غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 في الزقاق الذي اقطنه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: في الزقاق الذي اقطنه   الخميس أغسطس 05, 2010 7:01 am

في الزقــاق الذي أقطنه ...

قصة قصيرة


في الزقاق الذي اقطنه- وكان منزلي في أخره تماما منزويا ومكشوفا, إلا من حائط ترابي تآكلت أجزاءَ كثيرةٍ منه, وأخذ التآكل يجتاح الأجزاء الداخلية منه مشكلة لوحة فنية لا يمكن قراءة ألوانها ومعرفة فضاءتها – في هذا الزقاق, وعلى مدار ساعاتٍ كنت أجلس على برندة كثيرة الحفر, والمطبات, أراقب واختلس النظر للرائح والقادم من المارة, والذين بدورهم تآكلت أعمارهم , وبدت نواجذهم, وأرهقهم البحث عن ذلك المجهول دون فائدة .
إن البحث عن ما يسد الرمق في زقاقنا ,هو تحصيل حاصل فمهما كنت ذكيا وفطنا ومهما كنت ( شاطرا ) وفاهما في عالم النصب والاحتيال, فلن تجد شيئا ذي بال في زقاقنا , وإذا ما طوفت في زقاقنا فلن تجد إلا أبوابا مفتوحة,ونوافذ مشرعة, لأن أهلها دوما يقولون ليس هناك ما نخاف عليه .

أما أنا ويبدو أن لي وجهة نظر مختلفة عنهم, فكنت أعتقد أن زقاقنا التاريخي ذي البيوت الطينة, لا بد وأن يأتي يوم يكون له فيه شأن عظيم يغير مجرى التاريخ , وكنت حريصا كل الحرص على إغلاق نوافذ بيتي, والتأكد من أن الباب الخشبي موصد جيدا, بل إن الوهم والوسواس كان يجعلني أحيانا أعود أدراجي إلى بيتي للتأكد من إغلاقه, وكنت أطيل النظر إلى أشيائه, ومحتوياته ,كالحصيرة وجرة الماء و ( روشن الخشب ) الذي مكثت شهرا في صنعه ,وجمع أخشابه ,وتلك الكتب العتيقة التي هي أغلى ما املك في الزقاق.

شخصيات الزقاق لها كنى وألقاب, ويصعب على أهله مناداة بعضهم بغير ذلك, ف(المسطول) هو أبو كريم بائع (الخضرة ) و( الهبيله ) هو ذلك الفتى المشرد والمتسكع ذي الشعر المنفوش, والذي دوما يدور في الزقاق باحثا ومنقبا , وفي أغلب الأحيان كان أشقياء الزقاق ينصبون له الفخ تلو الفخ للإيقاع به, كانوا يشبعونه ضربا وركلا, وعلى مرآى من أهل الزقاق , و(الأرقل) هو فارس ذلك الشاب البدين البطيء الحركة, والثقيل الدم ويكنونه أحيانا ( بالخويثه ) أما أنا فكانوا يلقبوني ( بالحيوان ) لاسبا ب كثيرة أعرف بعضا منها, وأجهل الأخر, ومما أعرفه أنهم يعتقدون أني لا افهم وليس هناك مجال للتفاهم معي, ومنهم من يدعي أني متكبر و( شايف حالي ) بل إن احدهم كاشفني في ذلك قائلا ( على ايش الكبرة يا رجل ) , اكتفيت بمجرد النظر إليه دون الرد , والملفت للنظر أن أهل الزقاق يتعاملون مع هذه الكنى والألقاب بأريحيه تامة, وقبول منقطع النظير, حتى الأطفال الصغار أصبحت لهم كنى وألقاب, ففي الزقاق هناك (القطة) و(البقرة) و(النملة) و(ابوكرش) و(أبو عين ضيقه) و(العصعوص )و(اليابسة ) و(أم ذان ) و(الحوله ) و (أبوخرقين ) علما أن له (خرقا ) واحدة .
في بداية الأمر أخذت أفكر في طريقة أمنعُ فيها أهل الزقاق من نعتي بهذا اللقب, ووجدت أن الأمر ضرب من المستحيل, فاكتفيت بالإذعان, والاستجابة, فإذا ما صرخ احدهم قائلا ( يا حيوان ) سرعان ما التفت نحو جهة الصوت .
الحقيقة أني تعودت على هذا اللقب, الذي أصبح علامة مميزة لي, عند أهل الزقاق, ولم يعد يشكل بالنسبة لي أي مصدر إزعاج أو قلق, وكنت أمارس عملي المتواضع بثقة تامة, وكثيرا ما كان ينتابني شعور بالقلق عندما يتجاهل احدهم كنيتي أو لقبي, بل وصل الأمر بي أني كنت اعرف على نفسي بهذا اللقب مفخما ورافعا صوتي ( الحيوان ) .
حدث نوع من التحول بالنسبة لي, عندما أدركت وبعد دراسة وتحليل وبحث وتنقيب, أن الكنى والألقاب في زقاقنا تطلق على تلك الفئة من أهل الزقاق ذوي القدرات الخاصة, سواء كانت سلبيه أو ايجابيه, وقد تأكد ذلك لي من موقف مثير مع الهبيله, ذلك الفتى الشريد الزائغ النظرات ,فقد طاردته مجموعة من أشقياء الزقاق , كان يركض أمامهم محاولا النجاة بنفسه من علقة ساخنة , وأخذت أراقب إصراره على النجاة, فيما حاولوا هم نصب فخ له للإيقاع به ,وكان قد أصبح أمامي مباشرة, جذبته بقوة وألقيت به فوق ( الروشن ) واضعا يدي على فمه حتى لا يصدر جلبة أو صراخا ,ومراقبا تلك الحفنة من أشقياء الزقاق الذين وبعد بحث وتفتيش فقدوا الأمل في العثور عليه , شعرت عندها بارتياح شديد, فيما كان هو يحاول الإفلات مني لشعوره بالخوف من أي شيء على شكل إنسان, فقد كانت نظراته زائغة تتحرك في محجريها دون سبب , كان أول همي كسب ثقته وإفساح المجال له لالتقاط أنفاسه , راقبته ونظرت إليه مليئا , وأنا أضع سبابة يدي على فمي مشيرا له التزام الهدوء, وعدم الصراخ,فيما راحت يدي الأخرى تحاول عبثا تثبيته ومنعه من الحركة , وأخيرا استسلم لقبضة يدي القوية, وجلس متهالكا بينما أخذت أفتش له عن شي ء يسد به رمقه , وكانت مفاجأة له أن أعود ومعي قطعة خبز كبيره وبعض السمن المرشوش بالسكر . ألتهم وجبته كاملة, فيما كانت عيونه تبحث عن المزيد وشعرت أنه ينظر إلى (جرة الماء) التي بادرت من فوري وملأت له كوبا منها, سرعان ما شربه دون توقف
ساد السكون بيني وبينه قليلا وقلت بشيء من الدعابة .
- لماذا يطاردك هؤلاء الأشقياء ؟ صمت قليلا ثم قال متلعثما :
- إنهم يكرهونني لأني أفضل منهم, ولان لي صوتا جميلا , وذهلت من رده وقدرته على التبرير, وقلت فورا
- وكيف تثبت لي ذلك ؟ قال بأدب جم سوف أغني لك ,ولم يترك لي مجالا للاختيار, واخذ يترنم بصوته الذي شعرت فعلا بأنه عذب وجميل , توقف عن الغناء قائلا
- إنهم يمقتوني لأني لست مثلهم . شعرت بالأسى لأن (الهبيل )يخفي وراء هذه القطع الممزقة من أثوابه الرثة, هذا الصوت وهذه الروح , ليس هذا فقط وإنما لشعوره بالإذلال والانكسار وقلت له مداعبا .
- أليس لك حبيبه ؟ ضحك على استحياء ثم نظر إلى الأرض مطأطئا وقائلا .
- حبيت بنت المختار ولكنها ضربتني عندما صارحتها بذلك ,لم أحاول خوض المزيد معه للحديث عن تجاربه, ومعاناته التي صنعت منه مشردا ومنبوذا, وذلك لأني أدرك بأنه يحتاج إلى جلسات وجلسات لإعادة تأهيله, وتشكيل شخصيته, ولم اترك الأمر دون حل بل طلبت منه الحضور إلي بين فترة وأخرى واعدا إياه بقطعة مماثلة من الخبز والسمن المرشوش بالسكر, وطلبت منه التغلب على مخاوفه , وعدم الهروب من اشيقياء الزقاق .
أما (أبو كريم) المسطول بائع الخضرة فكان أنموذجا للأدب الرفيع وشعاره في الحياة هو ( التغافل عما يراه من باب الستر,و لعدم إحراج الأخر ولأنه كان يفعل ذلك , مع علمه الأكيد بما يدور حوله اعتقدوا انه مسطول لا يفرق بين الواحد والاثنين ولا ادري كيف لقبوه بالمسطول .
أما فارس( الارقل) الشاب البدين الذي لا يُميز منه إلا رأسه المدورة المثبتة على كتفيه, فلم يكن لا (خويثه ولا ارقل ) وكل ما في الأمر انه , يعاني من ارتفاع في الوزن جعله يعاني من بطء في الحركة وعدم قدره على التركيز,وتعرق شديد, لهذا السبب يضع على كتفيه منشفه أصبحت علامة فارقة بالنسبة له .
أصبح الزقاق يعيش حالة من التناقض عجيبة وغريبة, زادت من معاناة سكانه , ودب التذمر بين الناس, وأصبح سرد القصص والحكايات عن كثرة الأفراح والمناسبات, وما تشكله من عبء مادي عليهم الشغل الشاغل لهم , ففي نهاية كل شهر, تُرفع الأعلام وحبال الزينة, وترتفع أصوات المزامير, وفرق الدبكه وتدب فوضى غريبة بين الناس المنتشرين في أزقة الزقاق التي لم تعد تتسع لهذه الأعداد , وبين هذا وذاك بيت عزاء أو أكثر, يجلس أهله على أنغام الفرق الموسيقية, وصوت مقرئ القرآن , فيما أعداد هائلة من أطفال الزقاق يسرحون ويمرحون متنقلين بين بيوت العزاء وصيوانات الأفراح, وكنت أرى بينهم (الهبيله) الذي لاحظت انه بدأ يهتم نوعا ما في مظهره, ولم يعد أشقياء الزقاق يطاردونه , أما أنا ( الحيوان ) فأصبحت أعيش معاناة حقيقية وسط هذا الانفجار السكاني الهائل, وهذه التناقضات, وأصبح قرع الباب الخشبي, ودك الواحة ظاهرة مقلقة, وأصبحت بطاقات الأفراح أول شيء ألقاه أمامي, منها ماهو مدسوس في ثنايا الباب الخشبي, ومنها ما هو ملقى من الشباك, ومنها الموضوع أسفل الباب , ومما أصبح يبعث على القلق أيضا - وهذا ما زج بمعظم أهل الزقاق في غياهب السجون- تلك المطاردات الليلية لأهل الزقاق من قبل رجال الشرطة , ليس لأنهم من أصحاب السوابق, ولكن لتوقيعهم على شيكات دون رصيد إما لتاجر صوف اوتاجر ذهب أو صاحب ملحمة



لسبب أواخر ومن باب المسؤلية التي أدركت أنها ملقاة على عاتقي وحدي ,حاولت أن أغير من واقع الزقاق, وأن أعيد رسم معالمه, وصياغة ميثاق يلتزم به أهل الزقاق لاسبا ب كثيرة: أهمها على الإطلاق هوتنظيم حياة أهل الزقاق, والتخفيف من الأعباء المادية عليهم, فلا يعقل أن يعيش الناس هذه الفوضى, وهذا الكابوس دون حل , ووضعت لنفسي خطة أسير عليها أولى أهدافها :الالتقاء بأهل الزقاق, وحثهم على الاهتمام بالأمر كونه يشكل حلا لمعاناتهم, ولأن الزقاق لم يعد صالحا للعيش, وكم كانت صدمة لي عندما وجدت إعراضا شديدا من أهل الزقاق لخططي وأفكاري , بل إن الأمر وصل إلى حد نعتي (بالكذاب) وبأني لا أحب الخير للناس, وبأني اعترض على قدر الله عندما حدثتهم عن تحديد النسل وبأنه سيأتي يوم لا يجدون فيه قوتا لأطفالهم, ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل إنهم كتبوا عريضة مطالبين فيها بطردي من الزقاق , ولهذا حقيقة باتت لدي رغبه قويه وشديدة في تركه , والنفاذ بجلدي من جحيم المناسبات, والاكتظاظ الذي بات لايطاق .
تركت الزقاق حازما أمتعتي المتواضعة, وموصدا باب بيتي الخشبي المتهالك, غير آسف, اوشاعر بالندم على ذلك, وبصعوبة فائقة استطعت شق طريق لي وسط زحام الأجساد البشرية , وكنت اضطر في أحيان كثيرة المرور عبر أزقة أزقة الزقاق, وذلك لأن الأزقة الرئيسة مغلقة, لوجود صيوان فرح اوبيت صلحه, اوبيت عزاء , كانت مشاعري قد وصلت حد التبلد والنقمة, والثورة الداخلية, فقد تولدت لدي رغبة جامحة في تحطيم أي شيء اصا دفه في طريقي , وكنت أتحاشى الحديث مع أي كان, حد الاختباء من الناس , وليس ذلك وحسب بل إني كنت أضع على وجهي عمامة أو ما شابه ذلك, حتى لا يعرفني أهل الزقاق .
قبل رحيلي, وتركي الزقاق, ربما إلى غير رجعة , اجتاحت الزقاق واستقرت فيه موجه من الجراذين, التي أخذت تنافس أهل الزقاق في كل شيء , ووصل الأمر بها أنها أخذت تسرح وتمرح في كل مكان , وتتكاثر كما لو كانت جرادا , فيما أهل الزقاق لا يحركون ساكنا , بل إنهم اعتادوا ذلك وأصبحت الجراذين جزءا من حياتهم وثقافتهم, وموروثهم الحضاري , 1/ 8 / 2005


khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
في الزقاق الذي اقطنه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: