غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ايات رحمانية / رواية الفصل الرابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ايات رحمانية / رواية الفصل الرابع   الخميس أغسطس 05, 2010 7:28 am

الفصل الرابع.
(1)
فيما كانت أم جمعة تبتهل وتدعو الله , أن يشفي لها زوجها كان (أبو جمعة) يغط في لا وعيه , يحلق في عوالم موغلة في العمق , ليس له من رفيق إلا ذلك الصوت الشفاف الرقراق, الذي كان يبدد سكون المسافات ويقهر الدروب الشاسعات .
ويجفل أبو جمعة عندما يسمع صفيرا وهديرا عاتيا وتكسرا لأشجار, يتبعها تطاير للأحجار , وصراخ يملأ الديار , إنها ريح صرصر عاتية , تقتلع كل شيء , ريح عقيم لا تبقي ولا تذر, لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم , إنه يومُ نحسٍ مستمر , تلقي بالناس كأنهم أعجاز نخل منقعر, ويستغيث أبو جمعة بالله قائلا :
- يالله يا كريم,يا محي العظام وهي رميم , بحق وحدانيتك وتفردك في هذا الكون, يا من أشرقت لنور وجهه السموات والأرض , إني أعوذ بك مما أرى , إني ألوذ بك وأحتمي, يالله من هذا العذاب الأليم .
ويهتف الصوت (بأبو جمعة) قائلا :
-لا تخشى شيئا يا (أبو جمعة), إنهم قوم عاد الذين جابو الصخر بالواد, وهذه مدينتهم ارم ذات العماد , لقد حل بهم عذاب الله , فأرسل إليهم هذه الريح الصرصر العاتية,لأنهم عبدوا الأوثان من دون الله, بديع السموات والأرض , إن فيهم نبي الله الكريم هوداً الذي قال لهم :
- يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره, إن انتم إلا مفترون , يا قوم لا أسألكم عليه من أجر, إن اجريَّ إلا على الله الذي فطرني أفلا تعقلون , ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين .
فيقول له قومه الجاحدين الناكرين :
- يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ألهتنا عن قولك وما نحن بمؤمنين .
لا بل يكابر قوم هود فيقولون له :
- إن نقول إلا اعتراك بعض ألهتنا بسوء .
فيقول هود عليه السلام:
- إني اشهد الله واشهدوا أني بريءٌ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تُنظرون , إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على الصراط المستقيم .
وينجي الله هودا ومن معه من عذاب غليظ, حوّل مدينة عادٍ إلى ركام كما الرماد , فلا ترى إلا الجثث الهامدة, كأنها أعجاز نخل خاوية , ليس لهم من باقية , بعد أن كانوا ينعمون بما أعطاهم الله جل علاه من الأنعام والبنين , والجنات والعيون , والقصور المشيدة بالصخر .
وما إن يصمت الصوت, حتى يسمع أبو جمعة , صيحةً يشيب لهولها الولدان ورجفةً ترتعد منها فرائصه , فيلتفت يمنة ويسرة باحثا عن الصوت الذي يبادره القول, لما رأى منه ذلك الرعب وذلك الخوف :
- إنها الطاغية التي أصابت قوم ثمود , الذين كذبوا نبيهم صالح فعقروا الناقة معجزته وبرهان نبوته , وما أدراك مالطاغية يا( أبو جمعة) إنها صيحةٌ من السماء,من أعلى القوم ورجفة من أسفلهم , فاضت منها أرواحهم وزهقت نفوسهم, فسكنت حركاتهم وخشعت أصواتهم , فأصبحوا في بيوتهم جاثمين , جثثا لا حياة فيها ولا حراك .
ويتابع الصوت قائلا بعد أن سكن روع (أبو جمعة) :
- الم أقل لك يا( أبو جمعة) إن قوة الله لا حدود لها وأنه سبحانه وتعالى يصيب برحمته من يشاء ويعذب من يشاء ؟ ألا تستحق هذه الأقوام الجاحدة هذا العذاب, بعد أن كذبوا رسل الله, الذين أرسلهم الله مبشرين ومنذرين , إن قوة الحق ليس لها حدود, إنها في كل شيء , إنما أمره إذا أراد أن يقول لشيء كن فيكون, فسبحا ن الله عما يصفون, تبا لقوم ثمود وسحقا لهم , لقد أنعم الله عليهم بالجنات والعيون , وزروع ونخل طلعها هضيم , وبيوتا فارهة في الصخر , منعمين ومترفين غير أنهم جاحدين .
ويتمتم (أبو جمعة) بالدعاء والتسبيح, مكبرا عظمة الخالق وقدرته على قهر الضالين والطاغين :
- اللهم إنا نسألك رضوانك والجنة، ونعوذ بك اللهم من سخطك ومن النار. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل. اللهم إنا نسألك من الخير كله, عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك اللهم من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم إنا نسألك أن تعفو عنا,اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا، يا ربَّ العالمين.
ويؤمن الصوت على دعاء (أبو جمعة) قائلا :
- اللهم أمين اللهم أمين .
ثم يقول :
- استعد يا( أبو جمعة) فأنت في حضرة الخليل نبي الله الكريم وأبو الأنبياء , سوف تسمع من رحمات ربك الكثير , رحمات تبكي الصغير والكبير , ويبحر أبو جمعة في عالم من نور , ليسمع آياتٍ رحما نيةٍ تغمر النفس سعادة وسرور.
***
(2)
ويردف الصوت قائلا فيما( أبو جمعة) يصغي باهتمام شديد :
- السلام عليك يا نبي الله الكريم وخليله العظيم , السلام عليك يا ابن تارخ (أزر) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن ارفخشذ بن سام , من ذرية نوح , السلام عليك يا ساكن البيت المعمور, يا أبا الضيفان , أيها النبي الصدِّيق , يا من أكرمك الله, فجعل من ذريتك الأنبياء والصدِّيقين , إسحاق ويعقوب .
ويهمس أبو جمعة شاكرا الله على آلائه ونعمه التي لا تحصى ولا تعد, بينما الصوت يقول :
- لقد كان إبراهيم صدِّيقا نبيا , كثير الصلاة والدعاء والتفكر في عظمة الخالق , في الوقت الذي كان قومه يعبدون النجوم والكواكب من دون خالقها.. الله جل في علاه , ولم يتبعه من قومه إلا زوجته هاجر وابن عمه لوط بن هاران عليهما السلام , وكان أن مَنَّ الله على إبراهيم بأن أراه ملكوت السموات والأرض , ليكون من الموقنين الصادقين , وليزيده ربُّ العالمين إيمانا فوق إيمانه وليثبته على الحق , وبينما الخلق نيام , والليل مخيم بظلامه, إلا من كوكب رآه إبراهيم , الباحث عن الحقيقة , والعابد لربه, المتبتل كثير الدعاء , فظن أن وراء هذا الكوكب المخلوق ما قد يقوده إلى تلك الحقيقة فقال :
- هذا ربي ؟!!
بيد أن ذلك الكوكب الذي خلقه الله , السائر في دورته الأزلية, وفي مداره الذي أعدَّه له الله , أفل واختفى عن ناظر إبراهيم الذي قال :
- لا أحب الآفلين ..!!
ومرة أخرى وفي ظلام الليل البهيم , يرى إبراهيم القمر بازغا منيرا صفحة السماء فيقول :
- هذا ربي ؟!!
غير أن القمر الذي يجري ويدور حول الأرض كما أراد الله , يختفي عن ناظر إبراهيم الذي يصيبه الحزن فيقول :
- لئن لم يهدني ربي لا كونن من القوم الضالين .
وينسحب الليل خجولا من النهار , وتختفي النجوم والكواكب التي كانت تزين ثوب الليل شديد السواد , وتسطع الشمس في كبد السماء , فيراها إبراهيم فيقول :
- هذا ربي هذا اكبر ؟!!
وكما الكواكب والأقمار تختفي الشمس عن عيني إبراهيم إلى زوال, لأنها تجري لمستقر لها فيقول :
- يا قوم إني بريء مما تشركون , إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين .
ويحاجج إبراهيم َ قومهُ في الحقيقة الدامغة, التي توصل إليها , ويقول لهم :
- أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون .
ويردف إبراهيم قائلا :
- وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون .
ويستمر إبراهيم في محاججة قومه الذين أعماهم الكفر , مبينا لهم أن ما يعبدون من دون الله, ما هي إلا مخلوقات خلقها الله, لا تضر ولا تنفع, إلا بمشيئة الله النافع والضار .
وتستمر رحلة إبراهيم في الدعاء والتضرع الى الله أن يهدي قومه الذين ظلموا أنفسهم , ويعتكف عنهم بعيدا,عابدا خاشعا وداعيا الله أن يهديه الى صراطه المستقيم , ويقرر إبراهيم المحاولة مع أبيه (أزر) لعل الله يهديه ويهدي قومه من بعده فيقول :
- ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون
فيقولون بسذاجة وقد أعماهم كفرهم :
- وجدنا آباءنا لها عابدين
فيقول إبراهيم :
- لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين .
فيقول قومه :
- أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين .
فيقول إبراهيم :
- بل ربكم ربُّ السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين .
ويردف إبراهيم مهددا ومتوعدا أصنامهم وتماثيلهم الجوفاء مقسما بالله رب العالمين :
- تالله لا كيدَنَّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين .
ويحطم إبراهيم أصنامهم وتماثيلهم ويحولها إلى فتات لا حول لها ولا قوة , فيزاد إيمانا فوق إيمانه , ويشعر بنشوة عارمة وهو يراها تتحطم وتتكسر لا تقوى على مقاومة ساعده القوي , الذي كان يحطم ما يعبد من دون الله , ويترك إبراهيم كبير الأصنام لحاجة ذكية في نفسه .
ويعود القوم إلى أصنامهم, فيجدونها جذاما لا حول لها ولا قوة , ويصابون بالهلع والغبن الشديد فيقول قائل منهم :
- من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين . ؟!
فيرد رهط منهم :
- سمعنا فتى يقال له إبراهيم .
فيقولوا :
- فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون .
فيقولوا :
- أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟!
فيرد إبراهيم الواثق من ربه :
- بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ؟.
وينكس القوم رؤوسهم خجلا من إبراهيم وفطنته , وتلجم ألسنتهم عن الرد .
فيقولوا :
- لقد علمت ما هؤلاء ينطقون؟!
فيقول إبراهيم بعد دمغهم بالحقيقة التي لا تقبل النقاش أو الحوار :
- أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم ؟, أفٍ لكم ولِما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟
ويصيبهم الغيض والحقد من حجة إبراهيم , ويحسدونه على أن اختاره الله ليحاججهم في ألهتهم فيقولون ناقمين :
- حرّقوه وانصروا ألهتكم إن كنتم فاعلين .
ويرفع إبراهيم كفيه بالدعاء إلى الله أن ينجيه من الكرب العظيم, فيما والده لم يحرِّك ساكنا , فكان مع القوم الظالمين , الذي قال له من قبل :
- أراغب أنت عن ألهتنا يا إبراهيم,لئن لم تنتهي لأرجمنك واهجرني مليا.
فيرد عليه إبراهيم الابن البار :
- سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا
ويرفع كفيه إلى السماء مرّة أخرى :
- إنهم عدو لي إلا رب العالمين , الذي خلقني فهو يهدين , والذي يطعمني ويسقين , وإذا مرضت فهو يشفين , والذي يميتني ويحيين , والذي أطمع أن يغفر لي يوم الدين , ربِّ هَبْ لي حكما وألحقني بالصالحين .
ويتوقف الصوت قليلا في حين يهتف أبو جمعه :
- اللهم أمين اللهم أمين . اللهم انصر نبيك الكريم إبراهيم .
***

(3)
ويصيح صائح من قوم إبراهيم الجاحدين الناكرين , أن أحرقوا إبراهيم , ويهرع الكبير والصغير منهم لجمع الحطب , ويتنافس في ذلك كل شيطان رجيم , حتى المرأة الحامل , تقول :
- لئن عوفيَّت لأحملنَ الحطب لحرق إبراهيم .
كان جامعوا الحطب يضعونه في جبة عظيمة , وتضطرم النار في تلك الجبة , وتتحول الى أتون من اللهب , كما لو كانت فوهة لبركان عظيم , لهيبها يشاهد من مسافة لا تسمح لأحد بالاقتراب , الأمر الذي جعلهم يفكرون بطريقة , يلقون من خلالها إبراهيم في ذلك الأتون الملتهب الشديد الحرارة .
ويُقيَّد الخليل عليه السلام ويُكتَّف ويُوضع في منجنيق وهو يدعو الله ويقول :
- الله لا اله إلا أنت, سبحانك لك الحمد لا شريك لك , وحسبنا الله ونعم الوكيل .
كانت عين الحق ترى ما يفعل قوم إبراهيم بإبراهيم , وتتنزل بركات الله ورحمته التي تسبق كل شيء ويأمر الحق النار فيقول :
- يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم .
وتصيب الواقفين من قومه الصدمة , وهم ينظرون إلى إبراهيم الواقف وسط الأتون الملتهب, الذي كانت حرارته وجمره يلفحان الوجوه, فلا تقوى على إطالة النظر إلا قليلا , ويرد الله كيد قومه إلى نحورهم فيصيبهم هلع وخوف شديد.. نار إبراهيم أخف وطأة منهما .
وتصدق نبوة إبراهيم , ويرتد قومه على أعقابهم خاسئين , فيما إبراهيم يناجي ربه الذي يحيي ويميت , الحي القيوم المقيت .
***
ويهاجر إبراهيم ولوطا ابن أخيه الى الأرض التي باركها الله للعالمين , وكانت امرأته ساره
عاقرا ويتزوج هاجر التي تنجب له إسماعيل , وما إن يولد إسماعيل حتى يبشره الله بإسحاق من زوجته سارة , ويهاجر بابنه إسماعيل وزوجته هاجر إلى البيت العتيق, عند ماء زمزم ويدعو الله قائلا :
- ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون .
وترضع هاجر ابنها إسماعيل بعد أن تركها إبراهيم ,إلى حين, ويصبها النصب والعطش , وأخذت تركض بين الصفا والمروة , صاعدة هابطة ذانيك الجبلين, بحثا عن ماءٍ تروي به ضما ابنها وحبيبها إسماعيل , ويصبها التعب والإعياء الشديد , وظلت على هذه الحال تروح وتجيء سبع مرات متتاليات , وبينما هي كذلك إذ تسمع صوتا , فإذا هو ملك كريم, يضرب بجناحه الأرض , فيتفجر الماء عذبا زمزما من رمال الصحراء , وتغرف بيديها من الماء المرة تلو المرة تروي ضماها .. وترضع صغيرها الذي أخذ يكبر شيئا فشيئا , ويرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من اليت العتيق , يجمع إسماعيل الحجارة ووالده إبراهيم يبنيها ويجمعها الى بعضها البعض .
ويحج إبراهيم الى البيت العتيق , ويسعى وابنه إسماعيل ملبيين وقائلين :
- لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
ويردد خلفه إسماعيل :
- لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ويقول إبراهيم لابنه البكر إسماعيل وقد تغلبت النبوة على الأبوة .
- يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى .
ويرد إسماعيل البار المؤمن بالله جل في علاه :
- يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين .
ويشحذ إبراهيم الذي صدَّق الرؤيا سكينه , ويمسك ابنه كما الذبح من جبينه طارحا إياه أرضا, تمهيدا لذبحه , واستجابة لما رأى في المنام .
وقبل أن يهوي إبراهيم على إسماعيل بسكينه لقطع عنقه .. فجأة ومن حوله لا بل وأقرب من ذلك يأتيه قول الحق الذي يسمع ويرى قائلا :
- يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين , إن هذا لهو البلاء العظيم .
ومن الفراغ المحيط بإبراهيم وبسرعة فاقت سرعة ذراع إبراهيم التي كادت تهوي بالسكين على عنق إسماعيل , يظهر كبش سمين أبيض أعين أقرن , من كباش الجنة .
وتتوقف يد إبراهيم وتسقط السكين من يده , ويكبِّر الله ويحمده على نعمه التي لا تحصى ولا تعد , ويقبل ابنه على الجبين , فيما الابن إسماعيل , منتشيا فرحا بما أتاه الله وافتداه .
ويسمع إبراهيم قول الحق :
- سلام على إبراهيم , كذلك نجزي المحسنين , إنه من عبادنا الصالحين .
ويخر إبراهيم لله ساجدا وحامدا فيما الحق يقول :
- (وإذ ابتلى إبراهيم َ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا الى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفيين والعاكفين والرُّكع السجود * وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلد أمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره الى عذاب النار وبئس المصير *وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )
وهكذا يصطفي الله إبراهيم في الدنيا والآخرة لأنه كان من الصالحين , وإنَّ من يرغب عن ملة إبراهيم , يكون قد سفه نفسه .
***
ويستيقظ أبو جمعة من حالة الخشوع والانتشاء وهو يستمع الى الصوت الذي كان يُطرِب سمعه بأخبار نبي الله إبراهيم على ذلك الصوت الأزلي الذي تردده السموات وما بينهما يقول :
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
ويعقبه صوت يصعد إلى السموات العلى يقول :
- لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
وصوت آخر يقول :
- الله اكبر الله اكبر, لا اله إلا الله , الله اكبر الله اكبر ولله الحمد ,الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا , وسبحان الله بكرة وأصيلا.
***
(4)
وبعد أن يلتقط الصوت أنفاسه , فيما( أبو جمعة ) كان يحاول ترديد ما يمكن ترديده من عبارات التسبيح والتكبير للخالق جل وعلا يقول الصوت :
- وبينما إبراهيم وسارة التي بلغت من الكبر عتيا , يناجيان ويتناجيان, إذ يدخل عليهما ثلاثة من الضيوف لم يعرفهم أو يتعرف إليهم بادئ الأمر , قالوا معا :
- سلاما .
فيرد إبراهيم محييا :
- سلام قوم منكرون ؟!!
ويختفي إبراهيم عن ضيوفه, ليعود إليهم بعجل سمين , وضعه أمامهم مظهرا كل أنواع الكرم والسخاء , فيما سارة كانت بوجهها الضاحك لما سمعت من الضيوف عن قوم لوط تحاول هي الأخرى الاحتفاء بضيوف زوجها إبراهيم , وسرت في جسد إبراهيم قشعريرة الخوف , عندما لا حظ أن أيدي ضيوفه لا تمتد الى طعامه الذي أعدَّه إكراما لهم فقال :
- ألا تأكلون ؟!!
ويقول له الضيوف :
- لا تخف .
ويبشره ضيوفه بأن الله سوف يرزقه غلاما من زوجته العقيم اسمه إسحاق , ومن بعده يعقوب , فتصيب إبراهيم حالة من عدم التصديق ويقول :
- أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون ؟!!
ويرد عليه ضيوفه :
- بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين .
وتصك سارة وجهها وقد أصابها ذهول وعجب عظيمان وتقول غير مصدقة :
- عجوز عقيم ؟!!
و تقول أيضا :
- يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب ؟!!
فيقول الضيوف :
- كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم .
وبعد أن اطمأنَّ إبراهيم إلى ضيوفه وذهب عنه الروع , عرف أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل , أرسلهم الله الى قوم لوط ابن عمه , المجرمين المخالفين للناموس الإلهي , فقد كانوا يأتون الذكور من دون الإناث .
ويحاول إبراهيم منع الملائكة من إيقاع العذاب في قوم لوط , ويجادلهم أملا منه أن يعودوا إلى رشدهم والابتعاد عن غيهم , بيد أن ملائكة الله المرسلين من لدن عالم الغيب والشهادة يقولون له :
- يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء آمر ربك وإنهم أتيهم عذاب غير مردود .
ويصمت إبراهيم الحليم الأواب, أمام إرادة الله التي لا مناص منها, ليكون قوم لوط أية للعالمين على أفعالهم النكراء وصدِّهم عما حلل الله .
***
ويترك الضيوف إبراهيم وسارة ميممين شطر لوط , في بلاد الشام , ويصلون إلى نهر سدوم , الذي وجدوا عنده إحدى بنات لوط , ويسألونها عن مكان يذهبون إليه , وتصيب ابنة لوط حالة من العطف عليهم , وتطلب منهم عدم الدخول حتى تعود إليهم مرة أخرى , وتخبر والدها بأمر أولئك الضيوف قائلة :
- يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوها أحسن من وجوههم .
ويهرع النبي الكريم لا ستقبال ضيوفه , محاولا التكتم ما استطاع إلى ذلك سبيلا , غير أن زوجته , تتسلل الى قومها تحت جنح الظلام , لتخبرهم عن ضيوف زوجها قائلة :
- إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط .
ويزيِّن الشيطان لقوم لوط , ارتكاب الفاحشة التي أغضبت ربَّ العالمين , ويهرع القوم إلى بيت لوط , لممارسة فعلتهم النكراء مع ضيوف إبراهيم من قبل, وضيوف لوط من بعد , ويطرقون الباب , باب لوط المرة تلو المرة, مهددين ومتوعدين لوطا , محاولين تكسير الباب وتحطيمه, فيما لوط , يحاول عبثا عدم السماح لهم مس ضيفه المكرمين ويقول :
- إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون , واتقوا الله ولا تُخزون .
ويرد قومه وقد سرت الشهوة فيهم كما الدم في العروق :
- أو لم ننهك عن العالمين ؟
وتتغلب النبوة على الأبوة ويقول لوط محاولا حماية ضيوفه والتضحية بشرف بناته :
- هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ؟!!!
ويرد القوم الكافرون الذين كانوا الى حتفهم وعذابهم يسعون :
- لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ؟!!!
فيقول لوط ناقما عليهم وحاقدا :
- لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ؟!
وبينا لوط يجاهد بكل ما أوتي من قوة , منع قومه من اقتحام بيته , محاولا إغلاق باب بيته بجسده , تقول له الملائكة:
- يا لوط إنا رسل ربك, لن يصلوا إليك , فأسر بأهلك بقطْع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم , إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ؟
مع ساعات الفجر , فيما لوط وأهله يحثون الخطى حيث أمرتهم الملائكة , الابتعاد عن سدوم , التي سيحل بها عذاب الله , يحدث ما تقشعر منه الأبدان , وتشيب من هوله الولدان , فيما قوم لوط الذين غلبتهم شهوتهم , في سكرتهم يعمهون , ومع شروق الشمس , تحل بهم الصيحة , فيسمع لهم صراخ وزعيق, أشبه بعزيف الجن , ويضرب جبريل عليه السلام الأرض بجناحه , فيصيبها الخسف , ويتحول عاليها إلى سافلها , فلا ترى إلا غورا ليس فيه من حياة , ويمطرهم الله بمطر يقتل كل معنى للحياة في أرضهم , ويرسل عليم حجارة من سجيل باسم كل واحد منهم فلا تبقي منهم أحدا, وتغمرهم مياه البحر فتغرق كل من به نفس منهم .
وتتناهى الصيحة إلى لوط وأهله , وتسمع امرأته تلك الصيحة , فتصيبها حالة من ذعر شديد , وتلتفت خلفها , محاولة استطلاع أمر قومها , ومخالفة أمر ربها وتقول من هول ما رأت :
- وا قوماه ؟!!
ويصبها حجر من حجارة سجيل , فإذا هي هامدة لا تسمع لها حراكا أو ركزا , فيما لوط

وبناته ريتا وزوغرتا ينجيهما الله من العذاب الأليم , وتختفي سدوم وعموره وأدوم وأهلها في أغوار الأرض , البعيدة , وكأن شيئا لم يكون .
***
إنها الرجفة نفسها التي أصابت قوم ثمود , ومن بعدهم قوم لوط, ومن بعدهم قوم شعيب الذين أرسل الله لهم شعيبا , فكذبوه فكانوا من الخاسرين , فأخذتهم تلك الرجفة فكانوا في أرضهم جاثمين .
إنه الله الواحد الأحد , الذي قال لأدم (اسكن أنت وزوجك الجنة ) وهو الله الحيُّ لقيوم الذي نجَّا نوحا وإبراهيم ولوطا من العذاب, وكذلك شعيبا ومن بعده يوسف الذي رأى برهان ربه , فعلمه الله تأويل الأحاديث, ونجاه من كيدهن ,فكان هو وإخوته آيات للسائلين , يوسف الذي راودته امرأة العزيز عن نفسها , فغلقت الأبواب, وقالت له هيت لك , لقد شغفها حبا وشغفهن حبا , فصرف الله عنه كيد الشيطان , إنه لا يصرف كيد الشيطان إلا هو .
وهو الله الذي ناداه أيوب قائلا :
- أني مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين.
لقد استجاب الله دعاءه , فكشف عنه ما به من ضر , واتاه رحمة هو وأهله , إنه ارحم الراحمين
وهو الذي ذكر أنبياءه بما هو خير , من إبراهيم إلى اليسع فذي الكفل وهم الأخيار , وهو الذي اهلك الأمم, وأباد القرون , من عاد الى ثمود , وأصحاب الرّس, الذين أرسل الله فيهم نبيا ,فقتلوه , وأصبحت أرضهم مسكنا للجن والوحوش, فلا تسمع فيها إلا عزيف الجن وأصوات الوحوش المفزعة .
وهي الصيحة نفسها التي حلت بالقرية التي جاءها المرسلون , التي جاء من أقصاها رجل يسعى لنصرتهم ودعوة قومهم للإيمان بهم .
وهو الله الذي أرسل الحوت ليونس , الذي أبق إلى الفلك المشحون , فساهم فكان من المدحضين , غير أنه كان من المسبحين , فنجاه الله بأن نبذه في العراء وهو سقيم .
***
ويجهش( أبو جمعة) بالبكاء حد العويل , عندما أدرك أنه أمام الله, لا تخفى منه خافية , الأول والآخر , ويُسمع له نحيب وخشوع يعقبه ذلك الصوت المسبح لله يقول :
- الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
ويتمتم ( أبو جمعة) قائلا وداعيا :
- إلهنا وربنا، وجهك أكرم الوجوه، وعطيتك أفضل العطية وأهناها، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، وتكشف الضر، وتشفي السقيم، وتغفر الذنب العظيم، وتقبل التوبة، ولا يجزي بآلائك أحد، ولا يبلغ مدحتك قول قائل، أنت الله لا إله إلا أنت.
ويردف أبو جمعه قائلا وقد غلبه الخشوع والتذلل لله رب العالمين :
- اللهم أنت أحق من ذُكر، وأحق من عُبد، وأنصَر من ابتُغي، وأرأف مَن مَلَكَ، وأجود من سُئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، يا رب العالمين! تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حُلْت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، وكتبت الآثار، ونسخت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، الخلق خلقك، والعباد عبادك، وأنت الله الرءوف الرحيم.
ويصمت( أبو جمعة) قليلا وقد امتلأ قلبه إيمانا وخشوعا ليقول :
- اللـَّهُـمَّ اجْعـَلْ في قلبي نـُوراً وفي بـَصـَري نـُوراً وفي سـَمْعي نـُوراً وعنْ يَميني نـُوراً وعـَنْ يَساري نورا وفوقي نـُوراً وتـَحتي نـُوراً وأمَامي نـُوراً وخـَلفِـي نـُوراً واجْعـَـلْ لي نـُوراً
ويقول الصوت مؤمنا على دعاء( أبو جمعة ):
- اللهم أمين اللهم أمين

***

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ايات رحمانية / رواية الفصل الرابع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: