غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ايات رحمانية / الفصل الخامس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ايات رحمانية / الفصل الخامس   الخميس أغسطس 05, 2010 7:37 am

الفصل الخامس .
(1)
ويخيم السكون قليلا , وتُطوى مسافات ومسافات , وتُقهر الساعات تتلوها ساعات,ويحطُّ (أبو جمعة) ومعه الصوت رحالهم في أرض الكنانة مصر , حيث الفاجر الكافر فرعون وقد علا وتجبر وعتا في الأرض عتوا كبيرا قائلا :
- أنا ربكم الأعلى .
ليس هذا وحسب , فقد أعرض عن ذكر الله , واستضعف شعبه , يذبِّح الأبناء , ويحيي النساء , وبينا هو جالس, يقول له أحد أزلامه في إحدى سهراته :
- إنَّ القبط وبني إسرائيل يقولون: إنَّ غلاما من ذرية إبراهيم سوف يكون هلاكك على يديه
وتثور ثائرة فرعون ليقول :
- اقتلوا كل غلام يولد منهم .
ويقول بعد صمت وتدبُّر :
- لقد رأيت في المنام نارا قد أقبلت من بيت المقدس , أحرقت كل شيء إلا بني إسرائيل, فلم تصبهم تلك النار .
ويقول كهنته وسحرته معا :
- إنه الغلام من ذرية إبراهيم .
ويولد الغلام بمشيئة من الله جل علاه , وتلقيه أمه في اليم , وتسوقه أمواج اليم إلى أهل فرعون , وتتخذه امرأة فرعون ابنا لها, قائلة لفرعون الذي تراجع عن ذبح الغلام , لرغبة امرأته في تربية الغلام :
- قرَّة عين لي ولك .
ويرد الطاغية مستنكرا :
- أما لكِ فنعم, أما لي فلا .
ويرده الله إلى أمه الفزعة خاوية الفؤاد , التي كاد الحزن يقتلها , وكل ذلك بفضل من الله ورحمة بأمه فارغة الفؤاد.
إن موسى يا( أبو جمعة )أية من آيات الله الكبرى , لقد مَنَّ الله عليه بما لم يمنن به على نبي من قبل , إنه كليم الله , الله الذي لا يكلم أنبيائه إلا من وراء حجاب, أو بوحي منه جل في علاه ,لقد أتاه الله حكما وعلما ووهب له أخاه هرون سندا وذخرا.
في ليلة اشتد بردها , وظلامها وبينما , موسى يسير في الصحراء متخفيا وأهله , قال :
- امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون .
ويحث موسى الخطى نحو النار , وقد غمره الأمل بأن ثمة ما قد يكون سببا للاهتداء إلى الطريق الصحيح في هذه الصحراء المقفرة الباردة , وما إن وصل موسى تلك النار, حتى سمع نداء من شاطئ الوادي الأيمن, في بقعة مباركة من شجرة نبتت في المكان , كانت النار تتأجج فيها بقوة, فيما خضرتها ونضارتها في ازدياد عجيب :
- يا موسى إني أنا الله رب العالمين , وأن ألق عصاك .
ويلقي موسى عصاه التي بيمينه,يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه وكان له بها أيضا مأرب أخرى فتهتز كما لو كانت جانا , فيصيبه خوف وهلع عظيم , ويوّلي مدبرا غير مفكر في العودة إلى ذلك المكان الذي تحولت فيه عصاه الى أفعى, بعثت في نفسه الخوف والهلع . ويقول الله تعالى :
- لا تخف إنك من الآمنين .
ويقول أيضا :
- إني أنا ربك فأخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى , وأنا اخترتك فاسمع ما يوحى , إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري , إنَّ الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى , فلا يصدنك عنها مَنْ لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى .
ومرة أخرى يقول الحق :
- أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرَّهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين .
ويقول الله جل في علاه :
- اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري , أذهبا إلى فرعون إنه طغى , فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى .
ويقول موسى وأخوه :
- ربَّنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى .
ويقول الله :
- لا تخافا إنني معكما اسمع وأرى .
وهنا يتوقف الصوت عن الكلام , فيما (أبو جمعة) يصغي ويرهف السمع مأخوذا بما يسمع , حامدا وممجدا الله , على قدرته ونعمه التي اصبغها على نبيه موسى , ويصيبه خشوع عظيم عندما قال له الصوت , إن الله كان يسمع ويرى كل ما يحد ث بين موسى وفرعون ويكبر بأعلى صوت قائلا :
- الله اكبر والحمد لله رب العالمين .
ويردف الصوت قائلا :
- أتدري ماذا قال فرعون لموسى وهرون عندما ابلغاه رسالة ربهما ؟!!
ويرد أبو جمعه :
- لا علم لي إلا ما علمني الله .
ويقول الصوت :
- لقد قال لهما اللعين فرعون " فمن ربكما يا موسى " ويرد عليه موسى الواثق بربه :
- ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
ويرد فرعون الفاجر قائلا :
- فما بال القرون الأولى ؟
- علمها عند ربي في كتاب لا يَضل ربي ولا ينسى , الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى , كلو وارعوا أغنامكم إنَّ في ذلك لآيات لأولي النهى , منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .
ويريه الله الآيات كلها ,غير أن الطاغية يعرض عما أتى به موسى, ويتكبر عن عبادة الله ويقول لموسى :
- أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ؟ فلنا تينك بسحر مثله, أجعل بيننا موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سويا .
ويقول موسى كليم الله :
- موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى .
ويجمع فرعون كيده وسحرته وكهنته وأشياعه من الكافرين , وكان موسى قد قال له من قبل :
- أو لو جئتك بشيء مبين ؟
فيقول فرعون :
- فأت به إن كنت من الصادقين ؟!!
ويلقي موسى عصاه ,فإذا هي ثعبان مبين, وينزع يده فإذا هي بيضاء للناضرين , إنهما برهان نبوته الصادقة لفرعون وملئه الذين كذبوا ما رأوا فقالوا بلسان واحد :
- إن هذا لسحر مبين , إن هذا لساحر عليم ؟!!
ويرد موسى المؤمن, الصادق الصدوق, فيما الله يرى ويسمع ما يقولون وهو أقرب إليهم من حبائل أوردتهم , ولو شاء الله لقطع منهم الوتين ولكن لا يعلمون .
- أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ؟!!
- أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكم الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين.
ويقول كبيرهم فرعون الذي حرم نفسه من نعمة عبادة ربِّ العباد وأضلَّ العباد عن ربِّ العباد من بني إسرائيل :
- ائتوني بكل ساحر عليم .
- أرجه وأخاه وأبعث في المدائن حاشرين , يأتوك بكل سحار عليم
ويجمع فرعون السحرة حسب الوقت المتفق عليه , ونادى مناد في الناس :
- هل أنتم مجتمعون , لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ؟
ويقول السحرة الطامعين بعطاء فرعون ورفده :
- أئنَّ لنا لا جرا إن كنا نحن الغالبين
- نعم وإنكم إذا لمن المقربين .
ويقول موسى متحديا وواثقا :
- القوا ما انتم ملقون .
ويلقي الجهلة حبالهم وعصيهم قائلين :
- بعزة فرعون إنا نحن الغالبون .
وبينما هم كذلك وقد أخذتهم العزة بالإثم , يلقي موسى عصاه- وقد أوجس في نفسه خيفة بيد أن الحق قال له: بأنه هو الأعلى - فإذا هي تلقف ما يأفكون , ويخر السحرة ساجدين, راكعين مسبحين, بعد أن كشف الله الغشاوة عن أعينهم وبعد أن اكتشفوا مدى عجز فرعون وضعفه , وأنه مجرد مخلوق ضعيف لا حول له ولاقوة, أمام قدرة خالقه الكريم فيقولوا :
- آمنا برب العالمين رب موسى وهرون .
ويصاب فرعون بالخيبة ويقول وقد أعماه كفره وطغيانه :
- آمنتم له قبل أن أذن لكم, إنه لكبيركم الذي علمكم السحر, فلسوف تعلمون, لا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولا صلبنكم أجمعين.
- لا ضير إنا الى ربنا منقلبون , إنا نطمع أن يغفر لنا ربّنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين .
***
(2) ويزداد فرعون طغيانا ولؤما فوق لؤمه , ويعلو في الأرض , بينما موسى لا تؤمن به إلا فئة قليلة خوفا من فرعون وهامان , منهم امرأة فرعون التي دعت الله فاستجاب دعاءها , بأن بنى لها قصرا في الجنة , والسحرة وشيء من القبط , والرجل الناصح الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قائلا :
- إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين .
ويوحي الله الى موسى أن يسري هو ومن امن برسالته, تاركين مصر الى بلاد الشام ,خوفا من كيد فرعون , الذي جمع جيوشه المجحفلة , المدججة بالسلاح, متبعا موسى ومن امن معه ليقتله , انتقاما لذلك الموقف الذي أخزاه الله فيه فكان من الظالمين .
كان الجيش من الكثافة بحيث سد منافذ الأرض , يتقدمه فرعون الممتلئ غيضا وكرها على موسى , الذي كشف حقيقته وعجزه أمام قومه , ويدرك فرعون وجنوده موسى ومن آمن معه , كان الجمع غير متكافئ, كثرة كثيرة لفرعون وقلة قليلة مع موسى الذي قال له من معه :
- إنا لمدركون .
فيرد موسى العظيم الكريم مؤمنا واثقا كما لو كان يعلم نهاية فرعون المخزية :
- كلا إن معي ربي سيهدين .
ويتقدم موسى أنصاره , ناظرا الى البحر المتلاطم الأمواج , المتأجج زبده قائلا :
- ها هنا أمرت .
قال ذلك ومعه أخوه هرون ويوشع بن نون , وجمع من المؤمنين .
ويقترب فرعون وجيشه مطبقا على موسى ومن معه , ليس أمامهم إلا البحر العاتي وليس الى دخوله من سبيل , كان فرعون الناقم قد وصل الى حقيقة لا يمكن تكذيبها , وهي أن نهاية موسى ومن معه باتت وشيكة وأن مياه البحر وأسماكه فيما لو حاولوا الفرار منه, سوف تكون مستقرهم الأخير ونهايتهم المؤملة بالنسبة له , ويشتد الأمر على موسى ومن معه وتزوغ الأبصار , وتبلغ القلوب الحناجر , وتقترب سنابك خيل فرعون من موسى ومن معه , على أمل أن يدوسهم فرعون بها عما قليل , فيما الله يسمع ويرى , وفجأة وعلى حين غرة يوحي الله إلى موسى قائلا :
- اضرب بعصاك البحر .
ويضرب موسى البحر واثقا غير متردد بعصاه , فينفلق البحر إلى قسمين كبيرين كما لو كانا جبليين عظيمين , بينهما طريق يفصل بينهما .
ومرة أخرى يقول الله :
- أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ولا تخاف دركا ولا تخشى .
ويقتحم موسى ومن معه البحر المنقسم إلى قسمين كبيرين , قبل أن يدركهما فرعون بجنوده , الذي أعماه الله عن الحقيقة الكبرى, رغم الآية العظمى وانقسام البحر أمامه . لا بل إنه تبع موسى على أمل أن ينال منه , ويمعن موسى هربا ويتجاوز الفلق الكبير إلى الضفة الأخرى , فيما فرعون لا زال في منتصف الطريق , ويغشاه الموج العظيم ويطبق عليه البحر ومن معه ليمزقه ويسحقه كما لو كان حشرة صغرى . فيما موسى ومن معه يتلذذون بالنجاة من كيد فرعون , فرحين مستبشرين بآيات الله الكبرى .
ولم ينفع فرعون إيمانه في اللحظات الأخيرة , بعد أن أعطاه الله الفرصة تلو الفرصة , فغرق وكان من المغرقين المحرومين من رحمة الله أرحم الراحمين, وطفا جسده فوق الماء ليكون أية للسائلين .
ويصرخ (أبو جمعة) بعد أن توقف الصوت لالتقاط أنفاسه قائلا :
- بوركت يا موسى ابن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم بوركت وبورك من معك من القوم المؤمنين .
ويردف (أبو جمعة) قائلا :
- اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام , ما أعظمك وأكرمك , إنك القادر على كل شيء تسمع وترى .ويقول الصوت مرة أخرى :
- لقد صدق الله وعده بان نجّا موسى ومن معه من كيد فرعون وهامان , كما نجّا إبراهيم ونوح من قبل من عباده الصادقين .
***
(3)
ويكلم الله موسى مرة أخرى , ويمن عليه بآية من آياته الكبرى , فيقول موسى المشتاق لرؤية وجه ربه , المتبتل في محراب الحب لله جل في علاه :
- ربِّ أرني أنظر إليك .
فيقول له الكريم :
- لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني .
ويتجلى الله بعظمته وجلاله لنبيه موسى , الذي خر مغشيا عليه صعقا, فيما الجبل تداعى دكا حطاما جذاذا وقد ذاب من نور الله , ويصحو موسى مذهولا مما هو فيه قائلا :
- سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين .
ويقول له الله:
- يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيك وكن من الشاكرين.
ومع تجلي الله لنبيه موسى الذي كاد يفقد بصره من شدَّة نور الله , وفي الوقت الذي كاد فيه أبو جمعة هو الأخر يغيب عن وعيه لهذه الكرامة الإلهية لموسى من الله جل في علاه , يملا المكان ذلك الصوت الأزلي المسبح لله قائلا :
- الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
ويطرب الصوت أذنيّ( أبو جمعة) قائلا :
- انه الله لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة , الذي اهلك فرعون ومن بعده قارون ,الذي كان من قوم موسى , وأعطاه الله من المال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة , فخسف الله به وبداره الأرض , وهو الله ربُّ الخضر والياس مِنْ أهل الكرامات والعبادات ورب يوشع فتى الخضر عليهما السلام وحز قيل الذي أحيا الله له الموتى, الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت, فقال لهم الله:
- موتوا ثم أحياهم .
وهو الله رب اليسع الأسباط بن عدي من نسل إبراهيم .
وكمن يستفيق من غفوة بعد سنة أخذته يقول( أبو جمعه) متلذذا :
- الحي القيوم الذي لا يموت رب داود وسليمان عليهما السلام .
ويطوي الزمان الأيام تلو الأيام, (لا بو جمعة ) ويمخر( أبو جمعة) عباب الساعات, ليحط الرحال بصحبة ذلك الصوت في ارض بعيدة, في عمق التاريخ ليسمع الآيات تلو الآيات من رحمات الله جل في علاه , وفي كل آية يسمعها , يزداد حبه لله , فيبكي من خشيته , وتغمره سعادة لو غمرته في دنياه , لازداد مناجاة طلبا للنجاة , بيد أنه تمتم متلذذا :
- يالله يالله, أنت العظيم , أنت الكريم .

***

وبلهفة أضفت نورا ورونقا على وجه (أبو جمعة) المتلألئ قال :
- إني أسمع صوت معركة تدور رحاها بين بني إسرائيل والعمالقة وما هذا التوجع والأنين الذي أسمعه كما لو كانوا جرحى وقتلى معركة شديدة ؟!!
ويرد الصوت الذي قال ملبيا رغبة( أبو جمعة) في الاستزادة :
- إنهم العمالقة من أرض غزة وعسقلان , لقد أثخنوا بني إسرائيل قتلا وتجريحا, وسبوا نساءهم وأبناءهم , ولم يبق منهم إلا امرأة حامل , دعت الله أن يرزقها ولدا ذكرا , فاستجاب الله دعاءها وأسمته ( شمويل ) أي إسماعيل .
لقد كبر شمويل وترعرع , واجتباه الله , فأرسل له جبريل , الذي أخبره بنبوته , وأن الله قد بعثه إلى قومه الذين قالوا له :
- ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله .
فيقول شمويل :
- هل عسيتم إن كتب الله عليكم القتال ألا تقاتلوا ؟
فيقول قومه :
- وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا ؟
بيد أن قوم شمويل وعندما كُتب عليهم القتال ولـَّـوا مدبرين إلا قليل منهم , فيقول لهم شمويل مرة أخرى :
- إن الله بعث لكم طالوت ملكا .
فيقولوا :
- أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال
فيقول شمويل :
- إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم .
ويردف شمويل قائلا :
- إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إنَّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين .
ويعد طالوت العدّة لمواجهة جالوت كثير السلاح والجنود متجاوزا نهر الأردن قائلا :
- إنَّ الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من أغترف غرفة بيده
ويبقى مع طالوت نفر قليل ممن آمن به , متجاوزين النهر إلى الضفة الأخرى, قائلين له :
- لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده .
فيقول الذين آمنوا بلقاء ربهم :
- كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين .
ويلتقي الجيشان , جيش طالوت القليل العدد المؤمن بالله وجيش جالوت المغتر بكثرته البعيد من الله ويقول نفر من جيش طالوت :
- ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين .
وتدور معركة كما موج البحر العاتي , ويقتل طالوت عددا كبيرا من جيش جالوت , ويقذف الله السكينة في قلوب الذين أمنوا , ويُهزم جالوت ومن معه , ويمكن الله داود الفتى الشجاع من قتل جالوت أمام أتباعه وأنصاره إذلالا له ولجيشه .
ويهتف (أبو جمعة) مهللا ومكبرا قدرة الله وقهره للظالمين :
- عليك السلام أيها النبي الكريم وبورك شمويل وبورك طالوت

***
(4)

- لقد كان داود فتى شجاعا وجنديا مخلصا من جنود طالوت , وقد أحبه بني إسرائيل, بعد قتله جالوت وكان من فضل الله عليه أن أتاه الملك والحكمة وعلمه مما يشاء , فسخر له الجبال والطير تسبح معه وتذكر الله كلما سمعت صوته القوي , يذكر الله ويسبحه , وعلمه صنعة لبوس وألان له الحديد يصنع منه الدروع , وأعطاه من فصاحة اللسان ما لم يُعط لأحد من قبل , كان قوي الحجة, فقيها لا يجاريه أحد في ذلك .
ويقول الصوت بنبرة بدأ فيها الحب لداود قويا وصادقا :
- وبينما هو في محرابه يتعبد مكثرا من ذكر الله الواحد الأحد , إذ قفز عليه من فوق سور محرابه خصمان , ففزع منهما فبادراه القول :
- لا تخف, خصمان بغى بعضنا على بعض, فأحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهْدِنا إلى سواء الصراط .
ويدلي أحدهما بشكواه إلى داود الأواب قائلا :
- إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعَزَّني في الخطاب .
ويرد داود الفقيه الورع العالم منصفا المشتكي قائلا :
- لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإنَّ كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض, إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم .
وتنتاب داود حالة من الشعور بأنَّ ثمة اختبار ما يمر به أمام هذه القصة الغريبة , فيلهج لسانه مستغفرا ربه , ويخرُّ راكعا منيبا الى الله .
ويتوب عليه غافر الذنب وقابل التوب , غافرا ذنبه , ليكون من المقرَّبين عند الله , وإن له لزلفى وحسن مآب .
ومن ذرية داود بن ايشا بن سلمون (سليمان ) من ذرية الخليل إبراهيم , لقد وهبه الله مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده , فسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب , والشياطين كل بناء وغواص , ومنهم المقيد بالأصفاد , وإن له لزلفى عند الله وحسن مآب .
وخصه الله , بأن علمه منطق الطير , وكل ما يحتاجه من عدَّة وعتاد وجنود من الجن والإنس والطير والحيوان .
ويجمع سليمان جيوشه من الجن والإنس والطير , ويسير بهم قاطعا المسافات , حتى إذا وصلوا واديا للنمل سمع سليمان نملة تقول :
- يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون .
ويبتسم النبي الكريم ضاحكا مما سمع من قول النملة ليقول :
- ربِّ أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين .
ويتفقد سليمان الطير قائلا :
- مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ؟
ويتهدد سليمان الهدهد قائلا لأنه خرج عن طوعه :
- لأعذبنه عذابا شديدا أو لا ذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين .
ويأتي الهدهد قائلا لسليمان :
- أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين , إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم , وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن سواء السبيل ,فهم لا يهتدون , ألا يسجدوا لله الذي يُخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون , الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم .
ويرد سليمان بعد أن أقتنع بسلطان الهدهد وبخبر ملكة سبأ الصابئة عابدة الشمس وقومها قائلا :
- سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ؟
ويطلب منه سليمان قائلا :
- اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم,ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ؟
ويصدع الهدهد لأمر سيده سليمان ويحمل رسالة سليمان الى ملكة سبأ (بلقيس) التي جمعت قومها قائلة :
- يا أيها الملأ إني القي إلي كتاب كريم , إنه من سليمان إنه بسم الله الرحمن الرحيم , ألا تعلو عليَّ وأتوني مسلمين .
وتقول بعد أن قرأت كتاب سليمان :
- يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون .
ويقول قومها :
- نحن أولو قوةٍ وبأس شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين ؟
قالت :
- إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزَّة أهلها أذلة وكذلك يفعلون , وإني مرسلة إليهم بهديةٍ فناظرة بم يرجع المرسلون .
ويرد سليمان مستنكرا فعلتها قائلا لرسلها :
- أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون , ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون .
ويخاطب سليمان ملأه قائلا :
- يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين .
ويقول عفريت من الجن :
- أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك إني عليه لقوي أمين .
ويقول آخر عنده علم من الكتاب :
- أنا آتيك به قبل أن يرتد طرفك .
وما إن أتم كلامه وقبل أن يرتد طرف سليمان , حتى كانت بلقيس وعرشها مستقرين أمام سليمان الذي قال شاكرا ربه :
- هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غنيٌ كريم .
ويقول مخاطبا جنوده :
- نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون .
ويقال لها عند مجيئها :
- أهكذا عرشك ؟
فتقول :
- كأنه هو .
ويقال لها مرَّة أخرى :
- أدخلي الصرح .
وعندما همت بدخول الصرح كشفت عن ساقيها لاعتقادها بأنه لـُـجة من الماء , فيقال لها :
- إنه صرح ممرد من قوارير .
فتقول :
- ربِّ إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين .
ويملأ الفضاء الواسع مابين السموات والأرض , ذلك الصوت المسبح لله جل في علاه تردده السموات والأرض والملائكة , فيغمر التسبيح البيت المعمور والجنة والكرسي والعرش , صوت أزلي يقول :
- الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
وتصيب (أبو جمعة ) حالة من خشوع تتبعه دموع ودموع ولسان حاله يلهج بالتسبيح لله مالك الملك , الذي اصطفى داود ومن بعده سليمان , وخصهما بما لم يختص به نبي , ومن بين دموعه يحدق في الأفق داعيا ومبتهلا ومكبرا عظمة الله , اللطيف بعباده , الخبير بهم , يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور , ويذوب (أبو جمعة) من حب الله , ويجهش بالبكاء المصحوب بالدعاء , فتبارك الله في علاه , تبارك الله الجدير بالثناء , الله الحيُّ القيوم ليس سواه .

***



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ايات رحمانية / الفصل الخامس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: