غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ايات رحمانية / رواية الجزء الثالث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ايات رحمانية / رواية الجزء الثالث   الخميس أغسطس 05, 2010 7:26 am

الفصل الثالث
(1)
الصوت يعود محدَّثا (أبو جمعة) الذي كان يهفو إلى المزيد من رحمات الله :
في الجنة التي وعد الله المتقين , كان آدم لا يجوع فيها ولا يعرى , ولا يظمأ فيها , ولا يضحى , وعندما أزله الشيطان , وكان ذلك في يوم الجمعة , وهو اليوم الذي خُلق فيه وأدخله الله فيه الجنة أيضا , وهو اليوم نفسه الذي أخرج فيه من الجنة,بعد أن أغواه الشيطان وزوجه وأكلهما من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها , اختفى كل شيء حول آدم من نعيم الجنة , فلا نضرة ولا سرور , بدت له سوءته , وانتابه تعب ونكد وهمٌّ وغمٌّ لم يشعر به من قبل , لا قطوف دانية ولا أنهار من عسل ولبن , ولا ماء معين , ولا ولدان مخلدون .
كان آدم عليه السلام طويلا , كالنخلة , طوله ستون ذراعا , كثير الشعر , مستور العورة , غير أنه عندما ذاق الشجرة بدت له سوءته .
نظر كل من آدم وزوجه حواء حولهما , كانا عريانين لا يستر عورتهما شيئا , وشعرا بالحر الشديد, قال ادم مخاطبا زوجه وقد أصابه الخوف والهلع حتى همت عيناه بالدمع :
- يا حواء قد أذاني الحر .
ما إن أتم كلامه حتى جاء جبريل الملك الكريم بقطن , وأمر حواء أن تغزل , وأمر ادم أن يحيك له ما يستر عورته وعورة زوجه حواء .
وتبدأ رحلة آدم وزوجه مع الجوع والمرض , مع الخير والشر , مع البرد والدفء , رحلة البحث عن شيء كان موجودا , وهو اليوم مفقود , وعن كثب كانت عين الخالق تسمع وترى وتراقب , ويوحي الله الى آدم الرحمة ويهديه سواء السبيل , كان اقربُ إليه من حبل الوريد .
أما (عزا زيل) اللعين فكان دائم الكيد لأدم وزوجه حواء , بيد أن آدم كان من الفطنة والحيطة بحيث كان يدرك ألاعيب الشيطان الرجيم , ويعي مدى العداء الذي يكنه له,فكان يستعيذ بالله مع كل خطوة يخطوها من الشيطان الرجيم , هذا اللعين الذي أغواه وزوجه, وكان وراء خروجهما من جنات النعيم , إلى هذه الأرض التي أخذ يكدح ويتعب ويشقى فيها , بل إن الشقاء والتعب لا يوازي شعوره بالندم ,لأنه لم يتمسك بما أمره الله وهو عدم الأكل من تلك الشجرة , وتصيب آدم حالة من نصب وشعور بالتعب , غير أن وجود زوجه حواء الى جانبه كان سببا مباشرا للتخفيف من آلامه ومعاناته وصبره على ما حل به , وكان الدعاء والتضرع الى الله وأمله بالرجوع إلى الجنة , هو مفتاح الرحمة الوحيد الذي وهبه الله إياه , كانت عزيمته متذبذبة بين الندم والحياء من الله على ما فعل, وبين الأمل والرجاء برحمة الله التي وسعت كل شيء , ومن هنا بدأ رحلة البحث عن حل معادلة الأضداد التي لم يتعودها في الجنة , حيث الماء صافيا عذبا رقراقا والعسلُ عسلا واللبن لبنا والظل ظلا , والنور نورا, فليس هناك ثمة ما يعكر صفو اللذة التي كان ينعم بها , وليس هناك ثمة حاجة إلى النار للإنضاج , ولا الهواء للتنفس , وهناك ما كان يشعره بالرهبة وهو الليل ضد النهار.
على الأرض , ومع كل خطوة يخطوها , وبوجود (عزا زيل) الذي كان يتربص به الدوائر , عليه الأخذ بالأسباب , وأخذ الحيطة والحذر .
على الأرض الخير والشر , فيها الجوع والشبع , والعطش والارتواء , النوم واليقظة , فيها إذا كنت لا تعرف السباحة فسوف تَغرق , وإذا كنت لا تعرف خطورة النار فسوف تُحرق .
كل هذه الأمور بدأ آدم وبالهام ورحمة من ربه , يتعلمها ويحسن التميز بينها , ومن هنا أصبح له بيت يأوي إليه – ليس بيتا بمعنى البيت - بحثا عن الدفء في الشتاء , والقيلولة عند اشتداد الحر .
وتبدأ أيضا لدى آدم الرغبة في استكشاف العالم من حوله , فيطوف في المكان باحثا ومنقبا , بدأ أيضا يشعر بمتعة جديدة , وإن كانت لا تضاهي متعته في التلذذ بما في الجنة من نعيم دائم , إنها متعة الاستطلاع والاستكشاف , وإثارة الأسئلة وطرحها أحيانا على زوجه حواء , ومتعة الرغبة بالعمل والوصول الى الحقيقة , كان إدراكه ووعيه وعقله الباطن يقولان له :
- لهذا خُلقت يا آدم , لهذا أرادك الله , لقد خُلقت لأعمار الأرض وخلافة الله فيها .
فيشعر آدم بنشوة ولذة عظيمة لاهتدائه الى بعض الحقيقة , بيد أن عزا زيل كان دائم التنغيص عليه وإشعاره بأنه ضعيف وأنه لن يقوى على الصمود كثيرا , فيلجا آدم الى الدعاء والتضرع الى الله -عندما تشتد عليه وطأة الوسوسة من عزا زيل, فيفر الأخير هاربا من دعاء آدم إلى ربه-أن يخلصه من إبليس اللعين .
ولم تكن حواء هي الأخرى , أقل من آدم إدراكا في فهم العالم من حولها , بل إنها كثيرا ما كانت مصدر إلهام لزوجها في الوصول الى حقائق الكثير من الأشياء والاستفادة منها,غير أنها كانت تلجا إليه إذا ألم بها همٌّ أو غمٌّ , وتطلب عونه في الأعمال التي تحتاج إلى قوةٍ بدنيةٍ , ولا تدري هي نفسها كيف تعلمت أن تعد الطعام لزوجها ؟, وسرُّ ذلك الصوت الذي كان يأتيها من داخلها قائلا:
- أن افعلي كذا وكذا والطعام ساعته كذا , ثم إنها كانت تستغرب تلك الوحشة التي تشعر بها إذا ابتعد عنها آدم مستكشفا العالم من حولها , فكانت تلجأ الى غزل الصوف وحياكته فاهتدت إلى صنع ما يمكن الاستفادة منه في ستر العورة , أو ارتدائه عند الحاجة , ولا تدري أيضا مصدر ذلك الصوت الذي كان يصور لها,أن ثمة حاجةٍ شديدةٍ بالنسبة لها,إلى ما يملأ عليها حياتها ,هي وزوجها آدم , فباتت رغبتها شديدة وقوية في طرح هذا السؤال على زوجها آدم, فربما يكون قد خامره السؤال نفسه , وتقفز فرحة, لشعورها بأن ثمة ما قد يكون سببا في فرحها في القريب العاجل , مع أنها كانت تجهل السبب في هذا الشعور .
مع اقتراب ما كان يسمى بالنسبة لها وله الظلام( الليل) وهذا كان سببا في خوفهما لاختفاء الأشياء من حولهما وعدم رؤيتها , كانت حواء تنتظر آدم بشوق لم تعهده من قبل , وذلك لتطرح عليه ذلك السؤال الذي كان يساورها , تماما كانتظارهما للضوء(النهار) الذي هو سر سعادتهما وذهاب خوفهما وحزنهما من اختفاء الظلام ( الليل ) , وتهبط عليها رحمة من ربها وتشعر بالآلام في بطنها , فينتابها خوف وفزع , وتأخذ في الصراخ , غير أنها ومع اختفاء الألم شيئا فشيئا , شعرت بالسكينة وبالرغبة الشديدة في استكناه ذلك الذي يتحرك في بطنها , وتمسح بيدها المرة تلو المرة , ويقذف تبارك وتعالى في قلبها الشعور بالفرح , ويخفق قلبها طربا وحنانا لتلك الحركة,إلا أنها كانت أعجز من أن تدرك أنه الحنان الطبيعي: حنان الأم الذي يقذفه الله في قلوب الأمهات , ومن هنا تولد لديها شعور بضرورة الحفاظ على ما يتحرك في بطنها, لحين عودة زوجها .
وتغشى المكان رحمات ربانيات , وتقرُّ نفس حواء,عندما تناهى إلى سمعها ارتطام أقدام آدم بالأرض , فتقفز فرحة مستبشرةً بانيسها , ومصدر سعادتها وحبها للحياة , فيما آدم يسقط متعبا مرهقا من رحلة البحث والاستكشاف, الى ما قد يقوده الى الحقيقة , ويضع صيده الثمين جانبا , فيما حواء تنظر إليه وفي عينيها ألف سؤال وسؤال , والذي بدوره أدرك أن ثمة ما يشغل زوجه حواء وأن هناك أسئلة تحتاج الى أجوبة بالنسبة لها .
لكن حواء بفطنتها وذكائها , كانت تدرك أن الوقت المناسب لذلك هو عندما يختفي الظلام (الليل) ويأتي الضوء (النهار) , ولسان حالها يقول :
- الصباح رباح .
(2)
كانت حواء على الأغلب تستيقظ قبل آدم من النوم , الذي لم يتعودا عليه في الجنة, التي كانا لا يجوعان فيها ولا يضحيان , وكانت من فورها تبادرإلى إيقاظ آدم من رقاده الذي أخذ يجد فيه نوعا من اللذة , خصوصا إذا أصابه النصب في ذلك اليوم , بيد أنها تعمدت عدم إيقاظه من نومه , وذلك لما رأت عليه من علامات التعب الشديد , ولرغبةٍ منها شديدةٍ في طرح أكثر من سؤال عليه , ولشعورها بأن ثمة ما قد يفرح زوجها لو صارحته بتغير أحوالها , وتنظر إليه بعنين فيهما كل معاني الحب والوفاء لانيسها الوحيد , الذي يقاسمها العيش على هذه الأرض , التي هبطا إليها من عليين , وتمتد يدها إليه محاولة إيقاظه من نومه , وكم كانت دهشتها شديدة عندما وجدته ينظر إليها بحنو غريب , فيهما أيضا أسئلة تحتاج الى أجوبة من حواء, التي لم تنتظر منه طرح أي سؤال في الوقت الراهن .
لم تعرف حواء الغيرة أو تشعر بها , ولم يخامرها في يوم ما,أي شعور غريب تجاه زوجها وأنيسها , لسبب واحد ليس غير , وهو أنها الوحيدة في حياة زوجها , كما أن آدم كان شديد التعلق بحواء التي خلقها الله من ضلعه الأقصر الأيسر , ومن هنا كان دوما مشدودٌ إليها,متعلق بها , كما لو كانت جزءا منه أو دما يسري في عروقه ولأنها أيضا شريكه الوحيد على هذه الأرض التي يسرحان فيها ويمرحان , لا يؤرق صفو العيش فيها إلا شعورهما بالندم على تصديق إبليس وغوايته لهما , ولمحاولة الأخير الإيقاع بينهما , وتكدير حياتهما .
كان من عادة آدم وعند النهوض من النوم , الخلوة مع نفسه في مكان خاص, أشبه ما يكون بمحراب أو زاوية صغيرة للعبادة , كان يتلذذ بتذكر أيام الجنة , وما فيها من نعيم , علاوة على مناجاته لربه وخالقه وإكثاره من الاستغفار حد البكاء , والطمع في العودة إلى الجنة التي أخرج منها , كانت صلاته , مناجاة ودعاء دائمين لا ينقطعان , لسان حاله التسبيح والاستغفار والإكثار من ذكر الله , والتضرع إليه بالدعاء وطلب الرحمة والمغفرة , مما أكسبه شعوراً باللذة والسعادة وشعورا قويا بأن ثمة ما سيحدث قريبا له ولزوجه حواء .
ومما زاد في تلذذه أيضا , تلك اللحظات الخالدة من حياته في الجنة , عندما استيقظ من نومه ووجد عند رأسه امرأة قاعدة , على قدر من الجمال , لم يكن يعرف أن الله خلقها من ضلعه الأيسر
وابتسم عندما تذكر سؤال الملائكة له عن اسمها فبادرهم بالجواب :
- حواء ..
فقالوا له :
- ولماذا سميت حواء ؟!
فبادرهم بالقول :
- لأنها خلقت من شيء حي .
وتهلل الملائكة وتكبر عظمة عالم الغيب والشهادة, الذي علم آدم الأسماء كلها , على خلقه الناس من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا ونساء .
ويتمتم آدم حامدا الله :
- تبارك الله أحسنُ الخالقين
حواء بدورها ومع اقتراب لحظات الشعور بأن زائرا جديدا تلوح بوادر مجيئه في الأفق القريب , كانت هي الأخرى تشعر بسعادة غامرة لا تعرف لها سببا , لا يكدر صفوها , إلا الانتظار والترقب , كيف لا وهما وحيدين على الأرض؟ , لا يعلمان من علم, غير ما يوحي به الله لهما .
وتصرخ حواء صرخة الطلق , صرخة لا تعرف أهي صرخة الفرح أم الخوف من مصير مجهول بالنسبة لها ؟, وتسمع ما يشبه البكاء , ولكنه بكاء ليس كالبكاء , ويعقبه بكاء , ويهرع آدم فزعا خائفا على حوائه , ووحيد ته , ويقذف المولى في قلبه الطمأنينة , ثم الفرح فالسرور , وينظر إلى زوجه مذهولا غير مصدق , لقد منَّ الله عليها بذكر وأنثى , لهما وجهان جميلان شديدا الشبه بوالديهما , وتطمئن حواء , وتنظر الى آدم فرحةً مستبشرةً , ثم ناظرة الى السماء, رافعة كفيها بالدعاء الى الله , الذي أعطاهما هذين المخلوقين الجمليين , ويسجد آدم هو الأخير شكرا لله , لقد أصبحا أربعة على هذه الأرض , ثمة ما سيبدد الصمت والسكون , وما سيكون سببا أخر في سعادتهما على وجه هذه الأرض .
ويسمي آدم ابنه الأكبر ( قابيل ) وتسمي حواء ابنتها البكر ( قاليما ) , وتنتهي معادلة الإجابة عن ذلك السؤال المحير بالنسبة لهما , وهو رغبتهما بمولود يملأ عليهما فراغهما ووحدتهما , فكان أن منَّ الله عليهما باثنين بدل واحد ذكر وأنثى , قابيل وقاليما .
من هنا ازدادت رغبة آدم في الحياة ومحاولة البحث عن مصادر للرزق للبقاء , وللحفاظ على حياة ذانيك المخلوقين الصغيرين .
كانت قاليما أكثر التصاقا بوالدتها , مطيعة ومريحة في طباعها وسلوكها , بينما قابيل كان ملتصقا بوالده يرافقه في حله وترحاله , مع أن والده كان يلاحظ عليه شيئا من العناد والجدل والقسوة في التعامل مع الأشياء .
في الوقت الذي كان فيه (أبو جمعة) يرهف السمع إلى ذلك الصوت الذي كان يمتعه بالحديث عن آدم وحواء وابنهما قابيل وابنتهما قاليما , يعود التسبيح مجددا ليمجد الخالق البارئ المصور الذي أخرج من جسد حواء ذانيك المخلوقين الصغيرين , الأمر الذي تعجز عنه الملائكة والجن وغيرهما لأنهما لا يستطيعان مع سعة علمهما, أن يخلقا جناح بعوضة, فكيف بخلق مخلوق من ماء مهين ؟ :
-الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
ويتمم أبو جمعة متلذذا :
- سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله .
***
(3)
ويرزق آدم وحواء بهابيل , فيصبح له ابنان وبنت , عالم الذكورة على الأرض ثلاثة مقابل اثنتين .
كان قابيل يعمل مزارعا , فيما هابيل فضل الرَّعي وتربية الأغنام , الأمر الذي دعاه إلى مرافقة ماشيته طلبا للمرعى .
وتأتي لحظة الحسم , وتتولد الرغبة لدى هابيل بالبحث عن شريكٍ يقاسمه الحياة , ويعرض على والده آدم فكرة الزواج من قاليما أخت قابيل , غير أن قابيل كان قد اتخذ قراره في الاستئثار بأخته التي يفكر هابيل بالزواج منها , ويُزيِّن إبليس لهابيل رفض ذلك , ويسري منه كما الدم في العروق ويرفض فكرة أبيه وهي الموافقة على زواج هابيل بقاليما .
ويلجأ آدم الى طريقة قد تكون هي الحل الوحيد في تقبل قابيل لفكرة زواج أخته من هابيل, وهي أن يقربا قربانا والذي يُتقبل منه يكون هو زوج قاليما .
ويُقرِّب هابيل شاة سمينة , فيما قابيل يُقرِّب حزمة من أردى زرعه , في لحظة تقديمهما للقربان كانت مشاعرهما متضاربة , ينتابهما قلق شديد , مع أن هابيل كان في أعماقه يشعر بشيء من الاطمئنان على ما قدم من قربان , في حين كانت وساوس إبليس تلعب في رأس قابيل وتزين له أسوا ما قد يفعله شخص تمكنت منه مشاعر الكره والغيرة من أخيه , الذي يريد الاستئثار بأخته التي يعد نفسه هو الأحق بها .
وتجتاح النار القربانين فتحرق زرع قابيل , تاركة قربان هابيل – ويصمت الصوت قليلا – بينما أبو جمعة يلتقط أنفاسه لمعرفة المزيد من أخبار قابيل وهابيل ابني آدم , راح الصوت يقول :
- ويتوعد قابيل أخيه هابيل قائلا :
- لأقتلنك .
ويرد عليه هابيل :
- إنما يتقبل الله من المتقين .
ويردف هابيل قائلا :
- لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني , ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك , إني أخاف الله ربِّ العالمين
ويصمت هابيل قليلا ثم يقول :
- إني أريد أن تبوء بإثمي و إثمك , فتكون من أصحاب النار , وذلك جزاء الظالمين .
وتُطوّع لقابيل نفسه الأمارة بالسوء قتل أخيه , دون أدنى مراعاة لمشاعر أبيه آدم وأمه حواء , ويرتكب أول وأبشع جريمة على وجه الأرض , ويكون أول سافك للدماء , وأول من يصدق عليه كلام الله على لسان الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ؟
وتنتاب قابيل لحظاتٍ من ندمٍ شديدٍ على قتله أخيه , ولا يدري ماذا يفعل بجثة أخيه الملقاة أمامه هامدةً, بعد ما كانت تدب فيها الحياة قبل قليل , ويبعث الله غرابا يبحث في الأرض , ليريه كيف يواري سوءة أخيه , ويتمتم بحزنٍ وندم لم يشعر به من قبل :
- يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي . ؟
فيما آدم وحواء ينتابهما حزن وهم وغم, كان من الشدة بحيث أوهن قواهما , وضعضع كيانهما , إنه هابيل الابن الأصغر, المؤمن بقضاء الله وقدره , الذي لم تطاوعه نفسه قتل أخيه قابيل أو حتى مقاومته رغم قوته البدنية الكفيلة بالدفاع عن نفسه , أو مقابلته بمثل ما فعل, لخوفه من الله , خوف حب وعبادة, ولأنه يرى ويسمع وهو أقرب إليه من حبل الوريد.
ولا يحتمل قابيل ما فعل , فيتوارى عن أنظار والده آدم وأمه حواء , ويسكن ارض (نود ) ويرزق بخنون, وخنون يرزق عندر, وعندر يرزق محاويل, ولمحاويل متوشيل .
وتنتاب (أبو جمعة) نوبة من حزن شديد على ماحل بهابيل , وشعور بالأسى على فعلة قابيل , والطريقة التي قتل بها أخيه هابيل , ويغمم بكلام غير مسموع :
- إنه الملعون إبليس الشيطان الرجيم , هو من أغوى قابيل وزين له قتل أخيه هابيل .
ويقول الصوت (لأبو جمعة) :
- لا تحزن يا( أبو جمعة) إن الله يرى كل شيء ويسمع كل شيء, إنها مشيئته وحكمته , ورحمته وسعت كل شيء , فقد رُزق آدم بشيث, بعد مقتل هابيل وسمياه بذلك لأنه هبة من الله , وكان ذلك عندما بلغ الماية وثلاثون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة, ورزق شيث بأنوش وكان عمره مائة وخمس وستين سنة وعاش ثمانمائة سنة وسبع , ومن نسله خنون ابن يرد ابن لمهلابيل (إدريس ) الذي رفعه الله مكانا عليا وهو أول من خط بالقلم .
***
ويصمت الصوت قليلا , ليمنح (أبو جمعة) فرصة , التسبيح والتهليل والتكبير, على مشيئة الله جل في علاه وتكريمه لأدم بأن كان من ذريته شيث وإدريس أول الأنبياء , ويقول الصوت بعد أن سمع أبو جمعة يقول :
- لقد صدق الله وعده في عباده الصالحين القائمين القانتين , فرفعهم وأكرمهم وأنزلهم منزلهم الذي يستحقون .
ويؤمّن الصوت على كلام ( أبو جمعة ) ويقول :
- لقد كتب ربك على نفسه الرحمة , وحرّم على نفسه الظلم , واليوم تتنزل رحمات ربك على آدم الذي تاب عليه ربه , وجعل من ذريته الأنبياء والرسل والصالحين الصديقين .
ويمرض آدم , وتشتد عليه وطأة المرض , وسط حزن حواء عليه , وبكاء ابنه شيث دموعا غزارا, على ما حل بوالده , وتحت وطأة المرض يأخذ آدم في تذكر أيام الجنة, وكيف مرت ثلاث وأربعون سنة وهو ينعم بنعيمها ؟, يأكل وحواء من ثمارها ويشرب من كوثرها وعسلها , ويتنقل بين أشجارها وقطوفها الدانية , لا هم ولا غم , بل نضرة وسرور , وتشرق قسمات وجهه بالأمل ويشعر برغبة قوية للأكل من ثمار الجنة , وتجتاحه مشاعر الحنين لابنه هابيل , فيكاد يبكي حزنا على تذكره , ويتمتم قائلا :
- اللهم أنت ربي ورب كل شيء , الحمد لك على نعمك التي لا تحصى ولاتعد , وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
ويصمت قليلا ثم ينظر إلى مَنْ حوله ويقول :
- أهلا بلقاء الحبيب .
ويقول بعد صمت :
- بيني وبين الخروج من الجنة ألف عام , إن شوقي للقاء ربي ليس له حدود , سبحانه لا إله غيره إنه على كل شيء قدير .
وتشتد عليه وطأة المرض , ويلفظ أنفاسه الأخيرة,في يوم الجمعة بعد أن منحه الله فرصة وصاة ابنه شيث , مبينا له ساعات الليل والنهار وعبادات تلك الساعات وبوقوع الطوفان , وتقبض الملائكة روحه الطاهرة , فيكفن ويدفن جسده الطاهر في التراب, بينما روحه تفيض الى بارئها , وتصعد الى الملكوت الأعلى الى حيث كانت قبل ألف عام .
وتكسف الشمس والقمر سبعة أيام بلياليهن , وتحزن عليه الملائكة
***
(4)
ويرى أبو جمعة نجوما تتلألأ بحجم الأقمار, تخرج من ظهر آدم , نورها يبهر العيون , مما دعاه الى وضع يده على عينيه للتخفيف من شدة النور الواقع عليهما , وهي كما بدر التمام في ليلة حالكة الظلام .
ويدرك الصوت ما يجول بخاطر (أبو جمعة ) من تساؤلات فيقول :
- إنهم أنبياء الله ورسله هذا نورهم الى أن تقوم الساعة .
ويمعن أبو جمعة النظر, فيرى في أخرها نجما بحجم قرص الشمس , نوره يبهر العيون , فيقول له الصوت :
- إنه الهادي الأمين, مخرج الناس من الظلمات الى النور , من عبادة الأوثان إلى عبادة الله في وادي غير ذي زرع, إنه من فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا أدب , إنه محمد بن عبد الله , الرسول العربي الأمي الهاشمي القرشي الأمين .
ويتمتم أبو جمعة قائلا:
- عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم , اللهم صل على محمد وعلى أل محمد ..
وتتناهى الى سمع( أبو جمعة) أصوات تقول :
- أمين .
ويقول الصوت :
لقد صدق الله وعده بأن استخلف آدم وذريته من بعده في الأرض , لقد اقتضت حكمته أن خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا , وإن أكرمهم عند الله اتقاهم , وحَمَلهم جل وعلا في البر والبحر ورزقهم من الطيبات , وسخرَّ ما في السموات والأرض , لأدم وذريته من بعده , فسبحان الله عما يصفون .
لقد تمكن اللعين (عزا زيل) من كثيرين من ذرية آدم, فأغواهم وأخرجهم عن الصراط المستقيم , وقعد لهم كل مقعد , محاولا إدخال أكبر عددٍ منهم الجحيم , والحيلولة دون دخولهم الجنة التي وُعد المتقون , إنه وذريته في كل مكان وزمان, يصولون ويجولون , ليس لهم من هدف إلا إظلال ذرية آدم والإيقاع بهم , لقد وجدوا سبلا كثيرة لهذه الغاية , فكانت المرأة هي السبيل الى إغواء الذكور والإيقاع بهم , لا بل يا ( أبو جمعة) , لقد استغل اللعين تلك الأنانية القاتلة الغارق بها جيلكم حتى العظم , هذا الجيل الذي لا يرى إلا نفسه وليس له من هم إلا الجمع والإكثار, جيل لا يعرف إلا لغة الأنا , فابتعدوا عما أمر الله وأصبح القول الشهير, والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه, ضربا من المستحيل , وأصبح السائل والفقير في نظرهم من المحتالين والدجالين وسادت بينهم لغة لم يتعلمها آدم من قبل لغة أنا ...
نسال الله العفو والعافية يا( أبو جمعة) على أحوال العباد , وعلى ما آلت إليه حالهم , وعلى تركهم النصيحة وعدم العمل بها, وتفننهم بالمجاملة في الحق والباطل , وعدم ارعوائهم من الكذب الذي أصبح أبو الفنون لديهم , هذا الفن الذي أنعش أمال الشيطان ومكنه منهم , وجعلهم يتلذذون به ويستمتعون , حتى أصبح حديث القاصي والداني , لا قيمة للمجالس بدونه , وأصبحت تقام له الندوات واللقاءات والصالونات , وتسخر له وسائل الإعلام , فبات الكذاب نجم النجوم , تذلل له الصعاب وتغدق عليه الأموال , وتزين رقابهم سلاسل الذهب , إنهم ( الأنا كذابون) , أعداء الفقراء والمساكين الذين حُرموا نعمة الاستغفار , واشغلهم الله بالعد ضربا وطرحا وجمعا , ولا تعرف القسمة إليهم سبيلا , ليس هذا وحسب , فقد إصابتهم آفة أخرى , حولتهم الى حجارة, لا تعرف الرحمة أو افتراض حسن النية , إنها آفة الأرقام والمضاربات والبورصات , والجلوس في الصالونات , وفك الشيفرات .
***
لك الله يا( أبو جمعة) فليس لك مكان بينهم لأنك لا تفهم لغتهم, ويصمت الصوت قليلا ليقول :
- سوف تسمع هديرا وترى أمواجا عاتية وأقواما تصرخ وتستغيث , منهم من يدعوا الله ويسأله النجاة ومنهم , من يجاهر بالكذب , محاولا الفرار من أمر الله , سوف يفور التنور , ويجتاح الطوفان كل شيء, فلا ترى إلا الجارية تمخر عباب الماء بمشيئة من الله , فيها من كل زوجين اثنين وفيها نبي الله الكريم نوح عليه السلام ومعه من اتبعه وأمن به .
إنه نوح يا( أبو جمعة ) بن لامك بن متوشلخ بن خنون (إدريس) من ذرية آدم , لقد كذبه قومه , لأنه كان لهم نذير مبين ,على عبادتهم الأوثان من دون الله جل في علاه , لقد قال لهم :
- إني لكم نذير مبين , أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم اليم .
فقالوا له :
ما نراك إلا بشرا مثلنا , وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين .
فيقول لهم نوح :
- أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وأتاني رحمة من عنده , فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون
ويردف نوح عليه السلام قائلا :
- يا قوم لا أسألكم عليه مالا , إن أجري إلا على الله, وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون .
ويقول :
- يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون , ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا , الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين .
فيرد قومه وقد أعماهم الكبر والابتعاد عن روح الله :
- يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا, فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين .
ويوحي ربك يا( ابوجمعة ) إلى نوح القول الكريم :
- أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون .
ويأمر الله نوحا أن يبني سفينة , وأن يحمل بها من المخلوقات , من كل زوجين اثنين , وأن لا يخاطبه نوح في الذين كفروا , وتبدأ رحلة نوح في صنع الفلك , تراقبه عين الله , تهديه وتبث في روحه الطمأنينة والثقة بأن يوم الحساب لتلك الفئة الضالة قد اقترب , تلك الفئة التي ازدرت نوحا ومن اتبعه وأعرضت عن دعوته .
وبينما نوح منهمك هو ومن معه في صنع الفلك , كان قومه يمرون به مستهزئين ساخرين غير مصدقين وقائلين:
- ماذا يفعل هذا المجنون ؟ وماذا سيفعل بهذه السفينة حيث لا بحر ولا ماء.
ويقول لهم نوح :
- إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون , فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه, ويحل عليه عذاب مقيم .
قال نوح ذلك مطمئنا واثقا بالله وبأن أمره حادث لا محالة , وأنه سوف يصيب قومه الذين صدوا عن ذكر الله , الذين كانوا يضعون أصابعهم في أذانهم , كلما دعاهم نوح إلى عبادة الله والنجاة من النار , إن قوم نوح كانوا يمارسون أبشع أنواع الجحود والنكران والعصيان وعدم التصديق بما جاء به عليه السلام , بل إنهم كانوا قوما من الجهل بحيث أعماهم الغرور , والكبر,عما هم فيه من جهل وطيش وغرور .
ويفور التنور , ويحمل نوحا أهله ومن آمن به من قومه , وترتفع الأمواج هادرة مزمجرة بالغة عنان السماء , تتقاذف الفلك ذات اليمين وذات الشمال , وتمتلئ الأودية والسيول بالماء الفوار , وتسير السفينة باسم الله مجريها ومرسها , في موج كالجبال , وتحين من نوح نظرة فيرى ابنه يصارع الموج وحيدا قائلا وقد غلبته عاطفة الأبوة محاولا هدايته في اللحظات الأخيرة :
- يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين .
ويقول ابن نوح الجاحد :
- سآوي الى جبل يعصمني من الماء .
فيرد نوح الأب النبي المؤمن بقضاء الله وقدره وعدله :
- لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم الله .
ويحول بين نوح وابنه الموج العاتي ويغرق مع الغارقين, ويثبت الله نوحا والذين آمنوا معه وتتغلب النبوة الصادقة على عاطفة الأبوة الجياشة , وينادي نوح ربه :
- إن ابني من أهلي وإنَّ وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين .
فيقول الله تعالى :
- يا نوح إنه ليس من أهلك,إنه عمل غير صالح , فلا تسألن ما ليس لك به علم , إني أعظك أن تكون من الجاهلين .
فيرد النبي الكريم المؤمن الصابر المحتسب :
- ربِّ إني أعوذ بك من أن أسألك ما ليس لي به علم , وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين .
وتبلع الأرض ماءها وتقلع السماء , ويتوقف سقوط المطر , بمشيئة الله , وتستقر السفينة على الجودي , بعد أن نفذ قضاء الله في قوم نوح , ويقول المولى :
- يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم .
فيما الصوت يحدث (أبو جمعة) عن رحمة الله وبركاته ونفاذ قضائه في القوم المتكبرين , كان أبو جمعة , قد أجهش بالبكاء الشديد على رحمة الله بنوح ونجاته من الطوفان , إنها آيات ورحمات ليس لها حدود , وتصيب (أبو جمعه) حالة من استحياء لإحساسه الشديد بأن الله يراه , ويطرق سمعه مرة أخرى التسبيح الأزلي لله جل في علاه , تردده السموات والأرض ومن فيهما من بشر وحجر وشجر وملائكة بررة كرام :
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
***
ووسط حالة الشعور بالسعادة المطلقة , وبينما (أبو جمعة) يكفكف دموعه , تغشى المكان هالة أخرى من نور قوي , يحدِّق فيه أبو جمعة , فيرى من خلله زوجته أم جمعة بشعورها الذهبية وأسنانها اللؤلؤية, وشبابها الغض , المكتسي برائحة كما المسك , تعطر الفضاء الرحب , وتمد يدها إليه بتفاحة حمراء , تشف عما بداخلها , فتثير شهية( أبو جمعة) لالتهامها والتلذذ بها , وتمتد يده للالتقاط التفاحة , وتكاد أصابعه تلامس أصابع أم جمعة , التي خالها من المرمر أو الياقوت , تنتهي رؤوسها بلون الحناء , وتصيبه رجفة ثم شعور كما العاشق يرى معشوقته بعد طول فراق , ويحذره الصوت قائلا :
- لم يحن الوقت يا( أبو جمعة) لم يحن الوقت بعد.
وتعود يد( أبو جمعة) الى ما كانت عليه , وتصيبه غصة وحسرة على اختفاء زوجته, وعدم أكله من تلك التفاحة , بيد أن الأمل بعودتها وأكله من تلك التفاحة التي كانت تمتد بها يد زوجته , كان عزاؤه الوحيد والتخفيف من لوعته وحنينه إلى أم جمعة .
في غرفة العناية المركزة , يقفز جمعة من فراشه فرحا ومذهولا لبعض الوقت, عندما لاحظ حركة شديدة من والده, أعقبها ارتفاع يد والده ثم هبوطها مرة أخرى , ليعود إلى حالة اللا وعي والدخول في غيبوبتهِ مرة أخرى , مما استدعاه طلب العون لوالده الراقد تكمم فمه وأنفه الأجهزة
ويقول الطبيب المناوب بعد معاينة (أبو جمعة) :
- حالته مستقرة حتى الآن , وما حدث هو نوع من التشنجات الطبيعية , لا تشكل أي خطر عليه , غير أنه لا زال تحت رحمة الله .
ويقول جمعه وقد عاد إليه اكتئابه بعد أن ظن أن والده قد استفاق من غيبوبته , فيما أمه كانت شديدة الالتصاق بالسرير الذي يرقد فيه ( أبو جمعة) لا يسمع منها إلا تهليلها ودعاؤها لله بأن يشفي لها أبو جمعة :
- ونعم بالله.
وتحوقل أم جمعة رافعة صوتها , وتدور يدها النافرة العروق المكتسية , بلون الحقول , أكثر من دورة بمسبحتها الزيتونية , ومع كل دورة كانت تتمتم بأدعية غير مسموعة , وكانت بين لحظة وأخرى تقوم بما هو ليس مسموحا به في غرفة العناية المركزة, حيث تنفث غيوما من البخور في أرجاء المكان , عندما ينسل الممرض هاربا إلى الفضاء الخارجي لبضع دقائق , طردا للملل والروتين , وكثيرا ما كانت تضع فمها عند أذن (أبو جمعة) مناجية ومتضرعة, وطالبة منه أن يعود الى بيته, وأرضه وأغنامه التي افتقدته والى جاره ( أبو محمود) الذي ضاق ضرعا بفراق رفيقه , وعندما تشعر باليأس من عودته الى وعيه تجهش بالبكاء والعويل , لينتهي ذلك بعودتها الى سبحتها الزيتونية , والتسبيح من جديد قائلة:
- اللهم لك الحمد على نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة، ولك الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة التي لا يحصيها غيرك، ما علمنا منها وما لم نعلم، لك الحمد حتى ترضى، وإذا رضيت حمداً وشكراً لا ينتهي أُوْلاه، ولا يَنْفَد أُخْراه، إنك أنت الله لا إله إلا أنت، أهل الوفاء والحمد.
***
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ايات رحمانية / رواية الجزء الثالث
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: