غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 ابو صليبا/ قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: ابو صليبا/ قصة   الخميس أغسطس 05, 2010 6:10 am


أبو صلـــــــيبا قصــة قصيرة/ بقلم خالد العشوش
كنقطة ضئيلة متناهية الصغر بدا يسير مترنحا تائها على غير هدى , قاطعا المسافة نفسها التي يقطعها ربما مرة أو مرتين في الأسبوع , بدءا من (المزرعة) مسقط رأسه مرورا (بعسال) محطته الثانية , (فالميره ), إلى أن يصل إلى مشارف( الصافي) مخترقا
(العنبر) , (فحارة العرامين)ومن ثم( السيل)انتهاء (بالجور)محطته الأخيرة 0
وكغيري من أشقياء الحارة كنت انتظر مروره بفارغ الصبر, للتحرش به, أو لمراقبته وهو يقذفنا بالحجارة متمتما ولاعنا بلغته غير المفهومة ( سا 00 سا ) وهذا ما يتقنه من اللغة 0
تجمعنا معا قرابة الخمسة, لأخذه على حين غرة ,فيما كانت تلك النقطة تكبر شيئا فشيئا , وبالضبط عندما وصل مقهى( سليمان الاطرم )بدأت ملامحه بالظهور , كان نحيلا هشا ضعيف البنية , يده اليسرى معقوفة إلى الأسفل , أما الثانية فكان يحمل بها أشياءه
التي كانت عبارة عن حجارة صغيرة يقذف بها من يتحرش به أو يضايقه , ولفائف من دخان (الهيشة ) يشعلها بين لحظة وأخرى , أما رأسه فكان مغطى بقطعة بالية من القماش , فيما كان يرتدي معطفا ضخما فوق جاكيت سوداء متهرئة , غير عابئ بارتفاع درجة الحرارة 0
وقفنا متأهبين وخائفين في الوقت نفسه لحظة اقترابه منا , وكان كل واحد منا يحاول وعن غير قصد أن يحافظ على هدوءه واتزانه أمام هذا المخلوق البشري الهش المطلق الحرية , وكنت وبالكاد أسيطر على مشاعري وأنا أراه يسير متعبا ومترنحا لا يتوقف إلا لشرب الماء من القناة المحاذية للشارع , أو لإشعال سيجارة , أصبح قاب قوسين منا أو أدنى , يسيل منه العرق بغزارة , نظرت حولي لم أر أحدا من تلك( الفتوات) كانوا قد أطلقوا سيقانهم للريح ,فيما وقفت أمام( أبو صليبا )وجها لوجه , ربما يكون الخوف الشديد منه هو الذي جعلني أتسمر في مكاني, والدليل على ذلك أني فقدت للحظة وجيزة قدرتي على الكلام , وكنت انتظر منه أن يلطمني اويقذفني بأحد حجارته كما لو كنت شيطانا مريدا , وكانت عيناي تراقبان حركة يديه المرتجفتين, وتمتمته غير المفهومة ( سا 00سا ) ساد السكون قليلا ,ولاحظت أنه وبفطرته كإنسان يراقب المكان خوفا من مفاجأة , أو ضربة على حين غرة , وأدركت انه يملك القدرة على التحليل والمراوغة والأخذ بالأسباب , وعندما شعر بالأمان حدق ممعنا النظر في قسمات وجهي الشيطانية , بينما أغمضت عيناي منتظرا ذلك المنقذ أو المخلص لي من هذا المخلوق , وعندما طالت لحظات الانتظار فتحت عيني اليسرى فقط نصف انفتاحه , فيما كانت الأخرى مطبقة الأجفان , امتدت يده برفق شديد ملامسة وجهي , أخذ يمررها على مناطق مختلفة منه , وكأنه يحاول قراءة ما يدور بخاطري من أفكار , امسك بأنفي الصغير ,ثم بعد ذلك فرك أذني برفق شديد , توقفت بعد ذلك يده عن الحركة , ليدخلها في جيب معطفه, مخرجا قطعة حلوى كبيرة ,خرجت بها من هذه المقابلة المرعبة مع( أبو صليبا ), الذي كان يحاول جاهدا الإيحاء لي بأخذها 0
في تلك اللحظة بالذات أخذت أحلل شخصية( أبو صليبا) رابطا بينه وبين (فرحان) لذلك الشبه بينهما , غير أن فرحان كان يملك القدرة على الكلام ويتلاعب بالألفاظ ويحفظ الشعر , ملامح وجهه قاسية ,وله نظرة ثاقبة فيها شيء من المكر , أما (شبريته )الذهبية الحادة الرأس فكانت مصدر خوف لايوصف بالنسبة لنا ,وشارباه المشوبان بالحمرة وصبغة الدخان المنبعث من انفه فكانا أشبه ما يكونان بالأسلاك المثبتة على شفته أسفل انفه العريض ذي الفتحات الواسعة , وأما( أبو صليبا) فربما ولست متأكدا مما أقول ,كان صاحب إحساس مرهف ولكنه لا يملك القدرة على التعبير عن تلك المشاعر والأحاسيس 0
وأنا في غمرة أفكاري هذه كان (أبو صليبا) قد ابتعد عني شيئا فشيئا , فيما خرج الأشقياء الأربعة من مخابئهم غير مصدقين ما رأوا وشاهدوا , كانت عيونهم ترمق قطعة الحلوى باستغراب وعفويه , لم اترك لهم مجالا للحوار أو النقاش , قسمتها بينهم فيما اكتفيت أنا بمتعة المشاهدة , وأنا أراهم يلتهمون هدية (أبو صليبا) لي 0 حتى لحظة التهامهم لقطعة الحلوى , كنت لا أزال أعيش تلك الحالة من اختلاط المشاعر والحزن والأسى على أحوال ذلك لمخلوق الذي كان يُنظر إليه على انه لا شيء , وكانت القصص التي تحاك حوله أكثر من القصص التي نسمعها عن جحا أو عنترة ,وفي الحقيقة لم أر مما يقولون سيئا , وأغرب ما سمعته عنه , أن حفنة من لصوص الآثار حاولوا تقديمه كقربان لفك الرصد عن أحد الكنوز , وقد تقدموا بعرض مغري , لأهله للموافقة على ذلك , غير أن شقيقه الأكبر رفض ذلك رفضا قاطعا 0
قطع علي حبل أفكاري احد الأشقياء وهو يقول: ( هل بقي معه شيء من تلك الحلوى )؟ قلت بشيء من الازدراء Sad إنها الاخيره
معه ) وعندما حاولوا اللحاق به منعتهم مستميتا من فعل ذلك وقلت لهم بصرامة ( لن نؤذي أبو صليبا بعد الآن ) وبشيء من الاستهجان والخيبة تفرقوا غير راضين عن تصرفي هذا , فيما بقيت واقفا أتابع (أبو صليبا) الذي اختفى كنقطة ضئيلة متناهية الصغر
مخلفا وراءه شعورا بالحزن كان يلفني, وندما مني على فهمي الخاطئ لشخصيته الغامضة 0
سرت لمسافة ليست بالقليلة وراءه مطرق الرأس , فيما أخذت أتحسس المناطق التي لامسها بيده , أخذت امسح بيدي على وجهي , وفركت انفي كما فعل , ووقفت أراقب ذلك الفراغ الذي تركته تلك النقطة وراءها , وعندما يئست من عودته عدت أدراجي إلى ذلك المكان الذي أهداني فيه قطعة الحلوى , كانت (سأسأته ) وملابسه الرثة ,ولفافات سجائره تنتشر في أرجاء المكان , فوق الإسفلت, وعلى حواف الطريق ,وبقايا من عود ثقاب كان قد أشعل فيه سيجارته المفضلة ملقى طريحا على الأرض , فيما أثار أقدامه , في المناطق الترابية , ظلت تعانق الأرض وتبعث فيها الحياة من جديد , التقطت في حالة من الانتشاء عود الثقاب الذي تركه خلفه وكأنه كنز ثمين , وبحرص لم أعهده من قبل , قبضت عليه بيدي معانقا , إني أراه في كل مكان يسير مستكشفا عالمنا الخفي, الذي لم يكن له فيه أيّ وزن, أو مكان 0أراه ينثر البركة في حقول الذرة ,و يزيد من تدفق الماء في القنوات , فينبت (الخرفيش ) و ( الحناء ) وتعبق رائحة ( العصفر) , (والريحان) ,و(النعناع البري) ,وتسيل عصارات العنب من حباتها كحلمة ثدي يسيل منها الحليب في فم الرضيع 0
بعد هذه الحادثة وبعد أن اختفى كنقطة ضئيلة لم تقع عيني على( أبو صليبا)قط , مرة واحده جاء الأشقياء يصرخون ( أبو صليبا 00 أبو صليبا !!) قفزت فزعا ومشتاقا له , وأخذت أركض,وأركض لاهثا لرؤيته , شاقا لي طريقا وسط أغصان( السليل) الجارحة محطما ومكسرا أي عائق يصادفني , صارخا وباكيا دون جدوى 0 ( أبو صليبا 00 أبو صليبا ؟؟ ) 00

الصافي
خالد العشوش / 17/ 11 /2005
khaledoshoosh@yahoo.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ابو صليبا/ قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: