غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ايات رحمانية / رواية الفصل الاول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ايات رحمانية / رواية الفصل الاول   الخميس أغسطس 05, 2010 7:11 am



خالد عطيه العشوش
آيات رحما نـــــــــــــية
رواية












آيات رحمانيـــــــــــــــــــــــــة
رواية
تأليف
خالد عطيه العشوش
























آيات رحمانية
رواية


تنويه :

تشتمل هذه الرواية على آيات من القران الكريم / آملين مراعاة ذلك





























على خلفية الإساءة الى الرسول العظيم , (شياطين) القرن العشرين يصورنه يستبيحون نور وجهه الكريم.

النبض :
الرسول هذا النبض فينا سيعود من بعد ما رحيل , باعثا في النفوس الظمأى , صحوة الرحيل
سيعود ليرجم فينا مكر السنين , وأوجاعا تتجافى لها المضاجع تأنيبا وليس تأمينا 0
لك الله سيدي من قوم ظالمينا, ماعرفوا قدرك وأنت ألامينا , ما عرفوا انك في واد غير ذي زرع
جئت بالحق حطمت رجسا أعمى الأحداق فينا 0


أسعف فمي :
أسعف فمي, وأنا أقف في بابك الكريم , أقف عند مقامك العظيم , أسعف فمي فالكلام نثرا , شعرا , أصبح سقيم , والظالم ذاك الشيطان الرجيم, يصورك يرسمك , يستبيح نورك الرحيم , أبا الزهراء غفرانك إذا تجاوزت قدري , فأنت بكل اللغات, حليم,هناك أراك في البطحاء والبيداء في
شعابها ووديانها تحت حرّها ولهيبها تحطم الرجس والأزلام , تدوس خيلك الميسر والأصنام , تحرر النفوس تسجد لخالق الأنام 0












الإهداء..

إلى روح جدتي الطاهرة..


أَلا لا أَرى الأَحداثَ حَمداً وَلا ذَمـّا َفما بَطشُها جَهلاً وَلا كَفُّها حِلمـا
إِلى مِثلِ ما كانَ الفَتى مَرجِعُ الفَتى يَعودُ كَما أُبدي وَيُكري كَما أَرمى
لَكِ اللَهُ مِن مَفجوعَةٍ بِحَبيبِـــها قَتيلَةِ شَوقٍ غَيرِ مُلحِقِها وَصمـا
أَحِنُّ إِلى الكَأسِ الَّتي شَرِبَت بِهـا وَأَهوى لِمَثواها التُرابَ وَما ضَمّا
هَبيني أَخَذتُ الثَأرَ فيكِ مِنَ الـعِدا فَكَيفَ بِأَخذِ الثَأرِ فيكِ مِنَ الحُمّـى
وَما اِنسَدَّتِ الدُنيا عَلَيَّ لِضيقِــها وَلَكِنَّ طَرفاً لا أَراكِ بِهِ أَعمـــى
فَوا أَسَفا أَن لا أُكِبَّ مُقَبِّــــلاً لِرَأسِكِ وَالصَدرِ الَّذي مُلِئا حَزمـا


المتنبي










الفصل الأول .
(1)
استيقظت الزوجة كعادتها , مع أول تكبيرة للأذان , ظلت تردد مع المؤذن الله اكبر , الله اكبر وشيء من النعاس لا زال يغشى عينيها , فيما زوجها والذي عادة ما كان هو الذي يوقظها للصلاة ,ما زال يغط في نومه , الذي ربما لم تألفه أو تتعود عليه .
التفتت نحوه بشيء من الاسترخاء والدعة , قرصته بيدها منبهة إياه بأن وقت الصلاة قد حان
قالت :
- الفجر يا أبو جمعه, قم لصلاة الفجر ..
ساد السكون قليلا لم يستيقظ ( أبو جمعه) من رقاده ولم يحرك ساكنا , ومرة أخرى رددت الزوجة رافعة من صوتها :
- الفجر يا ( أبو جمعه) الفجر ؟!!
وظل أبو جمعة مستسلما لنومه الذي أثار حفيظة زوجته التي لم تتعود منه ذلك
صمتت قليلا , ثم نظرت إلى زوجها النائم , والذي لم يحرك ساكنا , أخذت تحدِّث نفسها محدقة في ظلام الليل, الذي بدأ يتقهقر أمام تباشير الفجر الجديد , تمتمت مستهجنة رغبة زوجها في خلوده للنوم :
- سوف يقيم الإمام الصلاة , وأنت لاتزال نائما.
امتدت يدها الى رأس زوجها حركته المرة تلو المرة دون طائل , حبست صرخة كادت تخرج من فمها عندما انتابها الخوف وسيطر عليها , أمسكت بيده, حركتها بقوةٍ صارخة وباكية أبو جمعه أبو جمعه , استيقظ.. ؟!!
كانت يده باردة كما الثلج, فيما رأسه مالت أكثر من مرةٍ دون أن تستجيب ليد زوجته التي أصابتها رجفة وخوفٌ و هلعٌ , أعقبه صياح وصراخ أيقظ الحيّ ومن فيه .
وقفت الجموع حولها متسائلة, بينما الخوف عقد لسانها , اكتفت بالإشارة الى زوجها الممدد والهامد ,اقترب منه احدُ أبنائه فزعا , وضع أذنه عند فمه, صرخ وأملٌ واضحٌ بدأ في صوته :
- إنه يتنفس, إنه يتنفس ؟!!
صمتت الزوجة متوفقة عن صراخها وسط إلحاح الواقفين الذين قالوا لها :
- وحدي الله يا أم جمعه إنه حيّ , إنه يتنفس .
كانت عيونها تحدِّق في زوجها غير مصدقة , ظلت ممسكة بيده بقوة قالت :
- لا تتركنا يا ( أبو جمعه) توقفت عن الكلام ثم قالت :
-لم ينم البارحة إلا بعد أن قرأ شيئا من القرآن , كنت أسمعه وهو يبتهل الى الله كعادته أن يُطيل في عمره وأن يحقق حلمه في زيارة بيت الله والوقوف عند قبر الرسول , قاطعها أحد الواقفين
- توكلي على الله يا أم جمعه ..
- ونعم بالله ونعم بالله .
في هذه اللحظة كانت سيارة الإسعاف قد وصلت لتقل أبو جمعة وزوجته الى المستشفى , كانت أم جمعة ملتصقة بزوجها , ممسكة الحمالة بقوة , فيما راح أبنها يحاول إبعادها عن الحمالة لإدخال والده الى وحدة العناية المركزة .
كانت أنفاس (أبو جمعة) قد عادت شيئا فشيئا , فيما دقات قلبه بدأت في الانتظام , ولكنها دون الحد المطلوب .
الزوجة ملقاة جانب السرير ,
أحمرت عيناها من البكاء , بينما الابن كان يحدق في عيني والده المطبقتين , كان وجهه في قسماته التي لا تدل إلا على النوم والاسترخاء, يبعث على الاستغراب وإثارة السؤال تلو السؤال , بدَّد الهدوء والصمت وحالة الحزن التي تلف المكان,دخول الطبيب الذي بادرته أم جمعة بالسؤال :
- طمنا يا دكتور يحفظك الله لشبابك ؟!!.
بدأت الحيرة واضحة في عيني الطبيب, الذي طلب من جمعة مرافقته , بعد أن عاين أبو جمعة وطلب من الممرض ضرورة التأكد من ضغط المريض وإعطائه الدواء في الوقت المناسب
قال الطبيب لجمعه همسا :
- لا اخفي عليك.. إن حالة والدك الصحية لا تبعث على الاطمئنان .
قال جمعه بقلق :
- كيف ؟! فهذه أول مرة يدخل فيها المستشفى .
- والدك مصاب بجلطةٍ دماغيةٍ , وهو الآن في حالة غيبوبة قد يتطلب الأمر وقتا ليستفيق منها
لجمت المفاجأة لسان جمعه الذي قال :
- هل هناك أمل ؟!
قال الطبيب وهو يهم بالخروج :
- الأمل بالله وهو على كل شيء قدير .
- لا حول ولا قوة إلا بالله .
مرت الساعات طويلة على الزوجة الراقدة جانب السرير , كانت أصابع يديها مطبقتين إلا السبابة التي كانت تحركها بين لحظة وأخرى كشاهد على ادعيتها المبتهلة والمتضرعة الى الله , أما عينيها فكانت لا تنظر بهما إلا الى سقف الغرفة متجاوزة ذلك الى السماء متمتمة :
- يالله , يالله ..
الابن كان قد استسلم للنوم على مقعده , مستعرضا في ذهنه اللحظات الأولى لحالة والده , والفوضى التي بعثت الخوف في الحيِّ , وظلت أصوات المترحمين على والده يتردد صداها في أذنه كلما تغلب عليه سلطان النوم , لا يوقظه من ذلك إلا قول والدته :
- يالله , يالله..
أطبقت عقارب الساعة فوق بعضها البعض, لتعلن الثانية عشرة ليلا , في ليل اشتد برده وحلك سواده , حدَّق الممرض من نافذة الغرفة , كان الظلام دامسا شديدا , فيما بللت المكان أولُ حباتٍ للمطر , ازدادت لتصبح زخات شديدة , أعقبها وميض لبرق أعقبه صوت رعدٍ هادر .
تسمر الممرض مكانه عندما رأى أبو جمعة ينتفض أكثر من مرةٍ , اقترب منه محاولا الوقوف على شيء , كان النبض في أسوا أحواله , فيما انخفض الضغط الى حدوده الدنيا , خرج الممرض مسرعا وسط ذهول جمعه ووالدته الفزعة والخائفة .
أحاطت(بأبو جمعة) أعداد من الأطباء, الذين أخذوا يتحدثون بلغة غير مفهومة بالنسبة لجمعه ووالدته, أعقبها الضغط على الصدر أكثر من مرة ,ثم صدمه بالكهرباء لا ستعادة نبضه المتوقف
وشيئا فشيئا استرد أبو جمعة نبضه , قال احد الأطباء هامسا لزميله ,
- أخشى أن يكون قد مات دماغيا !!
قال الطبيب الأخر :
- هذا ما يبدو.
(2)
في الوقت الذي استرد فيه جمعه ووالدته شيئا من روعهما المفقود , كانت حالة أبو جمعه لا تبعث إلا على القلق والخوف من مجهول أربك زوجته الهلعة الخائفة , لم يخفف من ذلك إلا وجود ابنها الى جانبها , الذي كان بدوره يذكرها بعظمة الخالق ورحمته ولطفه بعباده , فيما الأم كانت تكتفي بترديد الشهادة والتأمين على كلام ابنها .
قالت وهي تنظر الى السماء:
- اللهم أنت الشافي , أنت المعافي , اشفِ أبو جمعة بحق نور وجهك الكريم, توقفت عن الدعاء , أخرجت سبحتها من جيب ( مدرقتها ) الرثة وأخذت تدعو الله بأسمائه الحسنى , أن يخفف عن زوجها , لم يعد يسمع ابنها منها إلا قولها ( الله لا اله إلا هو الحي القيوم , لا تأخذه سنة ولا نوم .. وقولها , الرحمن , الرحيم , الملك , القدوس , السلام , المؤمن , المهيمن , العزيز , الجبار , الواحد , الأحد , الفرد , الصمد ..
صمتت قليلا بعد انتهت من تسبيحها, قالت وكأنما قُذف في قلبها شيء من طمأنينة لا تعرف مصدرها :
- سوف تعيش يا عبد الرحمن, سوف تعيش , وسوف تعود الى أرضك وأبنائك , وسوف تحلب (عنزاتك) بيدك هذه بإذن الله , وسوف يحقق الله حلمك في زيارة البيت المعمور والوقوف عند قبر الحبيب - توقفت قليلا عن الكلام ثم قالت متضرعة رافعة كفيها الى السماء :
- اللهم صلي على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد .
سمعها ابنها وهي تتلفظ باسم محمد ليقول :
- عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم .
- ومرة أخرى بدأت الأم دورتها الثانية في التسبيح تسع وتسعون مرة,ولسانها لا يردد إلا أسماء الله الحسنى ,مع كل حبة من حبات مسبحتها الزيتونية , الرحمن , الرحيم , الملك , القدوس , السلام , المؤمن , المهيمن , العزيز , الجبار , الواحد , الأحد , الفرد , الصمد ..
ذو الجلال والإكرام .
استسلم جمعه مرة أخرى لسلطان النوم, كان متعبا منهكا , بينا الأم كانت ممسكة بيد زوجها التي شعرت بها دافئة , خلدت هي الأخرى الى النوم , لم تقوَ زخات المطر القوية على إيقاظها , مع أن السماء كانت تُنذر بعاصفة قوية , فالأشجار كانت تهتز بقوة , والرعد كانت قوته كفيلة بأن توقظ أبو جمعة , لولا غيبوبته الدماغية , النور الصادر عن البرق, زاد من النور الذي كان يضيء غرفة العناية المركزة , مما جعل الممرض يتنبه من سنةٍ كان قد استسلم لها , لم يكن ثمة ما يدعو الى القلق , فحالة (أبو جمعة) مستقرة حتى هذه اللحظة , تفقد تلك الأجهزة التي كانت تحيط ( بابو جمعة , كل شيء على ما يرام , وقف الممرض عند رأس أبو جمعه , لا يدري لماذا انتابته حالة من قلق من مجهول , ولا يدري لماذا كانت عيناه وإذنيه ولأول مرة ترهفان السمع وتحاولان البحث عن شيء حيث لا شيء , كاد الممرض يهم بإيقاظ جمعة عندما انتابه شيء من خوف , ثمة شيء لا يستطيع رؤيته أو التحقق منه , حدَّق في كل شيء ليعود مرة أخرى الى وجه أبو جمعه الذي كانت تعابيره لا تدل إلا على طمأنينة , وابتسامة ارتسمت على محياه الذي رسم الفقر كل تعابيره عليه, مما زاد من حيرته وخوفه , تمتم قائلا :
- غريب أمر هذا المريض , مالذي يحدث ؟ !!
مرة أخرى أيقظه من قلقه وحيرته صوت الرعد الهادر, وسقوط مسبحة أم جمعه من يدها , ثم ذلك البرق الشديد الضوء الذي كاد بضوئه أن يتحول الى شمس ساطعة , وحتى يبدد الممرض شيئا من خوفه وقلقه , غسل وجهه بالماء , ثم سكب من إبريقه الخاص بالقهوة شيئا من القهوة , راح يحتسيها بهدوء وإرهاف سمع, الى ذلك الصوت الذي كان يحس بأنه قادم من النافذة , مع أنه حاول المرة تلو المرة, أن يبعد من عقله أي هاجس قد يكون سببا في خوفه وقلقه , وحتى يطمئن هو الى القناعة التي توصل إليها , وقف محاولا إشعار نفسه بالثقة وعمد الى التأكد من إغلاق النافذة , وإسدال الستائر جيدا , ما إن انتهى من ذلك, حتى شعر بنسمة دافئة تتسلل عبر النافذة المحكمة الإغلاق والمسدلة الستائر , تمتم خائفا :
- غريب؟!! هواء دافئ وفي مثل هذه الليلة الحالكة الباردة , امتدت يده الى سماعة الهاتف بتلقائية سببها الشعور بأن ثمة ما يحدث في هذه الليلة , شعر بالحرج ماذا سيقول لزملائه لو جاؤا إليه ؟ إن فكرة طلب زميل أخر الى جانبه ليس له مبرر , أعاد السماعة الى مكانها ثم مرَّة أخرى سكب لنفسه شيئا من القهوة , وتذكر أم جمعه وهي تردد أسماء الله الحسنى , وحتى يُشعر نفسه بالطمأنينة وإبعاد الخوف, أخذ يدعو الله بأسمائه الحسنى (الرحمن , الرحيم , الملك , القدوس , السلام , المؤمن , المهيمن , العزيز , الجبار , الواحد , الأحد , الفرد , الصمد .. ذو الجلال والإكرام.
***
(3)
"صوت"
السلام عليك أيها العبد الفقير, السلام عليك يا عبد الرحمن , استيقظ (يا أبو جمعة) استيقظ من نومك , استيقظ , ليكشف الله في علاه عنك غطائك , استيقظ فبصرك اليوم حديد .
كان الصوت الصادر من سكون الغرفة , شفافا رقراقا عذبا , ليس مثله خرير الماء, ولا حفيف الأشجار, ولا نسائم الصيف , ولا أعذب الألحان , حنونا ليس مثله صوت الأم ترضع صغيرها , ولا إغداق الأب على أبنائه , , ولا مناجاة الحبيب لمحبوبته , صوت فيه رائحة الجنة , وتسبيح المسبحين , وتضرع الخاشعين الصادقين , في كل حرف من حروفه لذة المبتهلين الخائفين , الطامعين في رضاه جل علاه ,
ومرَّة أخرى يطلب الصوت من( أبوجمعه ) أن يستيقظ من نومه ليرى ما يرى .
انتفض( أبو جمعه) من غيبوبته , كان الموقف اكبر من أن يحتمله عقله أو يصدقه قلبه , كان يرنو الى ذلك الصوت , محاولا البحث عنه في زوايا المكان , رأى زوجته راقدة جانب السرير , وابنه يغط في نوم عميق , والممرض يغفو شيئا فشيئا , أخذ يتحسس جسده الممدد , امتدت يده الى رأسه حركه , لم يتحرك , رفع يده ثم تركها تهوي في مكانها , انتابه خوف وهلع شديد , حاول إيقاظ زوجته لم تستيقظ , وعندما يئس منها , توجه نحو ابنه, الذي لم يبدِ أية استجابة , نظر الى جسده المسجى فوق السرير , كانت أنفاسه لا تُسمع , فيما قلبه يخفق بفعل تلك الأجهزة التي كانت تكمم فمه وانفه .
جاءه الصوت مرة أخرى :
- السلام عليك يا عبد الرحمن , السلام عليك أيها العبد الفقير .
***
أخذ أبو جمعة يبحث عن الصوت ومصدره في أرجاء المكان, فيما يداه كانتا تتحسسان جسمه الشفاف , هاله مارأى , عاد شابا في الثلاثين من عمره , اختفى ذلك الشيب من رأسه , ونبتت المساحات المتصلعة من رأسه , ذهبت تجاعيد وجهه , واختفت تلك البثور والتشققات من جسده , أسنانه الساقطة عادت بيضاء ناصعة , كما اللؤلؤ, كادت تفلت منه صرخةُ فرح لولا ذلك الصوت الذي نبهه قائلا :
- لا تفرح يا أبا جمعة, إن الله لا يحب الفرحين .
تجرأ أبو جمعه على الرَّد قائلا :
- من أنت بحق لا اله إلا الله, جل علاه .
ردَّ الصوت وقد ازدادت فيه نغمة جعلت الطمأنينة تتسرب الى عقل وقلب أبو جمعه :
- أنا دعاؤك في الليالي الحالكة يا(أبو جمعة) , أنا صوتك وأنت تردد سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله في السراء والضراء, أنا الحق في أعماقك , أنا لقمة العيش التي قسمتها بينك وبين أولئك الصغار, في تلك الليلة الباردة, يا أبو جمعة , رغم قلة زادك ومعاشك , كانوا جائعين , أمعاؤهم فارغة إلا من تصبير أمهم لهم , لقد دعت لك تلك الأم يا (أبو جمعة) , أنا معدتك الخاوية , تجوع ليشبع غيرك , تشقى ليسعد أطفالك , أنا إيثارك الذي هزمت بها تلك الأنانية التي تفتك بالخلق , فحولتهم الى وحوش , ليس لهم من هم إلا الجمع والإكثار , الم تدعو الله قبل ساعات يا (أبو جمعه)؟ قائلا: ( اللهم أنت السلام ومنك السلام , تباركت يا ذا الجلال والإكرام , اللهم أسالك بحق وحدانيتك وتفردك في هذا الكون, يا واحد يا احد يا فرد يا صمد , أن تطيل في عمري وعمر زوجتي وأطفالي وتصلح حالي وحالهم , ألم تقل؟ , اللهم لا حول ولا قوة الابك يا بديع السموات والأرض يامن تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور , أنا تفكرك في عظمة الخالق بديع السموات والأرض , عندما تضع رأسك على وسادتك , فتجوب السماء والأرض , متأملا في النجوم والكواكب , محاولا سبر أعماق الكون السحيق , مرددا , ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك أنت الوهاب .
قال أبو جمعة وقد قذفت في قلبه طمأنينة لا يدري سرها :
- وماذا تريد مني ؟!
- أنا ضميرك الحي يا (أبو جمعة) , جئتُ ملبيا دعوة الداعي لأريك ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر , لترى أمما طواها النسيان, ولترى زمانا ما بعده زمان , سوف ترى عظمة الخالق بديع السموات والأرض , وأمما كانت قوتها تكمن في حد السيف ورأس الرمح وسرعة السهم , أمما جابت الصخر بالواد ومن بعدها فرعون ذي الأوتاد , أما قوتكم انتم فتكمن , في تلك الفوهات التي تطلق الموت الزؤام , في الطائرات والراجمات والصواريخ والمدفعيات, في الذرة والنواة ورعونة الدبابات ,
سوف ترى قوة الحق في الموت الذي يقهر به عباده , وفي الزلازل والبراكين , في الرياح والأعاصير, في الجراثيم والفيروس , في البرق والرعد , في أمواج البحر العاتية, تتقاذف السفن ذات اليمين وذات الشمال , فترتفع الأكفُّ إليه بالدعاء , أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه؟ , قوة لا تضاهيها قوة لا في الأرض ولا في السماء , وسوف ترى من رحمة ربك في عباده الكثير الكثير , ومن لطفه ما يبكي الصغير , رحمة لايقنط منها إلا القانطين , رحمة سوف تصيب الذين أسرفوا من عباده على أنفسهم, إنه هو الغفور الودود , إنه يغفر الذنوب جميعا .

ومرة أخرى تَـتردَّد أسماء الله الحسنى في أرجاء المكان :
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض ...ذو الجلال والإكرام... الصبور
***
(4)
وتشرق روح أبو جمعة بالنور , ويعود ذاك الفتى الشاب ريان العود , مسربلا بسعادة ليس مثلها سعادة الأم بشفاء صغيرها , ولا عودة الغائب بعد الفراق , ولا لذة لقاء العاشق بمعشوقته في دياجير الظلام , ولا حتى نجاة من اشرف على الهلاك , ويأتيه الصوت مرة أخرى , كله صفاء ونقاء هاتفا به :
- هيا اتبعني يا (أبو جمعة) , اتبعني ولا تخشَ شيئا , اتبعني الى ما كنت به تتفكر , سوف تخرج من زمنك الى زمنٍ , اليوم فيه كإلف سنة مما تعدون , اتبعني الى جناتٍ عرضها كعرض السموات والأرض , سوف يزلفها الله للمتقين , وابتعد عن جحيم سوف يبرزها الله للغاويين الطاغيين الطامعين , المستبدين , المتملقين ,المتسلقين ,
وتصيب أبو جمعة رعشة من يخشى السفر الى المجهول , ويتردد للوهلة الأولى , ناظرا الى جسده الذي لا زال فيه قلب ينبض , يكاد يجهش بالبكاء وهو يرى زوجته تغط في نومها جانب السرير , ويلتفت الى ابنه المتهالك في مقعده .
ومرة أخرى ينبهه الصوت الى لحظة الرحيل , أحس أبو جمعة في الصوت نغمة التطمين , ولكن الى أين ؟!
وكلمح البصر أو ربما أسرع من ذلك , أو كما وميض البرق أو أسرع من ذلك , كان أبو جمعة يحلق في عوالم ومجاهيل لم يرها من قبل , قال له الصوت :
- سبِّح الله يا أبا جمعة وأكثِر من الصلاة على نبيه الكريم ,فهاهنا عالم التسبيح وذكر الله , الله الغني العزيز الحميد , ليس كمثله شيء , نور السموات والأرض ليس كمثل نوره شيء .
وينطلق لسان أبو جمعة بالتسبيح والتهليل والصلاة على النبي الكريم , وتصيبه رعشة ولذة مع كل حرف ينطقه , ( سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله , تبارك في علاه , اللهم صلي على سيدنا محمد , وعلى آل سيدنا محمد , كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم , وبارك على سيدنا محمد وعلى ال سيدنا محمد , كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ال سيدنا إبراهيم , في العالمين , إنك حميد مجيد , ويشق السكون ترديد يقول : أمين أمين .
ويتناهى الصوت الى أبو جمعة رقراقا عذبا :
- بوركت يا (أبا جمعة) إنه مفتاح الولوج الى بدء الخليقة , لترى بديع صنع الباري , لترى عظمة خالقك , أليس هو الخلاق العليم؟ , ويردد أبو جمعة:
- بلى سبحان الله عما يصفون .
ويهتز الفضاء الواسع من حول أبو جمعة ويعود اللحن الأبدي قويا مجلجلا يتلوه الترديد تلو الترديد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها :
الله لا اله إلا هو .. الرحمن ,الرحيم ,الملك ,القدوس ,السلام ,المؤمن ,المهيمن ,العزيز ,الجبار ,المتكبر الخالق ,البارئ ,المصور ,الغفار ,القهار ,الوهاب ,الرزاق ,الفتاح ,العليم ,القابض الباسط ,الخافض, الرافع,المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم العظيم ,الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب المجيب ,الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد ,الماجد الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم ,المؤخر, الأول, الآخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالِ, البر التواب, المنتقم, العفو, الرءوف, مالك الملك ,ذو الجلال ,والإكرام, المقسط, الجامع, الغني, المغني, المانع ,الضار, النافع, النور, الهادي, البديع ,الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور .
***
ومرة أخرى يقول له الصوت :
- قل يا أبو جمعة ( الله لا اله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ,له ما في السموات وما في الأرض ,من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه , يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه , إلا بما شاء , وسع كرسيه السموات والأرض , ولا يؤده حفظهما , وهو العلي العظيم .
ويتلو أبو جمعه قوله تعالى , فيسمع تأمينا لا يراه . وتسبيحا وسع مداه , فيشهق من السعادة وتحيط به هالة من نور.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ايات رحمانية / رواية الفصل الاول
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: