غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 حليط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: حليط   الخميس أغسطس 05, 2010 6:35 am


حلـــــــــــيط ...
قصة قصيرة
كان أخر عهدي به منذ فترة طويلة جدا ,عندما كان في عنفوان شبابه وعطائه , بعد ذلك كنت أراه على فترات متقطعة , لم أتمكن خلالها من تعرف أحواله وظروفه, و ويبدو الأمر مختلفا هذه المرة عندما رأيته يسير مترنحا, زائغ النظرات , تائهها , يتوكأ بيده اليسرى عصا كثيرة النتؤات , وكأنما قطعت لتوها من شجرة شديدة اليباس , فيما كان بيده اليمنى يتأبط ذراع زوجته التي دلفت به إلى ردهة المشفى , أمعنت النظر في (حليط) حد الاستغراب , سائلا نفسي أمن المعقول أن يكون هذا حليط ( أبو توفيق ) الاسم الأشهر في تاريخ قريتنا ؟! (حليط) الذي كانت الناس تقطع المسافات الطوال لسماع صوته وموسيقاه , حليط الذي لو قدر له لقاء (عبد الوهاب) لكان من الأسماء اللامعة في عالم الفن , ربما أكون في مشاعري هذه وأنا أراه , الوحيد الذي ساءه ما كان عليه (حليط) من حالة يرثى لها , في الوقت الذي كان غيري لا يعيره أدنى , اهتما م.
(حليط) واحد من أربعة فرسان اشتهروا في قريتنا بفنهم الشعبي الرفيع , كان هو عازف الإيقاع ( الدربكة ) الأول أما الثاني فكان (محمد مونس) عازف الناي ( الشبابة ) الأول أيضا , أما الثالث وهو أسطورة زمانه في قريتنا, وكان كفيفا ( أبو علوان ) عازف إيقاع أيضا , كان اسمه عند بعض النابهين من قريتنا يقترن باسم (سيد مكاوي) , أما الرابع فكان ( أبو رمزي ) الذي كان يتناوب العزف على شبابته المزركشة بالخرز الملون مع (محمد مونس) .
ولا أدري لماذا أجد علاقة بين الفرسان الأربعة ( دارتنيان) المعادل الموضوعي بالنسبة لي (لحليط) و ( بورتوس واراميس واتوس) كمعادل موضوعي أخر ل ( أبو علوان ومحمد مونس و أبو رمزي ) علما أن وجه الشبه بين الفريق الأول والثاني مختلف جدا , وليس ثمة علاقة بين عالم الغناء والعزف من جهة, وبين عالم الفروسية من جهة أخرى , ولكني ومن وجهة نظري كنت أنظر إلى الموضوع من زاوية أنهم أربعة لا يساوم الواحد فيهم على الأخر, وكان شعارهم (اصرف ما في الجيب , يأتي ما في الغيب ) وهو موازي لشعار ( الواحد للجميع والجميع للواحد ) .
كان حليط ( أبو توفيق ) القاسم المشترك بين الأربعة , بصوته العذب وكان إلى جانب (أبو علوان) يشكلان ثنائيا في العزف على ( الدربكة ) فيما ( أبو رمزي ومحمد مونس) يشكلان ثنائيا في العزف على الشبابه , يقودهم في ذلك ويوزع الأدوار بينهم ( حليط ) .
الغريب في الأمر أيضا أن ( حليط ) مع الثلاثة ( أبو رمزي وأبو علوان ومحمد مونس ) وباتفاق منظم لا يحيون أية (رقصة) ومهما كانت إلا بوجودهم معا , الأمر الذي جعل أهل القرية مجبرين على إحضار الأربعة , تحت أي ظرف كان .
وأصبح لدى الجميع قناعة مطلقة بأن أية ( رقصة أو دبكة ) لا يوجد فيها الأربعة محكوم عليها بالفشل الذريع 0وأصبحت ( دربكة أبو علوان ) و( شبابةابو رمزي ومحمد مونس ) مضرب مثل واعتزاز عند أهل القرية , أما أي صوت غير صوت (حليط) فهو مرفوض رفضا قاطعا .
في ركن قصي - وربما لأول مرة ذهبت بصحبة أبناء الحارة لرؤية الفرسان الأربعة , لقرب المسافة من ناحية, ولشغفي الشديد في استكشاف عالم (حليط وأبو علوان ومحمد مونس وأبو رمزي ) من ناحية أخرى - جلست أنتظر حضورهم فيما حشد كبير من الناس كانوا يشكلون حلقة واسعة للدبكة , وفي زاوية من زوايا الحلقة تُرك فراغ للأربعة , ليس فيه إلا ستة قطع من الطوب, وضعت فوق بعضها , كل قطعتين معا ليجلس عليها حليط وفريقه , وفوق قطع الطوب وضعت قطع من مفارش بالية, لم تعد ثمة حاجة إليها كعلامة مميزة للأربعة 0
وكنت وببراءة أتابع المشهد الملحمي أمامي , رأيت في وجوه المنتظرين رغبة جامحة لقدوم حليط وفريقه وانتظار شبه محموم لسماع صوت (حليط ), بل إن الأمر كان يصل حد الرغبة في مصافحته والتبرك بقدومه , أدركت فيما بعد أن (حليط ) وفريقه وفي قريتنا بالذات التي كانت تعيش حالة من الاختناق


الاجتماعي والفكري , هم مصدر سعادة وفرحة شريحةٍ كبيرةٍ من أهل القرية, الذين كانوا محرومين من أشياء كثيرة , وأن العالم كان بالنسبة لهم مجرد (عرائش وخشش)ليس غير..
وشق الانتظار والترقب هتاف وصرخات الحاضرين ( جاء حليط .. جاء حليط ومعه أبو رمزي ومحمد مونس وابوعلوان كمان ) وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير , فيما وعلى استحياء مددت عنقي باحثا عن (حليط) وراغبا برؤية الكفيف الذي أذهل الناس بعزفه على ( الدربكة ) شاهدتهم الأربعة وشاهدت معهم شخصا خامسا يدعونه ( احمد عواد ) يقولون بأنه معاون لحليط في الترديد والغناء .
كانوا يستقلون ( تراكتور المسي ) الذي أحضرهم إلى المكان , بحثت بعيونٍ زائغةٍ خائفةٍ عن ( حليط ) كان يجلس إلى يمين السائق على الجناح الأيمن (للتركتور) يقابله على الجهة الأخرى (أبو رمزي ) أما محمد مونس وابوعلوان واحمد عواد , فكانوا يجلسون في العربة, يتوسطهم أبو علوان الذي كان يمسك (دربكته)بعطف أبوي ليس له مثيل .
لم ينتظر احد نزول حليط وفريقه من ( التراكتور ) ,فقد قفزت مجموعة من الشباب الواعدين والحالمين بمرافقة حليط وفريقه وحملتهم على الأكتاف, وأجلستهم في الأماكن المخصصة لهم , فيما راح احمد عواد يحمي ( الدربكات ) ..
وأبو رمزي ومحمد مونس يجربون شباباتهم للعزف , في انتظار شارة البدء من (حليط )الذي كان يهمس في أذن احمد عواد للاتفاق على المقاطع التي سيبدأون بها ملحمتهم التاريخية .
وشيئا فشيئا بدأت ليلة من ليالي القرية, وأخذ صوت حليط وبعذوبة نادرة يشدو بعذب الألحان, التي وحتى لحظة متأخرة كنت اصغر من أن افهم منها شيئا , مع أن معظمها كان ترديدا لاغاني معروفة ومشهورة , ولم أكن ادري لماذا كان الحاضرون يتمايلون طربا على تلك الأنغام , بل إني لم أكن افهم ماذا تعني ألفاظ من مثل ( أحلى .. أحلى ابوتوفيق ) ويقصدون حليط احتراما وتبجيلا ) و ( اعطي .. اعطي يسلم هالصوت ) أو ( اردف ) عندما تشتد حرارة الدبكة وقوتها ) الأمر الذي يدفع أعدادا كبيرة من المتجمهرين للمشاركة في الدبكة والرقص فيها حتى ساعات الفجر , وقولهم ( ولعت ) اذا بلغت الدبكة حد ارتداء ملابس النساء من قبل الرجال , للنزول بها إلى ساحة الرقص, ومحاكاة النساء في رقصاتها .
ادهشني الثنائي الجديد (احمد عواد ) وهو يردد مع حليط ( الله يلعن الدخان اللي سببلي الدوخان, كل ساعة عالدكان يا غريب روح عبلادك يا غريب ) ليرد عليه حليط ( يابو تكسي ملاكي خذي أحمد ويياكي خلي يعشق دواكي على كده وكده ما يناموش , ما يناموش عشاق الليل ما يناموش ياليل يا عين ) ووسط هذه الاحتفالية البسيطة كان (أبو علوان) وبمعاونة من أحد الواقفين يجذب نفس سيجارة يضعها على فمه ذلك المعاون , وما أن تنتهي سيجارة حتى يطلب غيرها دون أن يُرفض له طلب , فيما شخص أخر كانت مهمته مسح عرق (حليط )وتجفيفه وتقديم الماء له , ولا ادري لماذا دفعني الفضول للاقتراب , درت دورات عديدة حتى اشق لي طريقا وسط الملتصقين , كانت الأكتاف أقوى من أن أزحزحها أو أحركها , وإذا ما أفلحت , كان يدفعني احدهم زاجرا وساخطا, لأني اختلست منه شيئا من نشوته بسماع صوت ( حليط ) فقط ومن مكان ضيق جدا, بدأ لي كاهل أبو رمزي الذي كان منشغلا بالعزف على ( شبابته المزركشة بالخرز الملون ) أما الساحة او ارض المعركة , فقد كانت مكتظة بالدبيكة , الذين كانوا وبحركات آلية منظمة يدهشوون الواقفين ويدفعونهم للتصفيق بشدة , جذبني أحد الواقفين بغلظة ورمى بي خارج الحلقة ساخطا, ومتمتا ( ولد مسقع ) ووقعت عين (حليط )علي وأنا أقع أرضا , وبإحساس مرهف توقف عن الغناء, ليصمت بعد ذلك الجميع, وسط ذهول واندهاش غريبين, وسؤال محيّر ما الذي أغضب (حليط )؟! وقال حليط برقة ( تعال يا شاطر ) وقبل أن ينتظر قدومي اندفع شاب قوي مفتول العضلات ووضعني بين يدي حليط الذي حملني وأجلسني مكانه , فيما أخذت الأيدي تمسح على رأسي إرضاء (لأبي توفيق) الذي وتحت ضغط المعجبين راح يشدو بصوته مرة أخرى( نعم يا سيدي رعاك الله , ابني , يا خالد , حماك الله) , ولاحظت انه كان ينظر إليَّ بين لحظةٍ وأخرى, وكأنه يطمئن على حالي , فيما كنت أعيش حالة من الزهو

لم اشعر بها من قبل , مع شعوري بشيء من الأسف لأني جئت إلى مكان ما كان يجب علي المجيء إليه, -ربما لصغر سني , او لأني لم أخبر أحدا من أهلي عن ذلك , مع أنها المرة الأولى- وزال ذلك الأسف بعد أن شملني حليط بموقفه الرقيق ذلك, وشفافيته المعروفة , وأهداني ذلك المقطع بصوته الرنان0
مع ساعات الفجر انتهت (الرقصة) وابتلع الظلام أكثر الحاضرين, فقد عادوا إلى عرائشهم وخششهم وآلامهم , وسمعت حليط مع فريقه يتفاوضون على الأجرة التي لم تتجاوز ربما الدينارين او الثلاثة وفي أحيان كثيرة مجانا , وسمعت ( أبو العريس ) يقول ( ما قصرت يا أبو توفيق والله ما قصرت ), وكما اختفى أبو توفيق وفرقته , وسط الظلام ,اختفيت أنا أيضا سائرا على رؤوس أصابعي حتى لا يشعر والدي بقدومي .
استسلمت للنوم وأنا استعرض في مخيلتي موقف حليط وإنسانيته , ورضاه بأقل القليل من باب ( الواحد للجميع والجميع للواحد ) ..
عندما دلف (حليط) بصحبة زوجته إلى ردهة المشفى في انتظار دوره لمراجعة الطبيب , دلفت وراءه وكأني بذلك أعود إلى طفولتي وأحلامي البريئة , او لسماع أصوات من رحلوا وهم يرددون ( أحلى 00احلى أبو توفيق ) كانت مشاعري متضاربة وحزينة , وقفت غير بعيد منه , فيما كان هو يتوجع ويتألم , لم أخاطبه ولم أتحدث إليه, فقط ,اكتفيت بترجمة مشاعري إلى صمت عجيب, وأنا أرى جزءا من تراثنا المنسي, والى صفحة من صفحات قريتنا المطوية , كانت هذه المرة صفحة بالأسود والأبيض, لم يكن فيها أية ألوان او رسومات , لاقنوات ماء , ولا حقول خضراء , ولا عرائش تحيط بها مساكب النعناع الأخضر , او ( عرا نيس الذرة ذات الشعور الذهبية ) ولا عزف منفرد,ولا هذا ولا ذاك , أمامي على بعد خطوات فقط ( حليط المنسي ) حليط الذي اضحك وأبكى ورقّص , حليط الزائغ النظرات , الجالس وحيدا وقد اختفت الحشود التي كانت في انتظاره بلهفة شديدة .
تراجعت الى الوراء شيئا فشيئا , ناظرا إليه مترحما على حاله , وقد هالني تجاهل الناس له, وعدم اكتراثهم لأمره او حتى التعرف الى حاله , وتذكرت موقفه معي قبل ثلاثين عاما وقوله ( تعال يا شاطر ) وقبل أن يتأزم الموقف ويتحول الى نحيب , خرجت هاربا من الردهة, تاركا حليط وسط معاناته وآلامه, وسمعت صوتا خلفي ينادي ( عبد الرزاق كايد ) ولكن هذه المرة دون ( أبو توفيق او حليط ) ..




10/ 9 / 2005
khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حليط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: