعيش حالة من الاختناق
الاجتماعي والفكري , هم مصدر سعادة وفرحة شريحة كبيرة من أهل القرية, الذين كانوا محرومين من أشياء كثيرة , وان العالم كان بالنسبة لهم مجرد (عرائش وخشش)ليس غير00
وشق الانتظار والترقب هتاف وصرخات الحاضرين ( جاء حليط 00 جاء حليط ومعه أبو رمزي ومحمد مونس وابوعلوان كمان ) وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير , فيما وعلى استحياء مددت عنقي باحثا عن (حليط) وراغبا برؤية الكفيف الذي أذهل الناس بعزفه على ( الدربكة ) شاهدتهم الأربعة وشاهدت معهم شخصا خامسا يدعونه ( احمد عواد ) يقولون بأنه معاون لحليط في الترديد والغناء 0
كانوا يستقلون ( تراكتور المسي ) الذي أحضرهم إلى المكان , بحثت بعيون زائغة خائفة عن ( حليط ) كان يجلس إلى يمين السائق على الجناح الأيمن (للتركتور) يقابله على الجهة الأخرى (أبو رمزي ) أما محمد مونس وابوعلوان واحمد عواد , فكانوا يجلسون في العربة, يتوسطهم أبو علوان الذي كان يمسك (دربكته)بعطف أبوي ليس له مثيل 0
لم ينتظر احد نزول حليط وفريقه من ( التراكتور ) ,فقد قفزت مجموعة من الشباب الواعدين والحالمين بمرافقة حليط وفريقه وحملتهم على الأكتاف, وأجلستهم في الأماكن المخصصة لهم , فيما راح احمد عواد يحمي ( الدربكات ) 00
وأبو رمزي ومحمد مونس يجربون شباباتهم للعزف , في انتظار شارة البدء من (حليط )الذي كان يهمس في أذن احمد عواد للاتفاق على المقاطع التي سيبدأون بها ملحمتهم التاريخية 0
وشيئا فشيئا بدأت ليلة من ليالي القرية, وأخذ صوت حليط وبعذوبة نادرة يشدو بعذب الألحان, التي وحتى لحظة متأخرة كنت اصغر من أن افهم منها شيئا , مع أن معظمها كان ترديدا لاغاني معروفة ومشهورة , ولم أكن ادري لماذا كان الحاضرين يتمايلون طربا على تلك الأنغام , بل أني لم أكن افهم ماذا تعني ألفاظ من مثل ( أحلى 00 أحلى ابوتوفيق ) ويقصدون حليط احتراما وتبجيلا ) و ( اعطي 00 اعطي يسلم هالصوت ) أو ( اردف ) عندما تشتد حرارة الدبكة وقوتها ) الأمر الذي يدفع أعدادا كبيرة من المتجمهرين للمشاركة في الدبكة والرقص فيها حتى ساعات الفجر , وقولهم ( ولعت ) اذا بلغت الدبكة حد ارتداء ملابس النساء من قبل الرجال , للنزول بها إلى ساحة الرقص, ومحاكاة النساء في رقصاتها 0
ادهشني الثنائي الجديد (احمد عواد ) وهو يردد مع حليط ( الله يلعن الدخان اللي سببلي الدوخان, كل ساعة عالدكان يا غريب روح عبلادك يا غريب ) ليرد عليه حليط ( يابو تكسي ملاكي خذي أحمد ويياكي خلي يعشق دواكي على كده وكده ما يناموش , ما يناموش عشاق الليل ما يناموش ياليل يا عين ) ووسط هذه الاحتفالية البسيطة كان (أبو علوان) وبمعاونة من أحد الواقفين يجذب نفس سيجارة يضعها على فمه ذلك المعاون , وما أن تنتهي سيجاره حتى يطلب غيرها دون أن يرفض له طلب , فيما شخص أخر كانت مهمته مسح عرق (حليط )وتجفيفه وتقديم الماء له , ولا ادري لماذا دفعني الفضول للاقتراب , درت دورات عديدة حتى اشق لي طريقا وسط الملتصقين , كانت الأكتاف أقوى من أن أزحزحها أو أحركها , وإذا ما أفلحت , كان يدفعني احدهم زاجرا وساخطا, لأني اختلست منه شيئا من نشوته بسماع صوت ( حليط ) فقط ومن مكان ضيق جدا, بدا لي كاهل أبو رمزي الذي كان منشغلا بالعزف على ( شبابته المزركشة بالخرز الملون ) أما الساحة او ارض المعركة , فقد كانت مكتظة بالدبيكة , الذين كانوا وبحركات آلية منظمة يدهشوون الواقفين ويدفعونهم للتصفيق بشدة , جذبني أحد الواقفين بغلظة ورمى بي خارج الحلقة ساخطا, ومتمتا ( ولد مسقع ) ووقعت عين (حليط )علي وأنا أقع أرضا , وبإحساس مرهف توقف عن الغناء, ليصمت بعد ذلك الجميع, وسط ذهول واندهاش غريبين, وسؤال محير مالذي أغضب (حليط )؟! وقال حليط برقة ( تعال يا شاطر ) وقبل أن ينتظر قدومي اندفع شاب قوي مفتول العضلات ووضعني بين يدي حليط الذي حملني وأجلسني مكانه , فيما أخذت الأيدي تمسح على رأسي إرضاء (لأبي توفيق) الذي وتحت ضغط المعجبين راح يشدو بصوته مرة أخرى( نعم يا سيدي رعاك الله , ابني , يا خالد , حماك الله) , ولاحظت انه كان ينظر إلي بين لحظة وأخرى, وكأنه يطمئن على حالي , فيما كنت أعيش حالة من الزهو لم اشعر بها من قبل , مع شعوري بشيء من الأسف لأني جئت إلى مكان ما كان يجب علي المجيء إليه, -ربما لصغر سني , او لأني لم أخبر أحدا من أهلي عن ذلك , مع أنها المرة الأولى- وزال ذلك الأسف بعد أن شملني حليط بموقفه الرقيق ذلك, وشفافيته المعروفة , وأهداني ذلك المقطع بصوته الرنان0
مع ساعات الفجر انتهت (الرقصة) وابتلع الظلام أكثر الحاضرين, فقد عادوا إلى عرائشهم وخششهم وآلامهم , وسمعت حليط مع فريقه يتفاوضون على الأجرة التي لم تتجاوز ربما الدينارين او الثلاثة وفي أحيان كثيرة مجانا , وسمعت ( أبو العريس ) يقول ( ما قصرت يا أبو توفيق والله ما قصرت ), وكما اختفى أبو توفيق وفرقته , وسط الظلام ,اختفيت أنا أيضا سائرا على رؤوس أصابعي حتى لا يشعر والدي بقدومي 0
استسلمت للنوم وأنا استعرض في مخيلتي موقف حليط وإنسانيته , ورضاه بأقل القليل من باب ( الواحد للجميع والجميع للواحد ) 00عندما دلف (حليط) بصحبة زوجته إلى ردهة المشفى في انتظار دوره لمراجعة الطبيب , دلفت وراءه وكأني بذلك أعود إلى طفولتي وأحلامي البريئة , او لسماع أصوات من رحلوا وهم يرددون ( أحلى 00احلى أبو توفيق ) كانت مشاعري متضاربة وحزينة , وقفت غير بعيد منه , فيما كان هو يتوجع ويتألم , لم أخاطبه ولم أتحدث إليه, فقط ,اكتفيت بترجمة مشاعري إلى صمت عجيب, وأنا أرى جزءا من تراثنا المنسي والى صفحة من صفحات قريتنا المطوية , كانت هذه المرة صفحة بالأسود والأبيض, لم يكن فيها أية ألوان او رسومات , لاقنوات ماء , ولا حقول خضراء , ولا عرائش تحيط بها مساكب النعناع الأخضر , او ( عرا نيس الذرة ذات الشعور الذهبية ) ولا عزف منفرد,ولا هذا ولا ذاك , أمامي على بعد خطوات فقط ( حليط المنسي ) حليط الذي اضحك وأبكى ورقص , حليط الزائغ النظرات , الجالس وحيدا وقد اختفت الحشود التي كانت في انتظاره بلهفة شديدة 0
تراجعت الى الوراء شيئا فشيئا , ناظرا إليه مترحما على حاله , وقد هالني تجاهل الناس له, وعدم اكتراثهم لأمره او حتى التعرف الى حاله , وتذكرت موقفه معي قبل ثلاثين عاما وقوله ( تعال يا شاطر ) وقبل أن يتأزم الموقف ويتحول الى نحيب , خرجت هاربا من الردهة, تاركا حليط وسط معاناته وآلامه, وسمعت صوتا خلفي ينادي ( عبد الرزاق كايد ) ولكن هذه المرة دون ( أبو توفيق او حليط ) 00
خالد العشوش/ 10/9/2005
1- نشرت في مجلة انكيدو الثقافيه الحره انظر الرابط التلي : m.ankido.us/forum.php?action=view&id

مهباش الجـــــدة 00(1)

أن تعود بك الذاكرة إلى الوراء عشرات السنين, وأن تستلهم من الماضي عبقه وأريجه ,رغم شظف العيش وقسوة الحياة, أمر يبعث على الشعور بالرضي, والرغبة الجامحة في العودة إلى الوراء, والتحليق في ذلك العالم ونبش خباياه ,والتنقيب في مخزون الذاكرة, التي ورغم بعد المسافة إلا أنها لا تزال تحمل في ثناياها أجمل الصور والذكريات , كنت طفلا ربما في الثامنة أو التاسعة من سني عمري المديد- بإذن الله - عندما كنت وعن قصد أكثر من التعامل مع ( الجدة ) والتي لها حكايات وحكايات, ولا أريد أن أصورها على أنها ارث ثقافي, أو رمز حضاري, بقدر ما أريد التلذذ في استعراض شيئا من طيبتها ودماثة أخلاقها ,وربما تكون كغيرها من الجدات مجرد إنسان طواه النسيان, ولكن بالنسبة لي لم يطوها النسيان ,لأني انظر إليها من زاوية مختلفة تميزني عن غيري من أقراني في ذلك الوقت, الذين كانوا يجلسون حولها طمعا في لبنها أو سمنها أو في حكاية تسردها عليهم, أما أنا فكنت اجلس بالقرب منها متأملا وناظرا إلى وجهها المطرز بكتابات الزمن, والمزين بالطيبة التي لا تقبل التردد أو المساومة ,فهي تعطي دون مقابل, ولا تفارق الابتسامة محياها أبدا وأجمل مافي ذلك هو إصرارها على نبش صررها العتيقة, والبحث في أعماقها عن المطلوب, مع إلحاح شديد في تلبية الرغبة لصاحب الحاجة, و كنت ارصد كل ذلك وأسجله في ذاكرتي,وكنت أيضا ونهاية كل أسبوع عندما يبدأ موسم توزيع اللبن على( الحارة ) - وجميع سكانها من أبنائها – أراقب سكناتها وتمتمتها مع نفسها, وهي توزع اللبن في علب صغيره مع شيء من السمن والزبده ,ولمن يحبه قلبها تضع شيئا من القشدة اللذيذة, وكانت تخص في ذلك أكبر أبنائها وتقول أثناء ذلك 0
- هذا لوليدي (حمدان) وهذا لحبيبي (سلمان) ثم تنظر إلى الوجوه المحدقة في وجهها المبتسم قائله أيضا ,وهذا لك ولك ولك , بعد ان تغمس يدها في اللبن وتضع في فم كل واحد منا إصبعها الشهي, الذي سرعان ما تغيب محتوياته في تلك الأفواه الجائعه0
وأعترف حقيقة دائما بيني وبين نفسي أنها كانت لا تميزني عن غيري, ولا تخصني لا بقطعة جبن صغيره ولا كبيره ,على العكس من ذلك كانت حريصة كل الحرص على وضعها في يد أغبانا و(اسطلنا )من أبناء الحارة - واقصد قطعة الجبنه - ولا ادري لماذا كانت تخصه في ذلك 0
حفظت منها ومن مثابرتها الكثيرمن الأشياء, والأسماء التي اختفت من المعجم اللغوي (كالرفه ) (والخبنه) و( الشق ) و(الرواق) (والواسط ) و(والكاسر ) ومن أسماء اللبن ( الرايب ) و( المخيض ) و ( الجميد ) و ( الغبيبه ) وكنت لا أتوانى في طرح الاسئله عليها ,لاكتساب مزيد من المعرفه, وكانت تجيب على أسئلتي دوما دون كلل أو ملل , وشاءت الصدف أن يأخذني والدي معه إلى المدينة لم تفارقني صورتها وهي تخض ( السعن ) وتنفخ فيه ,وقررت بيني وبين نفسي شراء علبة ( حلاوة ) لها لأني كنت أعرف أنها كانت تحب (الحلاوة ) وكان والدي في ذلك اليوم قد خصني بنصف دينارمن حصته المتواضعة في غلة الأرض, بعد عام من العناء, كنت اقبض عليه بيدي الطرية ,وكأني امسك بعلبة الحلاوة ولم أفوت على نفسي النظر من نافذة الباص مستطلعا ببراءة مطلقه العالم الأخر, الذي بدا لي عالما جديدا, ولا ادري لماذا كنت ارى وجهها المتجعد ويداها النافرة العروق في ذلك العالم 0
أما (مهباشها) ودلة القهوة الشهيرة فكانت دوما عامره, وكانت لها طريقتها الخاصة في صنع القهوة وتحميصها بالمحماس الذي تآكلت أطرافه, وربما يكون ذلك المهباش وذلك المحماس من أغلى مقتنياتها, إلى جانب إبريق( التوت) الذي تعد فيه الشاي ليلا ونحن مجتمعين – اقصد أبناؤها - لأني كنت أقحم نفسي مع والدي في التعليله 0
كنت في تلك الليله الماطرة ملتصقا بوالدي أراقبه وهو يحتسي الشاي, ساكبا من ذلك الإبريق الكأس تلو الكأس, وكنت أراقب وجوه أعمامي على ضوء (فنيارها ) وقد اكتست وجوههم بالسمرة من دفء النار المشتعلة, في الوقت الذي كانت فيه عاكفة على التدخين من غليونها الطويل, وقد علا وجهها جلال الكبر , أثناء ذلك كانت قد رمقتني بنظرها ثم تمتمت قائله :
- أعطني دلة القهوة يا (جديدة )
ووثبت كمن لسعه دبور مستغلا الفرصة في تقديم ما أحضرت لها ,وكمن يقدم خاتم الزفاف إلى محبوبته امتدت يدي الصغيرة البضة وأخرجت علبة الحلاوة , وقدمتها لها بينما كانت عيون أعمامي تختلس النظر إلى يدي , ساد الصمت قليلا ثم مدت يدها وأخذت العلبة وفرح بريء يرتسم على وجهها لتقول بعد ذلك :
- يا (جديده) يطول عمرك 00!
لا أدري لماذا شعرت بالفرحة ؟ولا ادري لماذا لم انم في تلك الليله ؟فلم أكن احلم بمزيد من اللبن ولا الجبن ولا حتى بالقشدة ,بقدر ما كنت سعيدا لأني ربما أكون قد تعززت مكانتي لديها, أو على الأقل أكون قد قدمت لها شيئا تحبه, تماما كما فعلت من قبل عندما قطعت مسافة طويلة لشراء دخان الهيشه لها , أو (التعباه) كما تسميها هي0
وإذ استلهم من ذاكرتي رائحتها الزكية وعبق (الدالف) الذي كان يتجمع في أماكن مختلفة من بيت الشعر, تذكرت أني وعندما طلبت مني مساعدتها في في شد (رواق البيت) كنت قد أعطيتها صره صغيره من والدتي ولا أعرف ما بداخلها , كانت قد أخذتها وهي تقول :
- هات العصابة 0
وفردت أمامي قطعه قماش سوداء ,عرفت فيما بعد قيمة وأهمية تلك القطعة كتعبير قوي عن الاحترام للكبار, وطلبت مني الذهاب إلى قن الدجاج الذي أحضرت, منه قرابة العشرة بيضات, وضعتها في ( سحله ) صغيره وطلبت مني الذهاب بها إلى أمي 0وقبل أن أهم بمغادرة المكان صرخت قائله
- خذ هذا (المفرش) لامك 0
وحملت هداياها المتواضعة ,وأنا انظر إلى (المفرش) المختلف الألوان, ووقعت عيني على قطعة منه حمراء, وتذكرت أنها قطعة من بنطال أحضره لي والدي, وقد أصبحت جزءا من ذلك المفرش 0جذبته إلى صدري بقوه وشممت رائحته الزكية ,ولا ادري لماذا حملت نفسي مشاعر كانت تكبرني, ولا أقوى على تحملها ودون أن ادري أجهشت بالبكاء0
في اليوم التالي, وكان على ما اذكر يوم الجمعة, استيقظت من نومي متأخرا, ولا تزال صورة (المفرش) عالقة في ذهني-وهو ما لن أنساه - تذكرت انه يوم صنع و توزيع (السماط) الذي تفوح منه رائحة البهار والسمن البلدي, وعبقت في انفي رائحة القشدة ,وسال لعابي عندما تخيلت قدرها الكبير الذي كانت تصنع فيه سماطها الشهير,كقهوتها السمراء( الممزمزة) وقفزت من فراشي مسرعا شاقا لي طريقا وسط أبناء عمي الذين كانوا يحملون صحو نهم لملئها بالسماط , كان الطابور طويلا, وكانت العيون ترمقها وهي تملأ الصحون, بينما كنت أقف متأملا يدها التي لاحظت أنها ترتجف ,فيما لم يلاحظ غيري ذلك 0وعندما حان دوري رمقتني بنظرها الذي لاحظت ايضا شروده وقالت كمن أنهكه السهر 0
- وين صحنك يا وليدي ؟
وتذكرت أني لم احضر معي صحني, فاكتفيت بالتزام الصمت منتظرا ردة فعلها , وقطعت علي حبل أفكاري عندما قالت
- سأملأ لك هذه (السحله) ولا تنسى أن تسلم على أمك , وشعرت بالتيه أمام هذه الخصوصية, وهذا التعزيز, كما لو كنت جنديا صغيرا حصل على شيء من الإطراء من قائد كبير 0
واقسم أنني وددت تقبيل يدها التي كانت تغرف بها السماط, ولو استطعت لفعلت ,ولاحظت أن القدر الذي كانت تغرف منه السماط قد فرغ من محتواه, ولم تبق لنفسا شيئا, وإنما اكتفت بلعق ما تبقى فيه مع تنظيف يديها بلسانها الذواق 0
كانت مواقفها وإيثارها للآخرين مثار دهشتي وإعجابي, وكانت دروسا لن أنساها ولا أبالغ إذا قلت مرة أخرى باني الوحيد رغم صغر سني الذي وبالفعل كان يرصد ويسجل ذلك, وكنت إذا حاولت فعل شيء أتذكرها وأقول في نفسي كانت تفعل كذاو كذا,وأتذكر عبارتها وحكمتها الشهيرة (الدنيا رايحه وما باقي غير الله والسترة ) مع شيء من التصرف بالعبارة لاختلاف الزمان والمكان , مع الإيمان المطلق بعظمة الخالق الذي حبى عباده على بساطتهم هذه الطيبة وهذا الحب 0
عندما أصبح لي بيتا, وعندما غزت التقنية بيوتنا ,وعندما كان العالم لا يتجاوز رواق البيت الذي كانت تملؤه بركة وطيبه,بذلت جهدا مضنيا في البحث عن أي شيء يذكرني بها ,ومع الأسف لم اعثر الاعلى (مهباشها ) و(دلة القهوة) وبقايا من (غليونها) الذي لا يقدر بثمن,أما (المفرش) الذي كانت فيه رقعة من بنطا لي الذي اشتراه لي والدي ,فلم اعثر عليه مطلقا 0
أخر ما تسجله الذاكرة عن الجدة أنها كانت طبيب الحارة المداوي والمعالج للجراح ,فهي تحتفظ بأنواع مختلفة من الإعشاب (كالشيح والجعده والبابونج واليانسون والزعفران والبعيثران والقاسوم والحرمل) إلى جانب أدوات للكي خاصة بها, واذكر أني أصبت بتقرحات جلديه( المخسيه) قامت بكي أماكن مختلفة من جسمي, شفيت بعدها تماما, وكانت ماهرة في معالجة االالتواءات وتدليك الجلد وتخفيف آلام ( العفصه ) وطرد ( القرينة ) وقراءة الكف وكشف الطالع بالبخور و(الشبه )
وكانت لها قدره خاصة على لحس العين, وتخليصها من الالتهابات, ولا أذكر أنها لجأت إلى طبيب, أو شكت من الم, أو مغص ,وكانت ترفض رفضا قاطعا المبيت داخل غرفة, أو مكان مغلق, بل تفضل نومة بيت الشعر, أو الجلوس في ( الخلا أو البطين ) مكتفية بتدخين غليونها والنظر بعمق إلى الاشيا ء وسبر أغوارها لتفاجئك بما يدور في ذهنك من افكار0


28/8/2005
خالد العشوش
1- نشرت في مجلة الفضاء الثقافي الليبيه : انظر الرابط التالي: www.elfada.com/modules.php?name










ميلاد في طي النسيان00
قصة قصيرة

روت لي والدتي - وكنت قد سألتها من باب الفضول عن ظروف ولادتي وملابساتها – انه صادف يوم مولدي هبوب ريح عاتية ,على الأرجح كانت شرقيه لا غربيه - بدليل أنها كانت تشير بيدها نحو الشرق, فيما الخيمة بيتنا الوحيد ذات العامود الواحد كان مدخلها غربيا - على كل حال كانت تلك الرياح مقدمة لعاصفة مطرية ورعدية, كما فهمت من والدتي, التي راحت تصف لي اللحظات الأولى لخروجي إلى هذه الدنيا , وقالت متنهدة ( كادت الخيمة تقع علينا لولا رحمة رب العالمين ووجود والدك في تلك اللحظة, لقد ظل يا ( وليدي ) ممسكا بقوة بالعامود لمنع الخيمة من السقوط, وكنت ساعتها أعاني آلام المخاض, وكنت بين لحظة وأخرى اطلب منه الذهاب إلى بيت جدتك لتكون إلى جانبي , ودون أن ادري خرجت إلى هذا العالم , وكان أول شيء قمت به أني لففتك (بالملفعه) و(قمطتك) وقطعت صرتك بيدي , بعد ذلك وضعتك في حجري لاحميك فيما لو سقطت الخيمة, ولم يقو والدك على الصمود في وجه العاصفة, ولكن والحمد لله هدأ كل شيء وتنفس والدك الصعداء وكنت اسمعه يبتهل إلى الله أن يكون ذلك فال خير عليك , أدركت ساعتها أن لتلك الليلة تأثيرها الخاص على مزاجي, فربما من باب الصدفة يكون طالعي هوائيا, وربما يكون للجوزاء تأثيرها القوي على مزاجي المتقلب غير المستقر 0
فيما كانت والدتي تسرد علي تلك الأحداث, كنت انظر أليها مشفقا, وكانت هي تنظر إلي ولسانها يلهج بالدعاء إلى الله أن يحفظني من كل مكروه وان ينصرني على أعدائي, وان يرزقني الأبناء ويوسع علي في رزقي , رثيت لحالها ولادعيتها ورحت أقيس المسافة من يوم مولدي إلى هذه اللحظة التي أخذت تسرد فيها علي حكاية الولادة الاليمه , وذلك الصراع مع الحياة , وكأنما زادت رغبة والدتي في تذكر الماضي قالت: ( بعد ذلك يا (وليدي) بأسبوع (هجينا ) إلى (الذراع ) مشيا على الأقدام فقد وقعت الحرب ودخل (اليهود ) قريتنا , في بداية الأمر هربنا إلى الجبال القريبة ومكثنا فيها نصف النهار, وعندما نشر الليل ظله قرر والدك السير على الأقدام إلى اقرب مكان لقريتنا, قطعنا مسافة ليست بالقليلة مرورا (بالميرة ) (فعسال ) ثم (المزرعة) إلى أن وصلنا إلى (الذراع) وكنت أحملك ساعة ووالدك ساعة أخرى, وكان أهل القرية منشغلين كل في حاله كان همي الوحيد هو الابتعاد بك عن نيران اليهود 0وزاد إشفاقي عليها لان المسافة التي تتحدث عنها تزيد على الأربعين كيلو مترا, ولم تترك لي الفرصة في الإشفاق أكثر قالت متلذذة ( ما أحلاها من أيام كانت سعادتنا غامره بولادتك لأنك البكر ولأنك جئت بعد معاناة وطول انتظار , ومن شدة خوفي وقلقي عليك كانت الكوابيس تؤرق نومي وتقض مضجعي, فكثيرا ما كنت احلم أحلاما مزعجه تجعلني استيقظ من نومي خائفة وجله , ولعل أشدها وقعا علي أني حلمت أكثر من مرة بك تسير هائما على وجهك وسط غابة من الأعشاب الطويلة والكثيفة, يشقها طريق ترابي وبينما كنت تسير اعترضت طريقك أفعى سوداء راحت تطاردك وسط تلك الأعشاب , وكنت تركض محاولا النجاة من أنيابها السامة, وظلت تطاردك وأنت تراوغها وتحاول الإفلات منها , وأنا اصرخ بأعلى صوتي قائله ( احذر رأس الأفعى ( يا وليدي ) (أحذر رأس الافغى يا وليدي ) وفي اللحظة التي كادت تعظك بنابها انقض عليها نسر حاد النظرات, مزقها بمخالبه القوية ثم ألقى بها عند قدميك 0
أردفت والدتي قائله بعد أن جذبت نفسا قويا , منذ تلك اللحظة نذرت على نفسي الصوم لله شكرا وحمدا له, لان مشيئته هي التي أنقذتك من تلك الأفعى , توقفت قليلا عن الكلام ورفعت يديها إلى السماء وأخذت تتمتم بأدعيتها المتضرعة والخاشعة إلى الله شاكرة وحامدة قدرته على رحمته ولطفه بي 0دون أن ادري همت عيناي بالدمع حتى كاد يشرق بي , وجذبت يدها إلى فمي وأشبعتها تقبيلا , وسمعتها تتمتم قائلة ( الله يرضى عليك يا وليدي ) كان لوقع كلماتها تأثير قوي في نفسي, كانت أدعيتها هي مصدر قوتي وثقتي في نفسي, وكنت دوما أحدق في السماء محاولا الوقوف على شيء , أو ربما محاولا إشعار نفسي بالثقة وبأن ادعيتها سوف تجلب لي حسن الطالع والرزق 0
وكانت (الخرزة الزرقاء) و(خرزة الكباس) ومجموعة أخرى من الخرز الملون المعلق في رقبتي عن العين والحسد والوسواس الخناس, ومجموعات أخرى من التمائم لا اعرف لها اسما , كانت أيضا وكلما ابتعدت عن ناظرها تجلب لي الحظ والثقة والشعور بأنها إلى جانبي , وكنت كلما شعرت بالرغبة للعب مع أقراني أضعها بحرص شديد في جيب ثوبي القصير كثير الرقع , وكان هذا يزعجها ويقلقها , بدليل أنها كانت تهرع ألي صارخة , لا تضع ( خرزاتك يا وليدي إلا في رقبتك ) 0وفي المساء كما هي عادتها , كانت تدثرني وتلفني وتنفث في وجهي غيوم من البخور والروائح , والادعيه( اخسي خسيتي بالبحر رسيتي ) وتقصد عين الحسود وتمسح جسدي بالماء والزيت وتضع على رأسي الحناء , ثم بعد ذلك تضعني في حجرها لتنويمي ,
ذات يوم شتوي دافئ جذبتني إليها برفق, ووضعت في يدي صرة صغيره وكنت قد بلغت من العمر ما يؤهلني للسخرة, وحمل الأشياء وإرسالها إلى جدتي, وقالت ويدها تمسك بالصرة , ( وليدي حبيبي هذه الصرة لجدتك فيها بعض الأشياء ) صمتت قليلا ثم قالت ( وهذه الصرة الصغيرة فيها عشرة برايز ) أي دينار ( أريدك أن تذهب بها إليها ولا تنسى أن تقبل يدها عند وصولك إليها ) وراحت يدها الأخرى تدس العشرة برايز- تحويشة ربما شهر أو شهرين - في جيبي بل إنها لم تطمئن إلى ذلك فقد أحضرت إبرة وخاطت الجيب وأحكمت إغلاقه على العشرة برايز, وبصوت مبتهل أصدرت أمرها لي بالذهاب , وظل صوتها يرافقني إلى أن اختفيت عن ناظرها, وكان صوتها يتناهى إلى سمعي ضعيفا ورقيقا قائله ( سلم على جدك وعلى خالتك وعلى خالك و و000) وتوقف صدى صوتها ولم اعد اسمعه وكنت بين لحظة وأخرى أضع يدي على جيبي متفقدا العشرة برايز, فيما الأخرى كانت تمسك الصرة بقوة وحرص غريبين 0
حتى أصل إلى بيت جدتي , يجب علي قطع مسافة ليست بالقليلة, وحتى تطمئن هي على سلامتي فإنه يجب علي العودة قبل غروب الشمس, ولهذه الأسباب مجتمعه كنت أحث الخطى للوصول , يدفعني عامل الشوق لخالي واللعب معه, والرغبة في العودة إليها حتى لا اخذلها, ولا ادري لماذا شعرت وللمرة الأولى بأني سأخذلها , وربما يكون لخيالي الخصب ولرائحة الدجاج المشوي بالطابون عند جدتي سببه القوي في خذلانها , مع يقيني الذي لا اشك فيه بأنها تعرف بما لا يقبل الشك بأني أضمرت في نفسي المبيت عند جدتي,على أن لا يزيد ذلك عن ليله واحده , لا يوما وحتى لو كان ذلك عند جدتي , ولم اشعر بأني كنت اركض الابعد تعثري أكثر من مره , ولا ادري لماذا صعقت عندما تذكرت قصة الأفعى وقولها ( احذر رأس الأفعى يا وليدي ) وفجأة وعلى حين غرة وفي منتصف الطريق تماما, وفي اللحظة التي كانت يدي تمسك فيها بالصرة والأخرى تتفقد العشرة برايز تحويشة أمي , برزت أفعى سوداء بشعة المنظر والخلقة , رمقتني بنظرها الماكر وشعرت بأنها قد اتخذت قرارها في مهاجمتي دون سبب يذكر, وتقدمت نحوي على مؤخرة ذيلها , فيما صوت أمي في الأفق يقول ( أحذر رأس الأفعى يا وليدي ) أغرب ما في الأمر أني لم أشعر بالخوف, ولم أصرخ أو اطلب النجدة, وتذكرت النسر القوي الذي انقض على الأفعى , مع شعوري القوي بأن النسر ربما يكون الحلقة المفقودة في هذا الحدث المفاجئ , وبثقة لم اشعر بها من قبل , وضعت الصرة جانبا, ووقفت وجها لوجه أمام الأفعى السوداء التي كانت في يوم من الأيام مصدر خوف وقلق أمي , وفيما كانت تهم بالهجوم, حدت عنها جانبا وبقوة مبعثها الرغبة القوية في إيصال الصرة إلى جدتي, والعشرة برايز تحويشة أمي, أمسكت بها من ذيلها ودرت بها دورات عديدة وضربت رأسها بالأرض, ثم بعد ذلك وقبل أن ترفعه نحوي , دسته بقدمي مرات ومرات , ولم اطمئن لذلك بل تناولت حجرا وهشمت رأسها به إلى أن لفظت أنفاسها أمامي , عندها شهقت وشعرت بسعادة عارمة وأنا أراها ملقاة أمامي هامدة , وكانت هذه أول انتصاراتي 0
مرت حادثة الأفعى بسلام وظلت سرا لم أبح به لأحد حتى لأمي , مع أنها في اليوم التالي لرجوعي سألتني بإلحاح عما إذا واجهت مشاكل في رحلتي إلى بيت الجدة , واكتفيت بإخبارها عن سعادة جدتي وفرحها بالصرة والعشرة برايز , وكنت أثناء ذلك اقرأ قسمات وجهها الذي كان مطمئننا ومستبشرا بعودتي سالما غانما 0
في يوم ربيعي من أيام أمي وكنت قد كبرت شيئا فشيئا وأشتد عودي , وأخذت إثر ذلك تخفف من رقابتها الصارمة على حركاتي, وروحاتي وجياتي , وكانت دوما وبلهجة أمره تقول لي ( لاتبتعد كثيرا عن البيت ) وكانت بين لحظة وأخرى تتعمد مناداتي للاطمئنان على وجودي بالقرب منها, في ذلك اليوم وللمرة الأولى, ولا أدري لماذا تعمدت مخالفة أوامرها الصارمة سولت لي نفسي وبوسوسة من أقراني , الابتعاد عن البيت والخروج في محاولة مني لاكتشاف العالم من حولنا , وربما تولدت لدي الثقة القوية في الخروج بعد ذلك الانتصار الذي حققته على الأفعى , وأثناء ذلك ارتكبت مخالفة أخرى وذلك بتخلصي من تمائمها التي بت أشعر بالحرج من وضعها في عنقي , وتعمدت وضعها في مكان تتمكن فيه من رؤيتها حتى أوفر على نفسي عناء الإجابة عن ذلك السيل الجارف من أسئلتها المستنكرة , والرافضة لتصرفي هذا 0
وأنا في طريق العودة إليها , ومن باب الحرص على رضاها وعدم إثارة غضبها ورفع ضغطها , أخذت أبتكر في مخيلتي الجواب تلو الجواب , والمبرر تلو المبرر لخروجي غير المبرر بالنسبة لها , وكنت أتخيل ردات فعلها ومدى تأثير ذلك علي علما بأنها وعندما تعجز عن معاقبتي تلجا إلى والدي المنهك والمتعب , والذي يكتفي بالنظر إلي معاتبا ولائما , لأنه يعلم بأنها لن تغفر له فكرة أن يعاقبني ولو لفظيا 0 عندما رأتني عائدا أشاحت بوجهها عني وتظاهرت بأنها منشغلة بشيء ما , وعندما اقتربت منها , ولم أجروء على النظر إليها مباشرة , سمعتها تقول أشبه بالهمس ( الغداء هناك , لا بد أنك جائع ) صمتت قليلا ثم قالت بشيء من الحدة ( غداء وعشاء فأنت لم تذق شيئا اليوم ) فيما والدي كان يراقب الموقف خفية دون أي تدخل منه 0في قرارة نفسي, وبعد تحليل وتمحيص وبعد مقاطعة دامت أسبوعا كاملا منها لي , وكانت خلال ذلك تكتفي بوضع الطعام أمامي , أدركت أن أمي كانت مدرسة وحياة يجب أن أتعلم منها الكثير, فلولا مقاطعتها لي ربما أكون تعلمت من العادات ما يكون سببا لانحرافي و ضياعي, ولولا حرصها الشديد علي لكان ميلادي الذي حدثتني عنه في طي النسيان, ذلك الميلاد الذي لم يشهد شموعا ولا أضواء خافته, وإنما شهد آلاما ودموعا سخية منها, وأدعية مبتهلة ربما تكون هي السبب في بقائي إلى الآن , منذ تلك اللحظة وبشي من التحفظ على بعض ممارسات أمي, قررت أن لا أخالف لها أمرا , فالمكان الذي كنا فيه بالأمس لولا عناية الله كاد يشهد غرق طفل صغير خرج عن طوع أمه(1)
خالد العشوش
20/ 8 /2005 / غور الصافي
1- نشرت في مجلة الفوانيس المغربيه وفي مجلة أدب فن المنوعة :
انظر الرابطين التاليين: alfawanis.com/alfawanis/index.php?option=com
www.adabfan.com/?news

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحياة الثقافية والادبية والعلمية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: