غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ميلاد في طي النسيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ميلاد في طي النسيان   الخميس أغسطس 05, 2010 7:06 am

ميلاد في طي النسيان
قصة قصيرة


روت لي والدتي - وكنت قد سألتها من باب الفضول عن ظروف ولادتي وملابساتها – أنه صادف يوم مولدي هبوب ريح عاتيةٍ ,على الأرجح كانت شرقية لا غربية - بدليل أنها كانت تشير بيدها نحو الشرق, فيما الخيمة بيتنا الوحيد ذات العامود الواحد كان مدخلها غربيا - على كل حال كانت تلك الريح مقدمة لعاصفة مطرية ورعدية, كما فهمت من والدتي, التي راحت تصف لي اللحظات الأولى لخروجي إلى هذه الدنيا , وقالت متنهدة ( كادت الخيمة تقع علينا لولا رحمة رب العالمين ووجود والدك في تلك اللحظة, لقد ظل يا ( وليدي ) ممسكا بقوة بالعامود لمنع الخيمة من السقوط, وكنت ساعتها أعاني آلام المخاض, وكنت بين لحظة وأخرى أطلب منه الذهاب إلى بيت جدتك لتكون إلى جانبي , ودون أن أدري خرجت إلى هذا العالم , وكان أول شيء قمت به أني لففتك (بالملفعة) و(قمطتك) وقطعت صرتك بيدي , بعد ذلك وضعتك في حجري لاحميك فيما لو سقطت الخيمة, ولم يقو والدك على الصمود في وجه العاصفة, ولكن والحمد لله هدأ كل شيء, وتنفس والدك الصعداء, وكنت أسمعه يبتهل إلى الله أن يكون ذلك فال خير عليك , أدركت ساعتها أن لتلك الليلة تأثيرها الخاص على مزاجي, فربما من باب الصدفة يكون طالعي هوائيا, وربما يكون للجوزاء تأثيرها القوي على مزاجي المتقلب غير المستقر .
فيما كانت والدتي تسرد علي تلك الأحداث, كنت أنظر إليها مشفقا, وكانت هي تنظر إليِّ ولسانها يلهج بالدعاء إلى الله أن يحفظني من كل مكروه, وأن ينصرني على أعدائي, وأن يرزقني الأبناء, ويوسِّع عليَّ في رزقي , رثيت لحالها ولأدعيتها ورحت أقيس المسافة, من يوم مولدي إلى هذه اللحظة التي أخذت تسرد فيها عليَّ حكاية الولادة الاليمة , وذلك الصراع مع الحياة , وكأنما زادت رغبة والدتي في تذكر الماضي قالت: ( بعد ذلك يا (وليدي) بأسبوع (هجينا ) إلى (الذراع ) مشيا على الأقدام فقد وقعت الحرب ودخل (اليهود ) قريتنا , في بداية الأمر هربنا إلى الجبال القريبة, ومكثنا فيها نصف النهار, وعندما نشر الليل ظله قرر والدك السيرَ على الأقدام إلى أقرب مكان لقريتنا, قطعنا مسافة ليست بالقليلة مرورا (بالنميرة ) (فعسال ) ثم (المزرعة) إلى أن وصلنا إلى (الذراع) وكنت أحملك ساعة, والدك ساعة أخرى, وكان أهل القرية منشغلين كل في حاله, كان همي الوحيد هو الابتعاد بك عن نيران اليهود, وزاد إشفاقي عليها لأن المسافة التي تتحدث عنها تزيد على الثلاثين كيلو مترا, ولم تترك لي الفرصة في الإشفاق أكثر, قالت متلذذة ( ما أحلاها من أيام كانت سعادتنا غامرة بولادتك, لأنك البكر, ولأنك جئت بعد معاناة وطول انتظار, ومن شدة خوفي وقلقي عليك كانت الكوابيس تؤرق نومي, وتقض مضجعي, فكثيرا ما كنت أحلم أحلاما مزعجه, تجعلني أستيقظ من نومي خائفة وجلة , ولعل أشدّها وقعا علي, أني حلمت أكثر من مرة بك تسير هائما على وجهك, وسط غابة من الأعشاب الطويلة, والكثيفة, يشقها طريق ترابي وبينما كنت تسير اعترضت طريقك أفعى سوداء, راحت تطاردك وسط تلك الأعشاب , وكنتَ تركضُ محاولا النجاة من أنيابها السامة, وظلت تطاردك, وأنت تراوغها, وتحاول الإفلات منها, وأنا أصرخ بأعلى صوتي قائلة ( احذر رأس الأفعى ( يا وليدي ) (احذر رأس الأفعى يا وليدي ) وفي اللحظة التي كادت تعظك بنابها, انقض عليها نسر حاد النظرات, مزقها بمخالبه القوية ثم ألقى بها عند قدميك .
أردفت والدتي قائلة بعد أن جذبت نفسا قويا , منذ تلك اللحظة نذرت على نفسي الصوم لله شكرا وحمدا له, لأن مشيئته هي التي أنقذتك من تلك الأفعى , توقفت قليلا عن الكلام ورفعت يديها إلى السماء, وأخذت تتمتم بأدعيتها المتضرعة والخاشعة إلى الله شاكرة وحامدة قدرته على رحمته ولطفه بي .
دون أن أدري همت عيناي بالدمع حتى كاد يشرق بي , وجذبتُ يدها إلى فمي وأشبعتها تقبيلا , وسمعتها تتمتم قائلة ( الله يرضى عليك يا وليدي ) كان لوقع كلماتها تأثير قوي في نفسي, كانت أدعيتها هي مصدر قوتي وثقتي في نفسي, وكنت دوما أحدق في السماء محاولا الوقوف على شيء , أو ربما محاولا إشعار نفسي بالثقة, وبأن ادعيتها سوف تجلب لي حسن الطالع والرزق .
وكانت (الخرزة الزرقاء) و(خرزة الكباس) ومجموعة أخرى من الخرز الملون المعلق في رقبتي عن العين والحسد والوسواس الخناس, ومجموعات أخرى من التمائم لا أعرف لها اسما , كانت أيضا وكلما ابتعدت عن ناظرها تجلب لي الحظ والثقة والشعور بأنها إلى جانبي , وكنت كلما شعرت بالرغبة للعب مع أقراني, أضعها بحرص شديد في جيب ثوبي القصير كثير الرقع , وكان هذا يزعجها, ويقلقها , بدليل أنها كانت تهرع إليَّ صارخة , لا تضع ( خرزاتك يا وليدي إلا في رقبتك ) .
وفي المساء كما هي عادتها , كانت تدثرني وتلفني, وتنفث في وجهي غيوم من البخور, والروائح , والأدعية( إخسي خسيتي بالبحر رسيتي ) وتقصد عين الحسود وتمسح جسدي بالماء, والزيت وتضع على رأسي الحناء , ثم بعد ذلك تضعني في حجرها لتنويمي ,
ذات يوم شتوي دافئ جذبتني إليها برفق, ووضعت في يدي صرة صغيره وكنت قد بلغت من العمر ما يؤهلني للسخرة, وحمل الأشياء وإرسالها إلى جدتي, وقالت ويدها تمسك بالصرة , ( وليدي حبيبي هذه الصرة لجدتك فيها بعض الأشياء ) صمتت قليلا ثم قالت ( وهذه الصرة الصغيرة فيها عشرة برايز ) أي دينار ( أريدك أن تذهب بها إليها ولا تنسى أن تقبل يدها عند وصولك إليها ) وراحت يدها الأخرى تدس العشرة برايز- تحويشة ربما شهر أو شهرين - في جيبي بل إنها لم تطمئن إلى ذلك فقد أحضرت إبرة وخاطت الجيب وأحكمت إغلاقه على العشرة برايز, وبصوت مبتهل أصدرت أمرها لي بالذهاب , وظل صوتها يرافقني إلى أن اختفيت عن ناظرها, وكان صوتها يتناهى إلى سمعي ضعيفا ورقيقا قائله ( سلم على جدك وعلى خالتك وعلى خالك و و...)
وتوقف صدى صوتها ولم أعد أسمعه, وكنت بين لحظة وأخرى أضع يدي على جيبي, متفقدا العشرة برايز, فيما الأخرى كانت تمسك الصرة بقوة وحرص غريبين .
حتى أصل إلى بيت جدتي , يجب علي قطع مسافة ليست بالقليلة, وحتى تطمئن هي على سلامتي فإنه يجب علي العودة قبل غروب الشمس, ولهذه الأسباب مجتمعة كنت أحث الخطى للوصول , يدفعني عامل الشوق لخالي, واللعب معه, والرغبة في العودة إليها حتى لا أخذلها, ولا أدري لماذا شعرت وللمرة الأولى بأني سأخذلها , وربما يكون لخيالي الخصب ولرائحة الدجاج المشوي بالطابون عند جدتي سببه القوي في خذلانها , مع يقيني الذي لا اشك فيه بأنها تعرف بما لا يقبل الشك بأني أضمرت في نفسي المبيت عند جدتي,على أن لا يزيد ذلك عن ليلة واحدة , لا يوما وحتى لو كان ذلك عند جدتي , ولم أشعر بأني كنت أركض إلا بعد تعثري أكثر من مرة , ولا أدري لماذا صعقت عندما تذكرت قصة الأفعى, وقولها ( احذر رأس الأفعى يا وليدي ) وفجأة وعلى حين غرة وفي منتصف الطريق تماما, وفي اللحظة التي كانت يدي تمسك فيها بالصرة والأخرى تتفقد العشرة برايز تحويشة أمي , برزت أفعى سوداء بشعة المنظر, والخلقة , رمقتني بنظرها الماكر, وشعرت بأنها قد اتخذت قرارها في مهاجمتي دون سبب يذكر, وتقدَّمتْ نحوي على مؤخرة ذيلها , فيما صوت أمي في الأفق يقول ( أحذر رأس الأفعى يا وليدي ) أغرب ما في الأمر أني لم أشعر بالخوف, ولم أصرخ أو أطلب النجدة, وتذكرت النسر القوي الذي انقض على الأفعى , مع شعوري القوي بأن النسر ربما يكون الحلقة المفقودة في هذا الحدث المفاجئ , وبثقة لم أشعر بها من قبل , وضعت الصرة جانبا, ووقفت وجها لوجه أمام الأفعى السوداء التي كانت في يوم من الأيام مصدرَ خوفِ وقلقِ أمي , وفيما كانت تهم بالهجوم, حدت عنها جانبا, وبقوة مبعثها الرغبة القوية في إيصال الصرة إلى جدتي, والعشرة برايز تحويشة أمي, أمسكت بها من ذيلها, ودرت بها دورات عديدة,وضربت رأسها بالأرض, ثم بعد ذلك وقبل أن ترفعه نحوي , دسته بقدمي مرات ومرات , ولم اطمئن لذلك بل تناولت حجرا, وهشمت رأسها به إلى أن لفظت أنفاسها أمامي , عندها شهقت وشعرت بسعادة عارمة, وأنا أراها ملقاة أمامي هامدة , وكانت هذه أول انتصاراتي .
مرت حادثة الأفعى بسلام وظلت سرا لم أبح به لأحد حتى لأمي , مع أنها في اليوم التالي لرجوعي سألتني بإلحاح, عما إذا واجهت مشاكل في رحلتي إلى بيت الجدَّةِ , واكتفيتُ بإخبارها عن سعادة جدتي, وفرحها بالصرة والعشرة برايز , وكنت أثناء ذلك اقرأ قسمات وجهها الذي كان مطمئننا ومستبشرا بعودتي سالما غانما .
في يوم ربيعي من أيام أمي, وكنت قد كبرت شيئا فشيئا, وأشتد عودي , وأخذَتْ إثر ذلك تخفف من رقابتها الصارمة على حركاتي, وروحاتي وجيئاتي , وكانت دوما وبلهجة أمرة تقول لي ( لاتبتعد كثيرا عن البيت ) وكانت بين لحظة وأخرى تتعمد مناداتي للاطمئنان على وجودي بالقرب منها, في ذلك اليوم وللمرة الأولى, ولا أدري لماذا تعمدت مخالفة أوامرها الصارمة سولت لي نفسي وبوسوسة من أقراني , الابتعاد عن البيت والخروج في محاولة مني لاكتشاف العالم من حولنا , وربما تولدت لدي الثقة القوية في الخروج بعد ذلك الانتصار الذي حققته على الأفعى , وأثناء ذلك ارتكبت مخالفة أخرى وذلك بتخلصي من تمائمها التي بت أشعر بالحرج من وضعها في عنقي , وتعمدت وضعها في مكان تتمكن فيه من رؤيتها حتى أوفر على نفسي عناء الإجابة عن ذلك السيل الجارف من أسئلتها المستنكرة , والرافضة لتصرفي هذا ..

وأنا في طريق العودة إليها , ومن باب الحرص على رضاها وعدم إثارة غضبها, ورفع ضغطها , أخذت أبتكر في مخيلتي الجواب تلو الجواب , والمبرر تلو المبرر لخروجي غير المبرر بالنسبة لها , وكنت أتخيل ردات فعلها ومدى تأثير ذلك علي, علما بأنها وعندما تعجز عن معاقبتي, تلجا إلى والدي المنهك والمتعب , والذي يكتفي بالنظر إلي معاتبا ولائما , لأنه يعلم بأنها لن تغفر له فكرة أن يعاقبني ولو لفظيا .

عندما رأتني عائدا أشاحت بوجهها عني وتظاهرت بأنها منشغلة بشيء ما , وعندما اقتربتُ منها , ولم أجروء على النظر إليها مباشرة , سمعتها تقول أشبه بالهمس ( الغداء هناك , لا بد أنك جائع ) صمتت قليلا ثم قالت بشيء من الحدَّة ( غداء وعشاء فأنت لم تذق شيئا اليوم ) فيما والدي كان يراقب الموقف خفية دون أي تدخل منه .
في قرارة نفسي, وبعد تحليل وتمحيص وبعد مقاطعة دامت أسبوعا كاملا منها لي , وكانت خلال ذلك تكتفي بوضع الطعام أمامي , أدركت أن أمي كانت مدرسة, وحياة يجب أن أتعلم منها الكثير, فلولا مقاطعتها لي ربما أكون تعلمت من العادات ما يكون سببا لانحرافي و ضياعي, ولولا حرصها الشديد علي لكان ميلادي الذي حدثتني عنه في طي النسيان, ذلك الميلاد الذي لم يشهد شموعا ولا أضواء خافته, وإنما شهد آلاما ودموعا سخية منها, وأدعية مبتهلة ربما تكون هي السبب في بقائي إلى الآن , منذ تلك اللحظة وبشي من التحفظ على بعض ممارسات أمي, قررت أن لا أخالف لها أمرا , فالمكان الذي كنا فيه بالأمس لولا عناية الله كاد يشهد غرق طفل صغير خرج عن طوع أمه .

خالد العشوش
20/ 8 /2005

khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ميلاد في طي النسيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: