غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مهباش الجدة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: مهباش الجدة   الخميس أغسطس 05, 2010 7:04 am


مهباش الجـــــدة ..
قصة قصيرة


أن تعود بك الذاكرة إلى الوراء عشرات السنين, وأن تستلهم من الماضي عبقه وأريجه ,رغم شظف العيش وقسوة الحياة, أمر يبعث على الشعور بالرضي, والرغبة الجامحة في العودة إلى الوراء, والتحليق في ذلك العالم ونبش خباياه ,والتنقيب في مخزون الذاكرة, التي ورغم بعد المسافة غير أنها لا تزال تحمل في ثناياها أجمل الصور والذكريات , كنت طفلا ربما في الثامنة أو التاسعة من سني عمري المديد- بإذن الله - عندما كنت وعن قصد أكثر من التعامل مع ( الجدة ) والتي لها حكايات وحكايات, ولا أريد أن أصورها على أنها أرث ثقافي, أو رمز حضاري, بقدر ما أريد التلذذ في استعراض شيئا من طيبتها ودماثة أخلاقها ,وربما تكون كغيرها من الجدات مجرد إنسان طواه النسيان, ولكن بالنسبة لي لم يطوها النسيان ,لأني أنظر إليها من زاوية مختلفة تميزني عن غيري من أقراني في ذلك الوقت, الذين كانوا يجلسون حولها طمعا في لبنها أو سمنها أو في حكاية تسردها عليهم, أما أنا فكنت أجلس بالقرب منها متأملا وناظرا إلى وجهها المطرز بكتابات الزمن, والمزين بالطيبة التي لا تقبل التردد أو المساومة ,فهي تعطي دون مقابل, ولا تفارق الابتسامة محياها أبدا وأجمل مافي ذلك هو إصرارها على نبش صررها العتيقة, والبحث في أعماقها عن المطلوب, مع إلحاح شديد في تلبية الرغبة لصاحب الحاجة, و كنت أرصد كل ذلك وأسجله في ذاكرتي,وكنت أيضا ونهاية كل أسبوع عندما يبدأ موسم توزيع اللبن على( الحارة ) - وجميع سكانها من أبنائها – أراقب سكناتها وتمتمتها مع نفسها, وهي توزع اللبن في علب صغيره مع شيء من السمن والزبده ,ولمن يحبه قلبها تضع شيئا من القشدة اللذيذة, وكانت تخص في ذلك أكبر أبنائها وتقول أثناء ذلك 0
- هذا لوليدي (حمدان) وهذا لحبيبي (سلمان) ثم تنظر إلى الوجوه المحدقة في وجهها المبتسم قائلة أيضا ,وهذا لك ولك ولك , بعد أن تغمس يدها في اللبن وتضع في فم كل واحد منا إصبعها الشهي, الذي سرعان ما تغيب محتوياته في تلك الأفواه الجائعه0
وأعترف حقيقة دائما بيني وبين نفسي, أنها كانت لا تميزني عن غيري, ولا تخصني لا بقطعة جبن صغيرة ولا كبيرة ,على العكس من ذلك كانت حريصة كل الحرص على وضعها في يد أغبانا و(اسطلنا )من أبناء الحارة - واقصد قطعة الجبنه - ولا أدري لماذا كانت تخصه في ذلك 0
حفظت منها ومن مثابرتها الكثيرمن الأشياء, والأسماء التي اختفت من المعجم اللغوي (كالرفة ) (والخبنة) و( الشق ) و(الرواق) (والواسط ) و(والكاسر ) ومن أسماء اللبن ( الرايب ) و( المخيض ) و ( الجميد ) و ( الغبيبه ) وكنت لا أتوانى في طرح الأسئلة عليها ,لاكتساب مزيد من المعرفة, وكانت تجيب على أسئلتي دوما دون كلل أو ملل , وشاءت الصدف أن يأخذني والدي معه إلى المدينة لم تفارقني صورتها وهي تخض ( السعن ) وتنفخ فيه ,وقررت بيني وبين نفسي شراء علبة ( حلاوة ) لها لأني كنت أعرف أنها كانت تحب (الحلاوة ) وكان والدي في ذلك اليوم قد خصني بنصف دينارمن حصته المتواضعة في غلة الأرض, بعد عام من العناء, كنت أقبض عليه بيدي الطرية ,وكأني امسك بعلبة الحلاوة ولم أفوِّت على نفسي النظر من نافذة الباص مستطلعا ببراءة مطلقة العالم الأخر, الذي بدأ لي عالما جديدا, ولا أدري لماذا كنت أرى وجهها المتجعد ويداها النافرة العروق في ذلك العالم 0
أما (مهباشها) ودلة القهوة الشهيرة فكانت دوما عامرة, وكانت لها طريقتها الخاصة في صنع القهوة وتحميصها بالمحماس الذي تآكلت أطرافه, وربما يكون ذلك المهباش وذلك المحماس من أغلى مقتنياتها, إلى جانب إبريق( التوت) الذي تعد فيه الشاي ليلا ونحن مجتمعين – أقصد أبناؤها - لأني كنت أقحم نفسي مع والدي في (التعليله) 0
كنت في تلك الليله الماطرة ملتصقا بوالدي أراقبه وهو يحتسي الشاي, ساكبا من ذلك الإبريق الكأس تلو الكأس, وكنت أراقب وجوه أعمامي على ضوء (فنيارها ) وقد اكتست وجوههم بالسمرة من دفء النار المشتعلة, في الوقت الذي كانت فيه عاكفة على التدخين من غليونها الطويل, وقد علا وجهها جلال الكبر , أثناء ذلك كانت قد رمقتني بنظرها ثم تمتمت قائله :
- أعطني دلة القهوة يا (جديدة )
ووثبت كمن لسعه دبور مستغلا الفرصة في تقديم ما أحضرت لها ,وكمن يقدم خاتم الزفاف إلى محبوبته امتدت يدي الصغيرة البضة وأخرجت علبة الحلاوة , وقدمتها لها بينما كانت عيون أعمامي تختلس النظر إلى يدي , ساد الصمت قليلا ثم مدت يدها وأخذت العلبة وفرح بريء يرتسم على وجهها لتقول بعد ذلك :
- يا (جديده) يطول عمرك 00!
لا أدري لماذا شعرت بالفرحة ؟ولا أدري لماذا لم أنم في تلك الليله ؟فلم أكن أحلم بمزيد من اللبن ولا الجبن ولا حتى بالقشدة ,بقدر ما كنت سعيدا لأني ربما أكون قد تعززت مكانتي لديها, أو على الأقل أكون قد قدمت لها شيئا تحبه, تماما كما فعلت من قبل عندما قطعت مسافة طويلة لشراء دخان الهيشه لها , أو (التعباة) كما تسميها هي0
وإذ استلهم من ذاكرتي رائحتها الزكية وعبق (الدالف) الذي كان يتجمع في أماكن مختلفة من بيت الشعر, تذكرت أني وعندما طلبت مني مساعدتها في شد (رواق البيت) كنت قد أعطيتها صرَّة صغيرة من والدتي ولا أعرف ما بداخلها , كانت قد أخذتها وهي تقول :
- هات العصابة 0
وفردت أمامي قطعة قماش سوداء ,عرفت فيما بعد قيمة وأهمية تلك القطعة كتعبير قوي عن الاحترام للكبار, وطلبت مني الذهاب إلى قن الدجاج الذي أحضرت, منه قرابة العشرة بيضات, وضعتْها في ( سحلة ) صغيرة وطلبت مني الذهاب بها إلى أمي 0وقبل أن أهم بمغادرة المكان صرخت قائلة
- خذ هذا (المفرش) لأمك 0
وحملت هداياها المتواضعة ,وأنا انظر إلى (المفرش) المختلف الألوان, ووقعت عيني على قطعة منه حمراء, وتذكرت أنها قطعة من بنطال أحضره لي والدي, وقد أصبحت جزءا من ذلك المفرش 0
جذبته إلى صدري بقوة وشممت رائحته الزكية ,ولا أدري لماذا حمَّلت نفسي مشاعر كانت تكبرني, ولا أقوى على تحملها ودون أن أدري أجهشت بالبكاء0
في اليوم التالي, وكان على ما اذكر يوم الجمعة, استيقظت من نومي متأخرا, ولا تزال صورة (المفرش) عالقة في ذهني-وهو ما لن أنساه - تذكرت أنه يوم صنع و توزيع (السماط) الذي تفوح منه رائحة البهار والسمن البلدي, وعبقت في انفي رائحة القشدة ,وسال لعابي عندما تخيلت قدرها الكبير الذي كانت تصنع فيه سماطها الشهير,كقهوتها السمراء( الممزمزة) وقفزت من فراشي مسرعا شاقا لي طريقا وسط أبناء عمي الذين كانوا يحملون صحو نهم لملئها بالسماط , كان الطابور طويلا, وكانت العيون ترمقها وهي تملأ الصحون, بينما كنت أقف متأملا يدها التي لاحظت أنها ترتجف ,فيما لم يلاحظ غيري ذلك 0وعندما حان دوري رمقتني بنظرها الذي لاحظت ايضا شروده وقالت كمن أنهكه السهر 0
- وين صحنك يا وليدي ؟
وتذكرت أني لم أحضر معي صحني, فاكتفيت بالتزام الصمت منتظرا ردَّة فعلها , وقطعتْ عليَّ حبل أفكاري عندما قالت :
- سأملأ لك هذه (السحله) ولا تنسى أن تسلم على أمك , وشعرت بالتيه أمام هذه الخصوصية, وهذا التعزيز, كما لو كنت جنديا صغيرا حصل على شيء من الإطراء من قائد كبير 0
واقسم أنني وددت تقبيل يدها التي كانت تغرف بها السماط, ولو استطعت لفعلت ,ولاحظت أن القِدر الذي كانت تغرف منه السماط قد فرغ من محتواه, ولم تُبْقِ لنفسا شيئا, وإنما أكتفت بلعق ما تبقى فيه مع تنظيف يديها بلسانها الذواق 0



كانت مواقفها وإيثارها للآخرين مثار دهشتي وإعجابي, وكانت دروسا لن أنساها ولا أبالغ إذا قلت مرة أخرى بأني الوحيد رغم صغر سني الذي وبالفعل كان يرصد ويسجل ذلك, وكنت إذا حاولت فعل شيء أتذكرها وأقول في نفسي كانت تفعل كذاو كذا,وأتذكر عبارتها وحكمتها الشهيرة (الدنيا رايحه وما باقي غير الله والسترة ) مع شيء من التصرف بالعبارة لاختلاف الزمان والمكان , مع الإيمان المطلق بعظمة الخالق الذي حبى عباده على بساطتهم هذه الطيبة وهذا الحب 0
عندما أصبح لي بيتا, وعندما غزت التقنية بيوتنا ,وعندما كان العالم لا يتجاوز رواق البيت الذي كانت تملؤه بركة وطيبة,بذلت جهدا مضنيا في البحث عن أي شيء يذكرني بها ,ومع الأسف لم اعثر الاعلى (مهباشها ) و(دلة القهوة) وبقايا من (غليونها) الذي لا يقدر بثمن,أما (المفرش) الذي كانت فيه رقعة من بنطا لي الذي اشتراه لي والدي ,فلم اعثر عليه مطلقا .
أخر ما تسجله الذاكرة عن الجدة أنها كانت طبيب الحارة المداوي والمعالج للجراح ,فهي تحتفظ بأنواع مختلفة من الأعشاب (كالشيح والجعدة والبابونج واليانسون والزعفران والبعيثران والقاسوم والحرمل) إلى جانب أدوات للكي خاصة بها, وأذكر أني أصبت بتقرحات جلديه( المخسيه) قامت بكي أماكن مختلفة من جسمي, شفيت بعدها تماما, وكانت ماهرة في معالجة الالتواءات وتدليك الجلد وتخفيف آلام ( العفصه ) وطرد ( القرينة ) وقراءة الكف وكشف الطالع بالبخور و(الشبة )
وكانت لها قدرة خاصة على لحس العين, وتخليصها من الالتهابات, ولا أذكر أنها لجأت إلى طبيب, أو شكت من ألم, أو مغص ,وكانت ترفض رفضا قاطعا المبيت داخل غرفة, أو مكان مغلق, بل تفضل نومة بيت الشعر, أو الجلوس في ( الخلا أو البطين ) مكتفية بتدخين غليونها والنظر بعمق إلى الاشيا ء وسبر أغوارها لتفاجئك بما يدور في ذهنك من افكار.


28/8/2005
خالد العشوش

khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مهباش الجدة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: