غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 شظايا المتكسرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: شظايا المتكسرة   الخميس أغسطس 05, 2010 6:51 am

شظايا المتـــكسرة ..
قصة قصيرة/ خالد العشوش

موغلة في العمق, ضاربة جذورها في الصميم, ومتغلغلة حتى العظم , كانت تحاصره من كل مكان واتجاه , تمنعه من الحركة أو التنفس وتلف أذرعها الاخطبوطية حول خاصرته ,تشده إليها كلما حاول الإفلات أو الهرب منها , ليس حبّا أو شوقا, ولكن تلذذا في رؤيته يتألم , بالكاد يجر نفسه جرا إلى الفناء الخارجي, أو لقضاء الحاجة ,ثم يعود تلقاء نفسه إليها , وعندما تشتد عليه الأمور وتزداد معاناته, يأخذ في الصراخ دون طائل, أو جدوى, كانت تكتفي بتضييق الخناق عليه وتطويقه ومنعه من الحركة , إلا النفس الذي كان بصعوبة جد فائقة يزود رئتيه به . راح يتشكل مكونا من نفسه صورا عنها ومتخذا من قدرته على الاستسلام والإذعان أسلوبا خاصا يراوغ من خلاله الآخرين , فهي في أعماقه أينما حل, تراقبه وتغتال شخصه وأحلامه, وتدق عنقه إذا فكر مجرد تفكير أن يخدعها, أو حاول الإفلات من أذرعها الاخطبوطيه 0
في صورته وشكله شبه المتلاشىء لا تزال تطوق عنقه بأحد أذرعها دون رحمة , وتحركه كيفما تشاء وكانت دوما تذكره بحقوقه وواجباته قائله :
- لا ضحك أو ابتسام , الالتفات ممنوع, أنت مني ولي , وأحذرك من الخروج وحيدا, وفي حال فعلت ذلك فأنا معك أراقبك وأسجل عليك كل كبيرة وصغيرة , لم يقل شيئا راح يغرغرمخنوقا, وعيونه تومضان كرها وحقدا , فيما راحت يده تبحث في أعماق جيبه عن لا شيء, أو بمعنى أخر حاول التملص من أذرعها دون طائل , قال وهو يرزح تحت وطأتها, وصوته لا يكاد يسمع :
- لنعقد صفقة ونتفق على خطوط عريضة تخففين فيها من وطأة أذرعك الكريهة, وهذا القمع الذي يحولني إلى عبد .
قالت ضاحكة بهستيرية غريبة ,خالها هو ساحرة شريرة قادمة من عصورالاغريق:
- وهل أنتَ غير ذلك أيها العبد الذليل وأنا سيدتك؟
في هذه اللحظة وللمرة الأولى حاول حانقا كسر أحد اذرعها, والتملص منها لكنها سرعان ما جمعت بقية أذرعها, وسدت عليه منافذ الهواء, ومشروع صرخة حبيسة كاد يظهر إلى الوجود , لولا شعوره بأنها ستكون الأخيرة, وتذكر أنها حذرته أكثر من مره قائله :
- الصراخ ممنوع , أتدري ماذا يعني الصراخ بالنسبة لي أيها الكلب؟ , إنه نوع من التمرد وطلب الحرية وهذا بعيد عن ( شاربك) وهنا رفع يده معلنا استسلامه , هذا ما كان يبدو في الظاهر أما باطنه فكان يخفي لها شرا مستطيرا , جل تفكيره, طريقة يتخلص فيها من عبوديتها ومن إمعانها في إذلاله وفقدانه لأهم مقومات الشخصية , حريته وأحلامه, وهواجسه التي لم تعد مجرد حلم, وإنما أصبحت سرابا لا أكثر , ويوما عن يوم تزداد انتصاراتها عليه وتزداد أذرعها إحكاما عليه , أصبح مسخا لا تخفى عليها خافية من أمره , قال له الصوت الوحيد في أعماقه وكان يخاف أن تعرف به قال له :
- هذا إذلال وعبودية 000 اكتفى هو مومئا برأسه علامة الموافقة ثم قال همسا :
- بل ابتلاء وأي ابتلاء !!
ملأ رئتيه بالهواء مرات ومرات, ومع ذلك شعر بالاختناق , إنها لاتمنحه الكمية الكافية من الهواء اللازم لشعوره بالانتعاش, وكانت أثناء ذلك تتشكل له بأشكال مختلفة, تزيد من آلامه ومعاناته , أشد أذرعها فتكا به تلك الذراع التي تحكم من خلالها قبضتها على قلبه ومشاعره , ورغم أنه كان يتألم ويتلوى فإنها كانت لا تُلقي بالا لذلك, وكان جل همها هو الإجهاز عليه والتلذذ برؤيته يلفظ أنفاسه الاخيره , إنها تذكي فيه أشد مشاعر الكره والحقد , شعور وحيد بالسعادة كان يمنحه شيئا من اللذة هو رؤيتها تموت وتندثر , تتحطم وتتكسر وتسحب أذرعها من أرجاء جسمه المختلفة , يا لها من لحظة تاريخية لن ينساها يوم يحل بها ذلك , ولن يكتفي بموتها بل سيحرق ما بقي من أشلائها , ويلقي بها في العراء , نظر إلى وجهه في المرآة رآها هي ورأى وجهه شاحبا مصفرا خلفها , لم تبق من ماء وجهه شيئا إنها تقتات على دمه , تمتصه حد الارتواء 0
أصبح لحما على عظم ,جفت كل معالم الحياة في جسده المتهالك, ولولا أنها كانت وبقوة أذرعها تثبته وتمنحه تلك الحالة من البقاء لسقط ذاويا مغشيا عليه.
مع شيء من الحرص في عدم إظهار ضعفها , كان أنينها في البداية خافتا ثم أخذ في الارتفاع سمعها تقول :
- سوف أمنحك شيئا من الحرية, ولكن ليست الحرية بمفهومك أنت .
قال فزعا غير مصدق :
- أنا موافق !!
ساد السكون بينهما فيما كان هو يتلهف منتظرا تلك الحرية , وحتى يحفزها للإسراع في شرح وبيان نوع تلك الحرية تظاهر بعدم الاكتراث وأخذ يردد بصوت مسموع :
- أنا طوع أمرك حتى لو لم احصل على تلك الحرية , صفعته بإحدى اذرعها ثم عاودت صفعه بذراع أخرى, ودويُّ صوتها في أذنيه مخترقا عظامه ورافعا من تدفق الدم في شرايينه .
- الم أقل لك أنك مجرّد عبد لا يرغب بالحرية , ولكن لا بأس سوف أعطيك فرصة أخرى, ولكن ليس الآن .
شهق صارخا ومحتدا ولاعنا اليوم الذي تمكنت فيه منه :
- أنت ملعونة أنت كذبه كبيرة وملهاة لي ولغيري , وأخذ يردد بأعلى صوته :
- أنت ملعونة , أنت ملعونة .
توارت عنه مبتعدة فيما كانت أذرعها تحكم قبضتها عليه , خرج إلى الفناء الخارجي وبنظرات متلصصة راح يفتش عن وجه أو أي شيء يفضي إليه بآلامه ومعاناته , جاءه صوتها من أعماق المكان مزمجرا :
- إذا لم تتوقف عن النظر إلى الآخرين سوف يكون هذا أخر أيامك , تظاهر بأنه لايسمع ما تقول , وظل ينظر إلى الأجساد التائهة ويستمع إلى أصواتهم التي اختلط بعضها ببعض , ورغم مظاهر الشقاء البادية عليهم ورغم الجوع الذي كان يفتك بأمعائهم, إلا أنهم كانوا يضحكون ويمرحون , حسدهم على حالهم وتمنى لو يقتله الجوع في سبيل لحظة يحلم فيها كما يحلمون, ويضحك كما يضحكون , وشعر بها اللعينة مكشرة, وعابسة, وكما الكابوس جثمت بثقلها عليه, وأدرك أنها تريد الإجهاز عليه.
وقرر أن يقاوم, أن يبدي أي نوع من التحدي , وأخذ يرفس بيديه, وقدميه واستخدم أسنانه , وأبدى مقاومة شرسة في سبيل الخلاص , والحق بها أضرارا جسيمة , كسر أحد اذرعها ,وحطم عظما من عظام صدغها , وكم شعر بالفرح عندما وصل إلى نقطة ضعفها , إنها لاتفكر في القضاء عليه, بل أدرك أنه حياة بالنسبة لها ,وأن فناءه هو نهايتها, وفناؤها نهايته , يا لها من معادلة معقده , كيف سيعيش من دونها ؟ ومرة أخرى قال مستسلما :
- لا فائدة من قتلي !! ومن صمتها أدرك أنها موافقة على ما يقول , وهذا ما شجعه لمتابعة حواره معها :
- لنعقد اتفاقيه . قالت مترنحة ومخففة من قبضتها عليه :
- أنا موافقه.
أبدت موافقتها على ثلاثة من شروطه, وسط فرحته الغا مره وحزنها الشديد على أنها فقدت شيئا من هيبتها,وسيادتها , لم يكن لها من عزاء إلا قوله لها :
- لن أتجاوز خطوطك الحمراء, ولن افعل شيئا إلا بأمرك , ولا سيادة إلا لك .
عندما نزل إلى الشارع, وأمام احد المقاهي تماما , وقف ينظر إلى المارة يحدق فيهم , وكأنه يحاول سبر أغوارهم, واستكناه ضمائرهم , وفي هذه اللحظة بالذات شعر بغربة وعزلة لم يشعر بها من قبل , ما سمعه منهم كان كافيا ليشعره بمدى حالة الهيمنة التي كان يعيشها , ودون أن يدري أو يفكر باللحظة التالية, اخذ يركض كما الأطفال الصغار , يقفز هنا وهناك لا فتا الأنظار إليه , عندما نظر خلفه وجد مجموعة من الأطفال يركضون خلفه أيضا مصفقين وضاحكين وأحدهم يقول :
- مجنون ... مجنون !!
صفعته كلماتهم, وجعلته يفكر جديا بالتوقف عن هذه المهزلة , زجر الأطفال وعاد أدراجه إليها , وأدرك بأنه فشل في أول اختبار له في الابتعاد عنها , وقبل أن يدلف إليها توقف مليئا يفكر في الأمر , وتحسس أجزاء من جسده الواهن المتردي, ثم لف ذراعه حول رقبته التي شعر بها يابسة,وتحسس عينيه فوجدهما قد غارتا في محجرهما, وكملدوغ استيقظ من لاوعيه على صوتها مرحبا ومتشفيا به قالت :


- لا زلت صغيرا على الخروج, ومواجهة الواقع , ثم إنك لاتملك ادني فكرة عن العالم الذي يحيط بك وتحتاج إلى ( جواز سفر مني ) لتكون مؤهلا لمواجهة العالم , هذا العالم الذي أحركه وأديره كيفما أشاء ومتى أشاء 0
كان حتى هذه اللحظة مصغيا إليها بانتباه شديد, ومؤمنا كل الإيمان بما تقول فهو بدونها نكرة لا يساوي شيئا , فهي المرآة التي يرى فيها نفسه, وهي التي توفر له الحماية اللازمة, وتروج لأفكاره إذا لزم الأمر, فقط أمر واحد يقلقه ويؤرق مزاجه , إنها تلك الأذرع الاخطبوطيه التي تسرق منه حريته, وتقمع رجولته وسيادته , وكأنها أدركت ما يدور في عقله , قالت مبتسمة لاول مرة :
- سوف تنال مزيدا من الحرية ولن تزعجك اذرعي الاقليلا .
- مقابل ماذا ؟!
- أن تمكنني من لف اذرعي حول آخرين غيرك.
صرخ في وجهها – وقد أذهلها ذلك – قائلا :
- لن يحدث هذا, لن يحدث, لأنه لو حدث فسوف يكون في ذلك نهايتي , ووسط ذهولها توارى في أعماق المكان غير عابئ بذراعها التي التفت حول عنقه , ثم ذراع أخرى طوقت خاصرته, ولكن هذه المرة برفق شديد, ثم ذراع أخرى تضغط على فمه,ولكن بقوة أحس معها أنها تضمر له شرا , لم ينتظر أن تكتم أنفاسه , شدها إليه بقوة وأعمل أسنانه وأظافره بأذرعها , وضغط على عنقها الهلامي بقوة لم يشعر بها من قبل , تراخت الأذرع وتحولت إلى دخان عديم الفائدة, وتناثرت شظاياها في إرجاء المكان ,جمعها فيما بعد وألقى بها في سلة القمامة وهو يقول :
- لا هيمنه بعد الآن .
وللمرة الأولى جذب نفسا عميقا شعر بحلاوته , وصنع لنفسه فنجانا من القهوة, أخذ يحتسيه ناظرا إلى شظاياها المتكسرة
شامتا وساخطا وربما نادما ..



6 / 8 / 2005

khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
شظايا المتكسرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: