غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الخفير / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: الخفير / قصة   الخميس أغسطس 05, 2010 6:13 am

الخفــــــــــــير
قصة قصيرة


عقارب الساعة تقترب من الواحدة ليلا , بعد قليل سوف يبدأ رحلته مع الساعة الثانية من خفارته .كانت خطواته تدل على أن النعاس قد أخذ منه كل مأخذ بندقيته كانت معلقة بكتفه تصدر صفيراً حاداً كلما تخلل الهواء فوهتها , مما كان يسبب له إزعاجا شديدا يوقظه من سبات أحلامه العميق .
البندقية أصبحت جزاً لا يتجزأ من حياته. (بستاره )لا يفارق قدمه كان دوما في حالة شد لخيوطه القوية وتلميع له ,عندما سأله احدهم عن وزنه ذات مرة رد قائلا: بأن وزنه اثنان وسبعون كيلوغراما مع أن وزنه الحقيقي هو خمسة وستون كيلوغراما كان يضيف أوزان البندقية والبستار بالإضافة إلى (البوري والقايش) الى وزنه .
في تلك الليلة كانت كمية من الطين قد علقت في بسطاره حد أنه كان يشعر بأنه مشدود الى الأرض بقوة عجيبة .
تذكر ليلته السابقة, كانت حقا ليلة عاصفة ,جرفت الأمطار فيها أشياء كثيرة, والريح كادت أن تقطع الأشجار من جذورها, تنهد قليلا عندما نظر إلى السماء, كانت الغيوم تتجه نحو الشمال بسرعة كبيرة, لا بد أن المنخفض قد انتهى نظر إلى( الشيك) الذي كان يعده صديقا حميما له, لطالما رافقه في لياليه الحالكة الظلام, بل لطالما تصور بأنه يحدثه ويشكو اليه آلامه, لقد بلغ به الحب لهذا الشيك مبلغا جعله يعانقه, يقبل أسلاكه الحادة ,كان يخاطبه كما لو كان عاشقا يبوح لمعشوقته بمكنونات صدره كان يحس بأنه ينفث شيئا من تلك النيران التي كانت تضطرم في صدره, إنه في صومعة يتعبد لا يرى أمامه غير الشيك الذي يمتد مسافات طويلةٍ كان يمسك به بشدةٍ وبعنف قائلا: .
أمضيت سبعة أعوام وأنا أبادلك السهر لا يطرف لي جفن الا بعد ان أمضي الساعات الطويلة وانا بالقرب منك, أبادلك الحديث وأنت صامت أبكم لماذا لا تبادلني الحديث؟ لماذا لا تبوح لي بمكنون صدرك ؟ هز الشيك بعنفٍ . حد انه شعر بأن الدم بدأيسيل من يده, لم يأبه لذلك ,كان دوما يردد .بأن الدم أرخص ما يقدمه الانسان للوطن ,جلس القرفصاء على الارض غمس أصبعه الذي سال منه الدم في الطين غمغم قائلا :
هذه الأرض أحق بدمي منك ايها الشيك ,لا أريدك , لا أريد صديقا أخرسا . انتصب واقفاً ,تنبهت كل حواسه عندما سمع جلبة وصوتاً قويان يأتيانه من الخلف,.امسك بندقيته مستعدا لاي طارئ. اقترب منه الصوت .أصبح على بعد .أمتار منه . صاح بأعلى صوته :
- مين .. ؟
- ضابط الخفر.
- تقدم .
- قف مكانك .
- سر الليل .
- ليل .
- المنطقة جاهزة للتفتيش سيدي .
- ربت ضابط الخفر على كتفه قائلا:
- أنت خفير نشيط .كم بقي من وظيفتك ؟
- نصف ساعة سيدي.
- لا بأس سوف تمضي بسرعة , تركه الضابط وحيداً وسط الظلام والصقيع الى غير رجعةٍ,شعر بنشوةٍ عارمةٍ ونشاطٍ يدبان في عروقه .إنه دوماً نشيط .مضى عليه سبعة اعوام بصحبة الشيك لم يهمل فيها ولو لمرة واحدةٍ
عاد الى أحلامه .تراءى له فراشه الوثير وذلك الدفء الذي كان يحس به عندما كان يدفن نفسه في أعماق ذلك الفراش ,كان لا يسمع الا صوت والدته وهي تدعو له بليلةٍ هانئةٍ 0
مرت نسمةٌ باردةٌ جداً.شعر بها تتغلغل في عظامه, .شعر برجفةٍ خفيفةٍ في أوصاله والآم حادةٌ في الركب .بدأ يشعر بالتعب .
سبعة أعوام وهو يسير إنها كثيرةٌ00يجب أن يحال 00.صمت ثم قال متمتما: يجب أن يفارق هذا "الشيك" منقضة الوحيد من ذلك .تلك( الشريطة) التي سيعلقها على كتفه سوف يصبح عريفا .شعر بنشوةٍ عارمةٍ عندما تخيل بأنه عريف.سوف يسير في القرية مزهوا وسط بناتها. سوف يشتريها جديدة لن يأخذها من أحد 0
تذكر في هذه اللحظة ابنَ عمه عماد . عندما رُفع إلى رتبة عريف .لقد أمضى ليلةً كاملة وهو يكوي تلك الرتبة,حتى يظهر بمظهره الجديد , تذكره وهو يصعد إلى (الباص) الذي كان يغص بأهل القرية . وتذكره عندما كان يبدأ بادخال كتفه المزين بتلك الشرائط .ليراه كلُ من في الباص, .لم يتطاول كثيراً في أحلامه. اكتفى بأن يكون عريفا في الوقت الحاضر ,على الأقل .سوف يودع الشيك .نظر اليه قائلا:.
- سوف أظل امر بك .لن اتركك وحيدا وسط هذا الظلام
جثا على ركبتيه ثم بدأ ترنيمته المعهودة قائلا:
- أيتها الأسلاك الشائكة .يا معشر الاوتاد التي تشد الشيك ايها الليل .انظروا الى حالي جيدا هذا كل ما أملك بندقية و(بسطار) .(بذلة فوتيك) (.قايش بوريه).سبعة أعوام وهي معي لا تفارقني أصبحت جزءاً من حياتي .أصبحت لا أجد للحياة متعةٌ بدونها.لم أعد أطيق ارتداء ملابسي العادية ,أصبحت شيئا غريبا بالنسبة لي ,أعدك أيها الشيك بان أبني سورا من الاسلاك الشائكة .توقف قليلا في تلك اللحظة ثم انفجر ضاحكا ,كانت ضحكته يتردد صداها فيمزق صمت ذلك الليل الحالك السواد. كانت ضحكته تبعث على الحزن والاسى انتصب واقفا مد أصبعه الى السماء ثم قال:
- وأنت أيتها السماء يجب ان تعلمي بأني سهرت الليالي الطوال وأنا انظر إليك في كل ليلة اصبحت اعرف مواقع النجوم والكواكب هناك في الغرب .الزهرة .والمشتري .وفي الشرق زحل . انه يتلألأ وسط تلك المجاهيل المعتمة .وفي تلك الأعماق السحيقة نبتون الأزرق.
ماذا بعد ذلك لماذا لا تبوحين لي باسرارك. ولكن سيأتي اليوم الذي اعرف فيه ذلك,توقف قليلا ثم أردف قائلا:
ليس لي صديق إلا القمر , .لطالما أنرت لي الطريق وبددت وحشة الليل , أطرق برأسه إلى الأرض . اخذ يسير بخطى متثاقلةٍ . أقدامه لا تقويان على حمله . نظر الى ساعته بقي له ربع ساعة .ربع ساعة ويترك الشيك . شعر بها تمر بطيئةً .إنها ربع قرن من الزمان إنها تسير بطيئة . ابطأ من أي شئ في هذه الحياة 0
كانت عيناه زائغتان أحمرتا حتى أصبحتا بلون الدم حاول أن يطرد النعاس من عينيه .دندن بأغنية كان يحفظها ( حماتي أم مراتي بتلعب جيدو وكراتي) .رددها أكثر من مرة غير أنها لم تجد نفعا . يجب أن يبقى ساهرا لن يضيع سبعة اعوام من اجل ربع ساعة . سوف تمضي الربع ساعة وغدا سوف يُمنح إجازة سيقضيها نائما وسيظل بالقرب من المدفأة لن يفارقها أبدا , سوف يطرد ذلك الصقيع الذي عشش في أوصاله
مرة أخرى نظر في ساعته . عشرة دقائق . لم يبق إلا عشرة دقائق . دب الأمل في قلبه من جديد .جولة اخرى الى نهاية الشيك وتنتهي العشرة دقائق . إنه لها . لقد هزم ألاف الدقائق . و سيهزم هذه العشرة كما هزم غيرها . بعد قليل سيأتيه الخفير الأخر ليمضي ساعتين بصحبة رفيقه الشيك 0
بدد مناجاته مع نفسه .صوت شبح خرج من بين الاشجار . كان يتجه نحوه متثاقلا . لا بد انه الخفير . سلمه كل شئ 0
البندقية والعتاد . تركه وحيدا وسط الظلام . نظر إليه قبل أن يختفي وسط الاشجار . رآه نقطة سوداء تسير برتابة في الجانب الأخر من الشيك . اختفى وسط الاشجار . والشيك لا يزال ماثلا امامه ., إنه يعانقه يضمه إلى صدره , إنه يعني له اشياء كثيرة , أشياء لا يفهمها إلا من أمضى سبعة أعوام من حياته في صحبته في العراء حيث الريح العاتية و الثلج والاحلام .



خالد العشوش
18/ 6/ 1992

khaledoshoosh@yahoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الخفير / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: