غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 شيء من الهستيريا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: شيء من الهستيريا   الخميس أغسطس 05, 2010 6:57 am


شيء من الهستيريا
قصة قصيرة

على ضوء ولاعته الخافت, حدق ممعنا النظر في ساعته التي كانت تشير إلى الثانية عشرة وتسع دقائق بالضبط بعد منتصف الليل, جذب على أثرها نفسا عميقا ثم عاود النظر إلى امتداد الشارع الذي كان يسير فيه , قدر المسافة المتبقية له ليصل إلى فراشه حيث الدفء والطمأنينة, ووجد بعد ضرب وطرح أنه بحاجة إلى ساعة كاملة ليصل إلى هناك .
امتدت يداه إلى أكثر من مكان في جيب سترته باحثا عن علبة سجائره التي وجدها أخيرا , أشعل سيجارة وعاد في تفكيره إلى لحظة خروجه عائدا إلى بيته , ربما يكون قد شعر بالوحشة للمرة الأولى علما بأنه خرج أكثر من مرة في مثل هذه الساعة وفي طريق زراعي كهذا الطريق , الفارق الوحيد أن الطريق نمت أشجاره وكبرت حتى باتت تشكل أدغالا موحشة , فيما رطوبة أشجار الموز والتربة المشبعة بالزبل الحيواني سدت منافذ الهواء في أنفه .
توقف عن التفكير لبرهة , جامعا نفسا عميقا ليخرج على شكل كرات من الدخان, وتذكر في هذه اللحظة الأصوات المنبعثة من مضخات الماء القوية والتي كانت تتناهى إلى سمعه أينما حل , بل إنها كانت تعود به الى فصول الشتاء السابقة عندما كانت مياه السيول تتجمع معا مصدرة صوتا وهديرا كان يسمعه وهو واضع رأسه على وسادته, وتذكره أيضا بصوت(الوابور) عندما كانت تشعله والدته وتضع فوقه علبة فارغة من السمن لتدفئة المكان, فكان يشعر بلذة وبدفء يجعله يتكور في فراشه طالبا من والدته عدم إطفاء الوابور إلا بعد التأكد من نومه .
لا يدري لماذا شعر بالحنين لوالدته وزاد حنينه أكثر عندما تذكر أشقاءه الصغار الذين كانوا يتقاسمون معه الفراش , امتدت يده دون أن يدري إلى علبة سجائره أطمأن عندما وجد فيها خمسة سجائر قال مغمغما .
- لا باس تكفي لما بقي من المسافة
وأشعل سيجارة , ربما يكون ضوؤها الخافت هو المصدر الوحيد لانبعاث الضوء في مثل هذه الساعة , ورغم انه كان يدخن , مع شعوره برغبة قوية ربما تكون وصلت حد عناق السيجارة, غير أنه ودون أن يدري كان يبحث في عينيه عن شيء ظل هو عبثا يحاول إشغال نفسه عن ذلك الشيء, وخفف من شعوره بالوحشة ذلك الصوت المنبعث من إحدى الناقلات( الملاحة ) وابتسم لمجرد تذكره هذا الاسم, والسبب عائد إلى أنه كان يسمع النسا ء وهن يقذفن بعظهن بالسباب والشتائم, كان أشدها أن تدعوا الواحده على الأخرى بقولها ( إن شاء الله ملاحه وأنت ساهية لاهية ) .
سالت قطرات من العرق البارد من وجهه رغم برودة الجو , مسحها حاثا من خطاه نوعا ما , لحظتها كان قد وصل إلى منعطف مظلم شديد الظلمة تحيط به أشجار (السلمون ) الشوكية, وتمنى في هذه اللحظة أن يتناهى إلى سمعه نباح كلب أو حتى عواء ذئب, ليبدد الوحشة التي كان يشعر بها حاول عبثا الاهتداء إلى شيء في العتمة دون طائل, الظلام دامس والسكون مخيم على المكان .
حتى أصوات المزارعين وارتطام ( طواريهم ) بالأرض اختفت وتبددت, وضحكات ( المصريين ) الطويلة وهم يتجاذبون ( الشيشة ) تلاشت والعرش المترامية على جانب الطريق بدت خاليه موحشة ,وصياح الديكة المختلط بثغاء الماعز بات صفحة مطوية من الماضي, ورائحة خبز الطابون المعجون باللبن والسمن البلدي لم يعد لها وجود ,كانت السيجارة التي أشعلها قد أوشكت على الانطفاء في يده , وصدرت عنه صرخة شبه مخنوقة عندما لاح له عمود,الكهرباء الوحيد المضاء في ليلة حالكة كهذه الليلة, وشعر بشيء من الأنس عندما رأى ذلك الضوء و تمتم غير مصدق .
- سوف آخذ قسطا من الراحة ثم أواصل سيري , ومرة أخرى امتدت يده إلى علبة سجائره قائلا ورافعا صوته هذه المرة ليشعر نفسه بشيء من الشجاعة :
- يا صديقتي العزيزة , أي لذة فيك في مثل هذه الساعة .
وأسرع الخطى قليلا,ود لو يقطع المسافة ركضا , الضوء الخافت والمنبعث من ذلك العامود كان يجذبه كما لو كان فراشه تائهة تبحث عن الضوء , ومع لحظة إشعاله السيجارة كان تحت العامود مباشرة يدخن سيجارته بشيء من التيه والزهو, لأنه انتصر على نفسه وقطع هذه المسافة دون مخاوف تذكر, أرهف السمع كقط جائع عندما سمع أصوات خطوات ولغط وسجائر مشعلة وقهقهات ممطوطة وشق الصمت قول أحدهم :
- الجو بارد جدا .
قال مقحما نفسه بينهم:
- ومع ذلك المكان دافئ تحت العامود.
كان قد قطع معهم مسافة ليست بالقليلة عندما انفصلوا عنه مودعين , أثناء ذلك حدثهم عن مخاوفه وعن أصوات مواتير الماء وعن ذلك الصوت الصادر عنها وما يحدثه في النفس من لذة , وأكد على ضرورة أن يضاء الشارع كاملا , وان يتم التخلص من أشجار السلمون الشوكيه .
عندما ابتعدوا عنه واختفوا في الظلام, تبلدت أفكاره وتوقفت هلوسته , واستدار كما المسحور من حيث أتى ليختفي في الظلام مرة أخرى , وشعور بشيء من الهستيريا بدا واضحا في حركاته اللا أراديه .
انه الآن يعيش مجموعة من التناقضات والإيحاءات التي لا يعرف لها مبررا, فقد راوده إحساس بالتحدي وقهر الخوف الذي في داخله , لم يقطع المسافة المقررة بالنسبة له , فقد شاركه في نهايتها آخرون, كان لا يرغب في أعماقه بملاقاتهم ,ولأن ماحدث كان رغما عنه , تحسس جيب سترته واطمأن على السجائر المتبقية وأوغل المسير في عتمة الليل البهيم مشككا في قدرته على التراجع أو الانهزام أمام الظلام.
مرة أخرى كان أمام عمود الكهرباء الذي بدأ هذه المرة خافت الإضاءة , تجاوزه غير مكترث, وأبتعد عنه أمتارا كثيرة ليختفي في منعطف من أشجار السلمون الشوكيه , تردد في إشعال سيجارة أكثر من مره ,والسبب في ذلك تلذذه بسماع نقنقة الضفادع الذي لم يسمعه في المرة الأولى, وانشغل أيضا بذلك الضوء الخافت الذي كان ينبعث كنجمة مضيئة من أحدى العرائش , أصبح بمحاذاتها تماما , أرهف السمع فتناهى إلى أذنيه شخير وغطيط قويين لعامل مصري هدّه التعب, و شكك في نفسه وقدرته على الملاحظة , وطرح على نفسه سؤالا كان معضلة بالنسبة له , وهو لماذا لم يلاحظ ذلك في المرة الأولى ؟كانت الإجابة بالنسبة إليه مبهمة , وتوقف في منتصف الطريق تماما وأشعل سيجارته بثقة تامة مغمغما ومحدثا نفسه بكلام غير مفهوم .
فيما سرت في جسده المتهالك رعشة باردة لم يجد لها تفسيرا منطقيا ,وأصبح بين مفترق من التناقضات والهواجس التي أججت فيه الشعور بالاكتئاب والتوتر والرغبة الأكيدة في العودة , وفيما هو يهم باتخاذ القرار المناسب, لاح له أو تراءى له في الأفق شبح إمرأه أو ما يشبه ذلك, وسرعان ما حاول طرد ذلك من خياله الذي بدأ يخذله, وحدق في الظلام فلم يبد له شيء واختلطت عليه الأمور وتأزمت, مما أضطره إلى فرك جبهته ووجهه أكثر من مرة , لم تكن المرأة في يوم من الأيام مصدر خوف أو رعب ,على العكس من ذلك فهي ملهمة الشعراء الحب والجمال وهي .. وصدرت عنه أنة خافته حاول إجهاضها وكتم أنفاسها حتى لا تفضح سرّه في هذه الليله التي أدرك بأنها لن تمرّ على خير, وأدرك أيضا أن وجوده في هذا المكان هو نوع من العبث غير المقنع ,وفي غمرة هذه الانتكاسة النفسية التي زادت من أزمته وهزيمته, شق الصمت صوت عذب وشفاف طالما رغب في سماعه ولطالما حرك مشاعره المتبلدة , وضع يده على أذنه مستمعا ومترنما في آن معا, كان الصوت شجيا وساحرا لم يعكر صفوه الاشعوره بأن ثمة ما يتربص به , اقترب من مصدر الصوت شاقا له طريقا وسط أشجار الموز الكثيفة , ازداد وضوح الصوت في الوقت الذي شعر بوجوده آخرون واحدهم يقول :
- إيه يا بيه ؟!
عندها أدرك انه في ورطه حقيقية , واستدار على عجل وأطلق لساقيه الريح ,فيما كانت الأصوات خلفه تسب وتشتم وآخرون ينسلون من بين أشجار الموز, منهم من يحمل عصاه ومنهم من يحمل (طوريه), ومنهم من يسلط مصباحه اليدوي عليه, قائلين معا :
- حرامي موز.. حرامي موز ؟1




ومع انه كان يحاول جاهدا النجاة بنفسه, ومع انه أصبح في فكره وعقله خارج حدود الزمان والمكان, فقد خانته قدماه ,و تعثر ووقع بالقرب من عامود الكهرباء, الذي حاول الوصول إليه, وما أن ارتمى إلى جواره حتى انهالوا عليه ضربا وركلا دون رحمة أو هوادة, وبينما حاول أحدهم أن يهوي عليه بطوريته قائلا : يا ابن الكلب.. كانت يد أحدهم قد امتدت إليه بقوة جاذبة إياه إلى الخلف ومخلصة له من موت محقق قائلا :
- خلاص كفاية .
تركوه عائدين الى ظلام الليل, فيما لملم هو جراحه, ومسح شيئا من دمائه الرخيصة , بينما ذلك الصوت, ما زال يهز كيانه وذلك الشبح يتراءى له وسط سرمدية الليل المظلم .
مشى على يديه ورجليه حبوا, ثم بعد ذلك, وبعد معاناة وقف على قدميه متحسسا جيب سترته , لم يجد أخر سيجارة كانت رغبته قوية جدا في إشعالها ,ولم يجد أيضا ولاعته لينظر من خلالها إلى ساعته, وكما الحصان الذي قطع شوطا طويلا في السباق, سار متهالكا ,ولكن هذه المرة إلى فراشه الدافئ الوثير, وأمنيه كان قد تمناها وهي أن يجد وابور الكاز لا زال يعمل وبقايا من أكلته المفضلة ( الخبيزة ) المقلية بالزيت في انتظاره.



خالد العشوش
27/ 7 / 2005
khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شيء من الهستيريا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: