غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ايات رحمانية / الفصل الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ايات رحمانية / الفصل الثاني   الخميس أغسطس 05, 2010 7:25 am

الفصل الثاني .
(1)
ويعود الصوت الى (أبو جمعة) قائلا :
- قبل مليارات السنين الضوئية , وربما أكثر من ذلك , حيث لا سماء ولا هواء , لا جنة ولا نار , لا ملائكة ولا إنس ولا جان , لا بحار ولا نجوم , لم يكن ثمة غير وجه الله جل في علاه , الأول والأخر , المبديء والمعيد , الحي , القيوم , الواحد, الأحد, الفرد, الصمد , الرحمن الرحيم, كان الكون مظلما , فأشرق بنور وجهه الكريم , وكان عرشه على الماء , الذي جعل الله منه كل شيء حي .
وكان أمره إذا أراد أن يقول لشيء كن فيكون , واستوى تبارك وتعالى على عرشه الذي خلقه من ياقوتةٍ حمراء ما بين قطريه خمسين ألف سنةٍ , يسبِّح ويعظم الله , فيسمعه أهل الفردوس لقربهم منه, واقتضت مشيئته , أن يكون هناك عباد يسبحون بحمده ويعبدونه , فخلق السموات والأرض في ستة أيام, بعد أن كانت رتقا ففتقهما , وجعل السموات سبعا طباقا , وفي الأولى , وضع الأرض للأنام ,واقتضت حكمته وعلمه أن تكون في مدارها حول الشمس,لا حارة تقتل العباد, ولا باردة تسلب الرقاد , والشمس تجري لمستقر لها , لا الشمس ينبغي لها , أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار , وكل في فلك يسبحون , وجعل في الأرض: الماء والهواء , والرواسي من فوقها وبارك فيها وحفظها من المردة والشياطين , ومن الشهب والنيازك , وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام, قبل خلق السماء , وأنبت فيها من كل زوج بهيج , ليعمرها الإنسان ويخلف الله فيها .
أليس الله هو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير ؟.
ويرد أبو جمعة خاشعا ومسبحا :
- سبحانه إنه الخلاق العليم .
ويعود التسبيح قويا تردده السموات والأرض ومن فيها :
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
***
وقبل كل ذلك يا (أبو جمعة), كتب ربك على نفسه الرحمة , فكان من رحمته , أنه غافر الذنب وقابل التوب , حتى لو بلغت ذنوب بني أدم عنان السماء , فاستغفر الله , غفر له , وهو الأرحم بعباده من الأم على جنينها , أنزل في الأرض رحمة واحدة , وترك في السماء تسعاً وتسعين رحمة فتبارك الله أرحم الراحمين.
ويخرُّ أبو جمعة ساجدا وباكيا ومرددا :
- سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله , اللهم لا حول ولا قوة إلا بك , اللهم اجعلني ممن ينظرون وجهك الكريم, يوم العرض عليك يا عظيم . ويردد الصوت مسبحا وخاشعا :
- إنه الله,الذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين , يغشي الليل النهار , يعلم ماتحمل كل أنثى , وما تغيض الأرحام , وما تزداد , وكل ذلك مقدَّر في علمه , إنه علام الغيوب ,عالم الغيب والشهادة , الكبير المتعال , يستوي لديه من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار , أليس في كل ذلك آيات بينات لمن يتفكرون ويتدبرون ؟وهو الذي يرينا البرق خوفا وطمعا , وينشئ السحاب الثقال , والرَّعدُ يسبِّح بحمده والملائكة من خيفته , له دعوة الحق , يعز من يشاء ويذل من يشاء .
وهو الذي يحيي الموتى,ويبعثهم من القبور, كأنهم لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها, ويوم النفخ في السور, فإذا هم الى ربهم ينسلون , قائلين يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا, هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون وكل ذلك في صيحةٍ واحدةٍ ,فإذاهم لديه تبارك وتعالى محضرون, ,وهو الذي قدَّر القمر منازل حتى عاد , كالعرجون القديم .

***
(2)
وتهفو نفس أبو جمعة التواقة الى المزيد من رحمات الله , فيرنو الى الصوت الذي يتناهى الى سمعه صفاء ونقاء,فيطرب وتشرق روحه بالنور, ويقول له الصوت :
- لقد خلق الله ألملائكة من نور قبل أن يخلق آدم ( بشر) منهم من يحمل عرش الرحمن , يسبحونه سبحانه وتعالى بالليل والنهار ومنهم الكرام الكاتبين والحافظين , والمستغفرين ومنهم الرسل أولي الأجنحة مثنى وثلاث ورباع , ومنهم الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون , وهم الموكَّلون بالنار التي وقودها الناس والحجارة
ومساكنهم هو البيت المعمور , ويصمت الصوت قليلا ليقول:
- إنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر , لا مخلوق في الأرض ولا في السماء قادر على وصفه أو نعته , لما فيه من آيات الله الكبرى , يدخله في اليوم سبعون ألف ملك وهو في السماء السابعة فيه سيدنا وحبيبنا إبراهيم , تعمره الملائكة, تسبح الله وتستغفره , وما من موضع فيه إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع ,ويوم القيامة يقفون في صفوف بين يدي الرحمن , من أعظمهم قربا الى الله جل في علاه , جبريل , وميكال , واسرافيل ومنهم مالك , وإسماعيل , ورضوان , والزبانية, والمعقبات الموكلون بحفظ بني أدم في نومهم من الجن والإنس والدواب.
ويهلل أبو جمعة مكبرا رحمة الخالق بعباده , ولطفه بهم , وتسخيره الملائكة الكرام, لحفظهم والاستغفار لهم , بينا الصوت راح يقول :
- ليس هذا وحسب يا أبو جمعة , فمن لطفه بعباده أنه جل في علاه , أوكل ملائكة تحفظ أعمال العباد , وهم الكرام الحافظين:رقيب وعتيد , اللذين يرافقان بني أدم في حله وترحاله , فيكتبون كلَ كبيرةٍ وصغيرةٍ , فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرا يره, ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرا يره .
ومن قدرته أنه خلق الجان من مارج من نار, وهو طرف اللهب من خالصه و أحسنه , وكانت مساكنهم الأرض , وجعل (عزا زيل) إبليس على ملك الدنيا وهو من الجن , وقد أرسله الله مع جند من الملائكة, الى الجن الذين افسدوا في الأرض وسفكوا الدماء , فقتلوهم واجلوهم عن الأرض الى جزائر البحور .
كان عزا زيل (إبليس ) من أشرف الملائكة الجن , من أولي الأجنحة الأربعة , وكان خازنا على الجنان , يسرح ويمرح فيها كيفما شاء ومتى شاء , وكرّمه الخالق جل وعلا بأن جعله سلطان سماء الدنيا , وسلطان الأرض , لقد كان من أكثر الملائكة الجن عبادةً واستغفارا لله جل في علاه
يطوف بالجنة ينعم بثمارها وأنهارها .
وتمر السنين تلو السنين والدهور تلو الدهور , وعزا زيل ينعم بالجنة كيفما شاء ومتى شاء ,
ويخلق الله آدم (بشر ) من طين من حما مسنون , صلصال كالفخار , ليرث الأرض ويعمرها وخلق له من نفسه زوجة يسكن إليها ,وجعل بينهما المودة والرحمة , وتركه ربُّ العالمين في الجنة حينا من الدهر, وكان أجوف لم تُنفخ فيه الروح , وبينما إبليس يطوف بالجنة , رآه ملقىً فيها , فأصابته الغيرة من هذا المخلوق الطيني , وشعر بالحسد الشديد لان الله تبارك وتعالى خلقه بيده الكريمة , كان (عزا زيل) أجهل من يعلم غيب السموات والأرض , وأغبى من أن يدرك قدرة الله جل علاه وحكمته من خلق آدم وحواء , وكان من قصر النظر بحيث لم يدرك ما أعد الله لآدم وزوجه من نعيم في الجنة , وتوسوس له نفسه الخبيثة الماكرة الجاحدة لفضل الله عليه وعلى ذريته , وينكر تلك المكانة التي وهبها الله له , ويضمر في نفسه الشر لآدم وزوجه , وينفخ الله من روحه في آدم , بعد أن سواه وأحسن خلقه , فيعطس أدم وتدب فيه الحياة ويقول له رب العالمين :
- يرحمكم الله .
وتأتي ساعة الاختبار ويجمع الله الملا ئكة , ويقول لهم :
- إني جاعل في الأرض خليفة .
وتردد الملائكته خاشعة ومسبحة :
- أتجعل فيها , من يفسد فيها , ويسفك الدماء , ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ :
ويقول الله تعالى :
- إني أعلم ما لا تعلمون ,
ويعلّم تبارك وتعالى آدم الأسماء كلها , ويعرضهم على الملائكة ويقول لهم :
- أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين .
وترد الملائكة بخشوع :
- سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم .
ويقول جل وعلا مخاطبا آدم :
- يا آدم أنبئهم بأسمائهم .
وينبئ آدم الملائكة بأسمائهم , ويقول المولى :
- ألم اقل لكم إني اعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟ .

ويأمر الله ملائكته بالسجود لآدم , ويسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس الذي استكبر وكان من الكافرين , ويقول له رب العالمين :
- ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ , أستكبرت أم كنت من العالين ؟
ويقول عزا زيل الجاحد :
- أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
ويقول له الله بديع السموات والأرض :
- اخرج منها فانك رجيم , وإنَّ عليك لعنتي الى يوم الدين .
ويقول الشيطان لرب العالمين :
- ربِّ فأنظرْني الى يوم يبعثون :
ويقول له الرحمن :
- إنك من المنظرين ,إلى يوم الوقت المعلوم .
ويقول الشيطان متماديا في كفره وعصيانه لله :
- فبعزتك لأغوينهم أجمعين , إلا عبادك منهم المخلصين .
ويرد عليه المولى :
- فالحق والحق أقول لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين .
ويقول الحق لآدم وزوجه :
- اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما , ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين .
ويتحول إبليس الى مسخ: شيطان رجيم مطرود من رحمة الله , إلى ما شاء الله , وتأكل الغيرة قلبه من آدم وزوجه اللذين طرده الله بسببهما من الجنة , فيما آدم وزوجه ينعمان بالجنة وخيرتاها , يأكلان من ثمارها , ويشربان من لبنها وعسلها ومائها , متكئين على فرش, بطائنها من استرق وجنى الجنتين دان , حليهما فيها أساور من ذهبٍ وفضةٍ , يطوف عليهم ولدان مخلدون , كأنهم اللؤلؤ المكنون , بأكواب وأباريق وكاس معين , لهم فيها لحم طير مما يشتهون , وفاكهة مما يتخيرون .
ولا تهدأ للشيطان بال , كان يطوف بالجنة يراقب آدم وزوجه حواء , ويوسوس لهما المرة تلو المرة أن يأكلا من تلك الشجرة , ويقول لهما :
- ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة , إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين .
ويقسم لهما الخبيث أنه لهما من الناصحين , ويقع آدم وزوجه في حبائل الشيطان وما أن ذاقا الشجرة حتى بدت لهما سوآتهما , وأخذا يستران عورتهما من ورق الجنة ويناديهما ربهما قائلا :
- ألم أنهكما عن تلكما الشجرة, وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟
ويرد آدم نادما على ما فعل :
- ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين .
ويقول المولى :
- اهبطوا منها بعضكم لبعض عدو مبين ولكم في الأرض مستقر ومتاع الى حين , فيها تحيون وفيها تموتون, ومنها تخرجون .
ويهبط آدم وزوجه الى الأرض وفي نفسه أمل بان يعود الى الجنة برحمة من الله , فيما إبليس اللعين يخرج منها مذءوما مدحورا, هو وأتباعه من الشياطين , يفسقون في الأرض , وينشرون فيها الفساد , ليس لهم من هم إلا غواية ذرية آدم وإخراجهم عن الصراط المستقيم .

***


(3)
ويعود التسبيح ليملأ الكون, إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها , ويبكي أبو جمعة تلذذا بما يسمع وحزنا على ما حل بآدم وزوجه من كيد الشيطان , فيما الصوت يصمت خشوعا لما يسمع.
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
***
هناك في غرفة العناية المركزة بعد مرور ثلاثة أيام على غيبوبة (أبو جمعة), تصرخ أم جمعة فزعة باكية, بعد أن فقدت الأمل في عودة زوجها الى الحياة , ويجثو جمعة على ركبته مخاطبا والده , الذي انخفض ضغطه وكادت دقات قلبه تتوقف عن الخفقان , داعيا الله أن يرحم والده ويخفف عنه ما هو فيه , فيما حشد من الأطباء يهرعون الى غرفة العناية المركزة , امتدت أيديهم الى أبو جمعة , منهم من يقيس نبضه , ومنهم من يضرب على قلبه , فيما أخر زاد من جرعة الدواء المقدَّم عن طريق الوريد , قال أحد الأطباء :
- إنه تحت رحمة الله .
قال جمعه متدخلا :
- ما فرصته في الشفاء ؟!
ردَّ الطبيب ناظرا الى ساعته وهو يقيس نبض أبو جمعه :
- الشفاء بيد الله ولكن الى الآن لا زال بحاجة الى مزيد من الدواء , قد يحتاج الأمر الى أيام وربما أكثر , توقف الطبيب ملتقطا أنفاسه ليقول :
- الكثير من حالات الجلطات الدماغية , تعيش أشهرا بوساطة الأجهزة والتنفس الصناعي , والحقيقة إن حالة والدك لا تبعث على الاطمئنان , بيد إن فرصته ربما قد تكون قوية في الشفاء , وتصرخ أم جمعة رافعة كفيها إلى السماء :
- إن شاء الله , إن شاء الله .
ويخرج الأطباء, بعد أن استقرت حالة (أبو جمعة) , تاركين جمعة ووالدته مع (أبو جمعه) , الراقد لا يسمع أدعية وابتهالات جمعه ووالدته , متضرعين إلى المولى أن يعجِّل له بالشفاء , ويقطع عليهما ابتهالاتهما دخول الممرض الذي أحمرت عيناه , تثاءب قليلا ثم ألقى نظرة على الأجهزة التي كانت تكمم فم أبو جمعة , لم يبدِ أية ملاحظة فقط قال :
- سيشفى بإذن الله .
وتصيب الممرض ارتعاشة أعقبها شعوره بأن ثمة ما يحدث, فقد شعر بنسمة دافئة تدخل الى المكان,نظر الى النافذة ,كانت موصدة , ثم عاود النظر الى وجه (أبو جمعة) الراقد بسلام , تمتم بكلام لا يسمع , وبتكاسل جر جسده الواهن الى مقعده , سكب لنفسه شيئا من القهوة , ثم أخر لجمعه وأخر لام جمعة التي كانت تمتم بأدعيتها وابتهالاتها الى الله , كان الممرض يختلس النظر الى النافذة وشعور قويٌّ لديه بأن ثمة ما يحدث بالقرب من النافذة .
ويقطع عليه شروده قول جمعة له :
- شكرا لك على القهوة .
- لا شكر على واجب .
ويعود جمعه مرة أخرى الى مقعده , وعيناه معلقتان بوالده , الذي كان يغط في سبات عميق , حاول أن يستكنه قسمات وجهه المتجعد , كانت وجنتاه مرآة لحالةٍ ظلت غامضة عليه , فيما عيناه المغمضتان لا توحيان إلا بسر لا يقوى على فهمه أو معرفة ما وراءه , فهو يشعر بأن والده اقرب ما يكون الى شخص مغمض عينيه متأملا ما وراء الأشياء , يجوب بهما عالما من الخيالات والأحلام , فهو لا يبدو في حالة غيبوبة أو أنه مصاب بجلطة دماغية , كاد يترجم أفكاره الى سؤال للممرض الشارد الذهن الذي كان يحتسي القهوة , الفنجان تلو الفنجان, كاد يقول له :
- هل تشعر بأن ثمة ما يحدث في الخفاء ؟!!
ويبعد جمعة تلك الحالة من الاستغراب , محدقا في سقف الغرفة , ثم مطرقا برأسه مرة أخرى مخاطبا نفسه همسا :
-إذا استمرت حالة والدي هكذا , سوف أنقله الى مستشفى أخر
ومع انتصاف الليلة الثالثة من غيبوبة (أبو جمعة) , تتسلل الى عيني جمعة سنات من نوم , لا يملك القدرة على عدم الاستسلام لها , وهو الذي أنهكه السهر الى جوار والده الراقد بهدوء , بينا والدته كانت هي الأخرى لا تقوى على قهر النعاس , فتستسلم له رغما عنها .
ومرة أخرى وربما لو كان جمعة , أو الممرض أو أم جمعة نفسها بحالة (أبو جمعة) لسمعوا شيئا من ذلك التسبيح وتلك الحالة من الانتشاء والتلذذ الذي كان يصيب (أبو جمعة) , ولأصابهم ما أصاب (أبو جمعة) من ذلك , الخشوع الذي أشبه ما يكون بالسجود بين يدي الله .
ويعود التسبيح موسيقى عذبة , يطرب لها الفؤاد وتهتز لها الأوصال , فتبعث في الروح نشوة وشجى يحيي القلوب , ويزيل عنها ما غشيها من قسوة , وينفض عنها ما تراكم من غبار , ويغسل درنها , ويقذف فيها طمأنينة , تحتاج الى الابتهال والدعاء ربما لسنين وأعوام , مفتاح هذا الدعاء الرحمة من الرحمن الرحيم , رحمة الذي يرى ويسمع , رحمة القوي العزيز , الذي ليس كمثله شيء , الأول والأخر .
فأينما كنت ومهما كنت فهو يراك, حتى اللقمة تدخلها في جوفك يراها ويعلمها , وتقلبك في فراشك في علمه الكريم .
ويوقظ صوت الرعد ووميض البرق الشديد , جمعه ووالدته , ويتوقف الممرض عن احتساء قهوته
ويعود التسبيح كما كان في الأزل , -منذ أشرق الكون بنور وجهه الكريم ومنذ أن كانت السموات والأرض رتقا ففتقهما , فكان منها النجوم والكواكب والمجرات , ومع خلق البحر المسجور والبيت المعمور وخلقِ آدم من طينٍ من حما مسنون , والجان من نار السموم , والملائكة من نور- يعود عذبا رقراقا لا يسمعه إلا أبو جمعة الراقد بسلام .
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .

***
يلتفت أبو جمعة وسط هالة من نور إلى يمينه , فيرى فتاة حسناء , شعورها كما خيوط الذهب , ووجها يشرق بالنور , فيما تزين معصمها أساور من نور , كانت ترنو إليه بعينيها , تفترُّ أسنانها عن رائحة كما المسك , وتعبق ثيابها برائحة الجنة , كانت تقف في الفضاء المحيط به وبيدها تفاحة حمراء من تفاح الجنة , قدمتها له , قال له الصوت ناصحا :
- لم يحن الوقت يا (أبو جمعة) لم يحن الوقت بعد.
ويحدِّق أبو جمعة في تلك الفتاة ويصرخ فرحا :
- إنها أم جمعه إنها أم جمعه . ويكاد يعود لالتقاط التفاحة, لولا ذلك الصوت الذي قال له :
- لم يحن الوقت يا (أبو جمعة) لم يحن الوقت بعد .
وتختفي تلك الفتاة وسط هالة من نور, في عالم من التسبيح والتقديس لله جل في علاه .
وما إن يستفيق أبو جمعة من حالة الانتشاء والفرح برؤية طيف زوجته أم جمعه , حتى يرى في الأفق جاره أبو محمود , رفيقه إلى صلاة الفجر , وجليسه في السراء والضراء , ويتنهد قائلا :
- آه !! إنه أبو محمود الطيب , أبو محمود الرفيق والصديق , يجوع إذا جعت ويعطش إذا عطشت , ابومحمود الذي يقسم اللقمة بينه وبيني , ويزورني إذا مرضت , ويسقيني إذا عطشت , ويقرضني دون أن اطلبه إذا احتجت .
وتحن روح (أبو جمعة) الى مخاطبة أبو محمود الجالس - مستظلا من حر الشمس تحت شجرة التين في باحة بيته – ولكنه لا يقوَ على ذلك , ويرقص أبو جمعة طربا لذلك الصوت الذي يقول له :
- أنظر إنه أبو محمود رفيقك يجلس تحت شجرة التين , وتخشى أبو محمود هالة من نور فيرى أبو جمعة جاره يجلس في باحة قصر من القصور , يتوسد أريكة من إستبرق تعبق منها رائحة كما البخور , في كل نافذة من نوافذه حسناء من الحور , طوبه : لبنة من ذهب ولبنة من فضة , لو انكشفت الحجب ل (أبو محمود) لأصابه مس من الجنون , لما سيرى , بينه وبين قصره.. أن تخرج روحه من جسده الواهن المتعب , بينه وبين الشباب , تلك الأنفاس التي يتنفسها , وتلك الرحمة من ربه بأن يرى رفيقه أبو جمعة مرة أخرى , إنه يغفو أمام قصره الذي لا يُرى منه إلا حصباءه من الياقوت , وثماره الدانية من العنب والتفاح والتين , وأولئك الولدان المخلدون , كأمثال اللؤلؤ المكنون , وتلك الرائحة كما المسك تعطر المكان ,
ويصرخ أبو جمعة قائلا :
- وا فرحتاه يا (أبو محمود) وا فرحتاه !! ويأتيه الصوت قائلا :
- قل الحمد لله يا أبو جمعة فهذا قصر من قصور الحمد لله .
ويختفي أبو محمود وسط هالة من نور , ويسبح أبو ( جمعة) قائلا :
- سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك .
ومرة أخرى يقول :
- سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله .
ويقول له الصوت مبشرا :
- لك بها قصر في الجنة يا ( أبو جمعة ) ولأبنائك وأزواجك , إنه الكريم يعطي بغير حساب , القدوس الوهاب .
ويحلق أبو جمعة بأجنحة من نور , ولا تسعه الفرحة , فيطير في اللا متناهي من فضاء بعيد , وحلم سعيد , تطوى له المسافات , وتقهر المتاهات , يتلذذ بما يسمع من دعاء وتسبيح , وتطرب أذنه من تهليل وتكبير , وتغشاه رحمات مسافرات عبر المدى , دعاء التائبين العابدين الموحدين , العائذين به سبحانه من الشيطان الرجيم , ومن النفس الأمارة بالسوء , دعاء الذين رأوا الإبل كيف خُلقت , والسماء كيف رُفعت , والجبال كيف نُصبت , والأرض كيف سُطحت , الذين تُعرف في وجوههم نظرة النعيم .
ويأتيه الصوت مرتلا مسبحا عظمة الخالق جل في علاه :
- ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سموات طباقا ماترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) ويبكي أبو جمعة فرحا بما أتاه الله ويقول :
- صدق الله العظيم .
ويقول له الصوت :
- ( سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم * له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شي ء قدير * هو الأول والأخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم * هو الذي خلق السموات في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعلمون بصير * له ملك السموات والأرض والى الله ترجع الأمور )
ويخر أبو جمعة مغشيا عليه بعد ما سمع ما يتلى عليه من كلام الله , كيف لا وهو في عالم التسبيح؟ لا يسمع منه إلا قوله:
- صدق الله العظيم .
ويوقظه الصوت قائلا :
- انهض فالطريق طويل يا أبو جمعة , وآيات ربك الكبرى تتلوها السموات والأرض وما بينهما , يتعبد بها الحجر والشجر والبشر والمطر المنزَّل من السماء يصيب به من يشاء ويحبسه عمن يشاء ومتى شاء , وكل ذلك بالدعاء , مفتاح الرحمة للعباد الصالحين , إنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه , ويفرِّج كربة المكروب إذا ناداه .
وتخنق أبو جمعة العبرات , وتصيبه سكرات , مبعثها لذة دبت في عظامه , جعلته كما الهائم من نظرات ,إن سمعه وبصره , في الذروة من الارتقاء الى عالم اللا محسوس بما ليس هو محسوس , ورؤية ما هو مطموس , قوة مبعثها ذلك الإيمان الذي تسبح له السموات والأرض , وشعوره بأن العزيز الحكيم هو الذي يسمع ويرى , مالك السموات والأرض, فيهما الإنسان مطلق الحرية جواز سفره رحمة الله , وتذكرة الدخول الى رحمته لا اله إلا الله محمد رسول الله .

***
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ايات رحمانية / الفصل الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: