غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مذكرات رجل منبوذ / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: مذكرات رجل منبوذ / قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 7:07 am


مذكرات رجل منبوذ


-1-
كان يهم بالصعود إلى الحافلة , قال له سائقها :
- لم تبق أماكن فارعة , المعذرة.
ترجل من الحافلة , انتظر حتى جاءت حافلة أخرى, صعد إليها, اتخذ له مكانا مناسبا,كان يجلس في أحد المقاعد الأمامية , يطيل النظر إلي المباني الشاهقة وبينما هو كذلك وقع نظرة على أم ناصر زوجة جاره (أبو ناصر) ومديره في العمل, رآها وهي تهم بالصعود إلى الحافلة التي كانت قد امتلأت بالركاب ورغم محاولات السائق المتكررة لإنزالها , غير أنها رفضت النزول وقالت "بأنها سوف تظل واقفة" شعر بالخجل الشديد أمام هذا الموقف, كيف تقف أم ناصر ويظل هو واقفا ؟ قام بإفساح المجال لها للجلوس مكانه , فيما هو ظل واقفا وسط الحافلة بعد أن قال لها :
- تفضلي يا أم ناصر .
سارت الحافلة شاقة طريقها وسط ارتال من السيارات , فيما هو لازال واقفا, لم يبادلها الحديث , اكتفي بأن قال لها:
- الأجرة مدفوعة يا أم ناصر
- ولماذا الغلبة ؟
- هذا واجب .
أخيراً وصل إلى مكان عمله, بعد أن ودَّع أم ناصر بنظرة خجولة .
فاجأه أبو ناصر عندما وصل إلى مكان عمله , كان متجهم الوجه ,عابس الفؤاد قال بحدَّة :
- أنت رجل عديم الإحساس ,أنت كتلة من الثلج ,إلى متى ستظل على هذه الحال؟ حاول أن يشرح له ,حاول أن يقول له بأن ظروفا أقوى منه أجبرته على التأخر, لم يمنحه أبو ناصرا الفرصة الكافية للحديث أو التبرير , أدار له ظهره بعد أن قال :
- من شاب على شيءٍ شاب عليه, لقد تعودت على ثقاله الدم وهذا يكفي.
توارى مختفيا عن الأنظار وشعور بالحزن يكتنفه , إنه رجل غير محظوظ.

-2-
في نهاية الشارع الذي يتفرع منه شارعان آخران ,سمع جلبة قوية , سبٌّ وشتم وعراك , ذهب لاستطلاع الأمر ,
كانوا خمسة أو ستة أطفال, وقد تجمعوا حول واحد منهم, أشبعوه ضربا وركلا كانوا يحاولون انتزاع شيء ما في يده,
هرول مسرعا ليتدخل في الأمر, منقذا الطفل من براثنهم, حاول أن يفرقهم , ولكنة لم يستطع, كان كلما امسك بواحد منهم أفلت الأخر, إنهم شياطين بشرية , الدماء تنزف من أحدهم بشدة, صاح بهم قائلا :
- هذا يكفي سوف يموت .
ما إن أتم عبارته حتى شعر بجسم حاد يصطدم برأسه ,قال :
- الملاعين..الملاعين .
لقد قذفوه بحجر وفروا هاربين,جاء رجل يسب ويشتم , صاح بأعلى صوته :
- ألحقوني ,إنه يريد قتل ولدي.
خانته الكلمات حاول أن يشرح للرجل ولكن الأخر لم يكن مستعد لذلك.
لم يترك له الرجل أية فرصة للحديث, أمسك بقميصه ,وتله نحوه بشدة قائلا:
- يا مجرم تريد إن تقتله,يا سافل الويل لك مني.
لم يبدِ أية مقاومة , ترك الرجل يشده بكل قوته ملقيا إياه أرضا وقد أشبعه دفشا وركلا, ثم بعد ذلك تركه ينزف بغزارة .

-3-
وقف أمام أحد المحلات, أخذ يطيل النظر إلى شيء ما , تقدم منه صاحب المحل قائلا:
- خدمة يا أخ؟!!
قال وهو لا يزال ينظر إلى ذلك الشيء, الذي شدَّ انتباهه.
- بكم ذلك الكتاب؟
- أيُّ كتاب؟
- ذلك الكتاب ألا تراه؟
- ولكنى لا أرى أية كتب.
أقترب من الواجهة الزجاجية , ماداً يده وقائلا:
- هذا أليس كتابا؟
ردَّ الرجل باستغراب.
- هذا ليس كتابا إنه كتالوج!!
- كتالوج؟!!
- ألا تعرف الكتالوج, ألم تسمع به؟
- سمعت به ولكني لم أره.
شدَّة الرجل بقوة, ثم قذف به في عرض الشارع قائلا:
- رأيت هملا ولكني لم أرَ أحدا يشبهك.
جرَّ نفسه ونظره ما زال معلقا بذلك الكتالوج, اصطدم بأحد المارة, دفعه دفعة قوية جعلته يسقط على الأرض, لم يصرخ ولم يفعل شيئا , نهض واقفا ثم اختفى وسط الزحام .


-4-
دلف إلى احد المطاعم الفخمة , اقترب منه (الجرسون) ونظرة اندهاش تبدو في عينيه ,حياه باحترام قائلا :
- هل من خدمة أقدمها لحضرتك؟
- أين قائمة الأطعمة؟ , أين الماء والمقبلات؟
ردَّ الجر سون بأدب:
- كل ذلك سوف يكون جاهزا, المهم ماذا ستأكل؟
- أريد طبقا من الدجاج المقلي, وطبقا من الملوخية باللحم وشيئا من الكاري.
لم ينتظر طويلا , حتى جاءه الجر سون يحمل له الأطباق التي طلبها , أقبل على الطعام بشهية زائدة , طلب المزيد ثم المزيد , الأمر الذي أدهش عمال المطعم ودفعهم للريبة في أمره , لقد تناول ما قيمته ثلاثون دينارا على الأقل , شرب الشاي واحتسى القهوة , نهض واقفا ثم ذهب إلى المغسلة , أمضى قرابة الربع ساعة وهو ينظف بعناية فائقة ما علق به من أطعمه, صرخ صاحب المطعم عندما رآه يضع رأسه تحت المغسلة ,مستخدما الصابون في تنظيف رأسه , بعد أن انتهي من غسل رأسه , طلب منشفة ..جاءوه بها على الفور , كانت عيونهم تحدق به ,
اقترب من المحاسب , مدّ يده إلى جيوبه, بحث فيها الواحد تلو الأخر, كانت خاوية ليس فيها فلسا واحدا , تظاهر بأنه يبحث في جيوبه الأخرى , ماذا سيفعل؟ وفجأة وبدون مقدمات أطلق ساقيه للريح.

-5-

كان الجو رطبا والأضواء خافته , إنه يسير مطرق الرأس واضعا يديه في جيب بنطاله, اقترب من أحد النوادي الليلية , أخذ يرقب المكان بعينين زائغتين , كان يشعر برغبة قويه للحديث مع أي إنسان, المهم أن يتحدث,أن يسري عن نفسه,وأن ينفث ما نفسه من هموم تجثم على صدره , تقتل أحلامه وآماله, رأى فتاة حسناء كانت على وشك الدخول, إنها ترتدي قميصا فضفاضا و (بنطلون) جينز يزين خصرها حزام عريض مرصع بنجوم ذات ألوان ذهبية, اقترب منها بأدب ثم قال :
- هل تأذنين لي يا أنسه بالحديث:
ردت بامتعاض:
- تفضل
-ارغب بتناول القهوة معك.
بدت الحيرة على وجه الفتاه, بيد أنها قالت:
- ولكني مرتبطة بموعد.
- افترضي ؛ أني أنا صاحب الموعد.
- ولكن صاحب الموعد موجود في الداخل.
- ولكنك جميله, بل أنت بارعة الجمال. أرجو إن تمنحيني هذه الفرصة .
نظرت إليه بازدراء قائله :
- يبدو أنك تعاني من أعراض جانبيه
- ماذا تقصدين؟
أشاحت بوجهها عنه وتركته وحيدا يتأوه ألما ولوعه, لأنه لم ينجح معها, راودته فكرة غريبة , اقتحم المكان بسرعة مذهله, كان يبحث عنها وقع نظره عليها, إنها هناك, تجلس معه وسط أضواء خافته, قلب المائدة التي كانت تجلس عليها مع ذلك الشاب , شده من ياقة قميصه محطما زجاجة فرغت للتو من محتوياتها, تحول إلى الفتاه, تلها من يدها قائلا :
- لنخرج من هنا .
قبل أن ينتهي عبارته, انهال عليه عمال النادي , أوسعوه ضربا وركلا, انبطح أرضا دون أن يبدي أية مقاومة, قال أحدهم:
- أخرجوا هذا الوغد , متطفل وسافل . قال أخر:
- لا بل نسلمه للشرطة فهي أولى بصعلوك مثله.
- لا نريد متاعب ,فقط القوه خارجا, إنه مجرد جائع يبحث عن طعام.



-6-
كان يوما عصيبا بالنسبة له , إنه يشعر بوحدة قاتلة,بحث عن شيء يتسلى به ولكن ليس ثمة من شيء غير الفراغ , قرر أن يخرج إلى الشارع , يجب أن يفعل أي شي, اقترب من مكان للألعاب أخذ يجيل الطرق في أرجاء المكان , الكل مشغول باللعب ,أطفال ورجال ونساء وشيوخ , وقف بالقرب من امرأة عجوز, كانت مشغولة بلعبة الملاكمة , فيما رجل طاعن بالسن يلعب الجمباز , وأخر يسوق سيارة كهربائية ,أخذ يراقب المرأة العجوز وهي تلعب الملاكمة , كانت منسجمة غاية الانسجام, شاركها هو ذلك وعندما رأته يفعل ذلك ,ازداد حماسها,شعرت بأنها فتاه في السابعة عشر من عمرها,كان هو يشجع اللاعب الأسود أما هي فكانت تشجع اللاعب الأبيض ,كان يرفع قبضة يده في كل مره يتغلب فيها الأسود علي الأبيض ,ارتفع صراخه وسط القاعة, حتى بدأ الحاضرون يشعرون بالانزعاج منه ,وأخيرا فاز الأبيض ,شعرت العجوز بنشوة النصر, أما هو فقد شعر بالمرارة ,جمع قبضة يده,سددها نحو فك العجوز كانت من القوة,بحيث جعلت العجوز تترنح أرضا , عقد الخوف لسانه, اقترب منها أحد الواقفين صرخ قائلا:
- إنها ميتة, لقد قتلها الوغد.
حاول إن يلوذ بالفرار ولكنه لم يستطع, لم يبدِ أية مقاومه , فقد كان غائبا عن وعيه.



-7-
أمتار ويصل إلى ذلك المقهى , أمتار ويقبع في زاويته الخاصة به , كالعادة سوف يدخن (النارجيلة), ويشرب (السحلب) ولكنه هذه المرة انعطف في شارع فرعي لشراء علبة سجائر من أحد الأكشاك, سمع ضجة قوية , أعقبها أصوات غاضبة, كانت تلوح بأيديها في الهواء , وقف مفسحا المجال لمرورهم, يبدو أنها مظاهره, لم يحاول التدخل, اكتفى بالنظر إليهم, عاقدا يديه على صدره, كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم وعلى حين غرة داهمت المكان سيارات للشرطة, كانوا يلقون القبض على كل من تقع عليه أيديهم , حاول النجاة بجلده من علقة ساخنة , ولكنه شعر بأيد فولاذيه تمسك به, وضربات (قايش ) تلسع جلده صاح قائلا:
- اقسم لكم باني لست منهم , أنا مجرد عابر سبيل .
رد عليه الشرطي بصرامة:
- إلى السيارة أيها الكلب الجاحد.
- أنا لست كلبا, احترم نفسك.
صفعه الشرطي بقوة , ثم انهال عليه آخرون بأحزمتهم ضربا , ركله الشرطي الممسك به بقدمه على مؤخرته, شدّه من ناصيته وألقى به في أعماق السيارة , جمع جسده المتهالك والمثخن, في ركن من أركان تلك السيارة , كانت كلمة كلب تؤلمه وتؤثر فيه كما لو كانت مشارط تمزق جسده الرخيص والواهن , كلمة كلب تتردد في أذنيه, كلب, كلب , كلب
شعر بأنه تافه لا قيمة له, شعر بأنه حقا كلب, لماذا يفعلون به ذلك؟ وهو إنسان مسالم لم يؤذِ أحدا في حياته , لماذا يقبع ألان خلف هذه القضبان؟ وسط حفنة من اللصوص و المعتوهين, كان يفكر بما سيقوله للمحقق سوف يقول له عبارة واحدة سوف يقول له :
- أنا رجل منبوذ, رجل مجنون , ليس له مكان بين العقلاء, أنا مجرد كلب كان يبحث عن مكان للاسترخاء فقط .
-8-
حاول أن يكون رجلا عصريأ, أراد أن يفعل ذلك ,عندما دخل إلى أحد المطاعم الفخمة, اختار له مكانا, رأى أنه مناسب له,
كانت قاعه المطعم تعج بالزبائن من طبقات (الارستقراط) , شبان ,وشابات رجال ونساء من مختلف الأعمار, بالكاد لم يكن إلا هو وحيدا,تقدم منه (الجرسون) قائلا:
- بماذا تأمر سيدي ؟
طبق من الكباب,وشيء من الشطة, مع حساء الدجاج .
تركه الجرسون, ليعود بعد قليل حاملا له الأصناف المطلوبة, نظر حوله, نظرة فاحصة ,كانت الزبائن تأكل بطريقة عصرية ومنظمة بدت غريبة عليه للوهلة الأولى, كانوا يستخدمون السكاكين والشوك والملاعق بمهارة فائقة ,على أنغام موسيقى هادئة (لتشيكوف) كانت تنبعث في أرجاء المكان .
امسك بالشوكة والسكين ,قطع قطعة كبيرة من الكباب , تناولها بوساطة الشوكة التي بيده ,إنه يجد صعوبة فائقة في ذلك ,امتدت يده إلى الملعقة وضعها على حافة الطبق , كان الجزء الأكبر منها خارج الطبق , فيما كان بنظراته الفضولية, يراقب الزبائن باستهجان غريب أذهله ذلك الهدوء وذلك الانسجام الذي كان يخيم على المكان , لم يكن هناك إلا مصدر واحد للطقطقة والخشخشة ,إنه هو , صوت ارتطام السكين بالطبق الذي أمامه ومحاولته مضغ الطعام بطريقة متحضرة كانت تبعث على الضحك ,ثم إن العيون المحيطة به وخلسة كانت تراقبه وتسجل عليه تلك الحالة من عدم القدرة على مجاراة الآخرين في تحضرهم ورقيهم, شعر بارتخاء في إحدى يديه التي هوت وسط طبق ( حساء الدجاج ) مما جعل الملعقة تتحول إلى معول صغير يقذف الحساء إلى وجهه الذي احمَّر من حرارة الحساء ومن الحرج أمام تلك العيون المحملقة به,صرخ طالبا النجدة من الجرسون , لم يتحمل حرارة الحساء , رفس الطاولة التي أمامه محدثا فوضى عارمة في المكان ,اصطدمت الطاولة بأخرى , فيما قطعة من كباب كان أمامه استقرت فوق صدر فتاة حسناء , جن جنونها ,قاذفة إياه بأبشع أنواع السباب ( متخلف , همجي)؟!!
تنفس الصعداء عندما توارى عن الأنظار كانوا يرمقونه بسخرية وازدراء سمعهم يقولون:
- فعلا همجي ,متخلف
تجاهل كل ذلك وخرج مسرعا معللا النفس بحمام ساخن.
-9-
خفق قلبه بشده , شعر بأن الأرض سوف تميد به ,عندما رآها ,تترجل من سيارتها ذات البابين ,كانت ترتدي طقما كاملا ازرق اللون, تنبعث منها رائحة عطر فرنسي, لم يستطع تحديد نوعه لجهله بأنواع العطور,اقتربت منه حتى كادت تلامسه,أذهله جمالها , عنقها و شفتيها وخصلات شعرها الذهبي التي كانت ترتمي على كتفيها كما لو كانت ليلا يعانق النهار, تجاوزته بقليل , شعر بغصة شديدة عندما تجاوزته دون أن تعيره أدنى اهتمام , سار خلفها , دون أن تشعر هي به ,كان يحدث نفسه قائلا:
- ماذا سيحدث لو طبع قبلة حارة طويلة على شفتيها ؟ وأردف في شططه :
- ماذا سيحدث لو ضمها الآن إلى صدره؟ شعر بأنه يفعل ذلك, فرائحة العطر التي تنبعث منها, كانت زكية عبقة كفيلة بأن تحرك فيه كل معاني الرجولة .
اقترب منها حتى شعرت به وهو يسير خلفها,رمقته بنظرة ناعسة, جعلته يلتفت حوله منتشيا , حاول أن يتكلم ولكنه فقد القدرة على الكلام , شعر بأنة أخرس , مهزوز, ضعيف لايملك القدرة على المواجهة ,سوف يتلعثم كالعادة ويتصبب عرقا عند أول كلمة تخرج منه , يجب أن يفوز بها ,ولو بشم شيء من ذلك العطر الأخاذ.
مرة أخرى نظرت إليه, شعرت بأنة يريدها حاولت اختباره, فتوقفت قليلا ,ماذا سيفعل؟ هل يقترب منها؟, سوف ينفضح أمرة, اقترب منها, كانت لاتزال واقفة, غمامة سوداء غشت عينيه ,العرق أخذ يتصبب منه بغزارة شديدة, فيما أنفاسه تخنقه ,هكذا هو تنتابه هذه الحالة عندما يهم بالتحدث إلى فتاه ,فضل مواصلة السير ,على أن تراه تلك الفتاة على تلك الحالة من الارتباك وتصبب العرق , تجاوزها قليلا ,ناظرا خلفه ,كانت تنظر إليه بأسف شديد واحتقار لاحظه في عينيها , لعن حظه العاثر ,لابد أنها ظنت به الظنون, قال محزونا :
- ملعون أبو العرق لا يتصبب إلا في مثل هذه المواقف .

-10-

حشر نفسه بين رجل وزوجه, كانا يتشاجران أمام محل لبيع المجوهرات, سمعها تقول له :
- أريد مجوهراتي التي أخذتها
- سوف أعيدها لك,عندما انتهي من المشروع
- مشروعك فاشل ,لن يدر عليك أية أرباح
- وما إدراك بأنة فاشل ؟
- قلت لك أريد مجوهراتي.
- ولكني بعتها ولا استطيع استردادها.
- لماذا لم تخبرني بذلك؟ لماذا أخذتها دون علمي؟
تدخل هو ليخفف من حدَّة توترها ,قائلا
- إنه زوجك وهو أحق بها من غيره
رمقته بنظره صارمة ,ثم قالت :
- ما شأنك أنت حتى تتدخل بيني وبين زوجي ؟
- أنا فاعل خير.
تدخل الزوج وقسمات وجهه توحي بأشياء كثيرة
- ماذا أرى ؟ إنها مؤامرة ,هل تعرفينه ؟
- لا أبدا ,إنها أول مرة أراه فيها .
- إذا كيف سمح لنفسه أن يتدخل في أمرنا؟
سادت لحظة صمت, قال هو على إثرها :
- يا جماعه ,ليس هناك ثمة حاجه للجدل,ما أنا إلا فاعل خير ,رأيتكما فحاولت الإصلاح بينكما.
قال الزوج والشرر يتطاير من عينيه:
- أنت رجل وقح.
- أنا لست وقحا.
- بل وقح جدا.
امتدت يد الزوجة إلى قدمها, تناولت فردة حذائها,لتضربه بها ,حاد عن الضربة فأصابت الزوج ,الذي أخذ يرتجف غضبا, سدد إليه لكلمة قوية ,أخطأته فأصابت الزوجة , التي راحت تولول وتبكي آلما ,انسل من بينهما ,حاولا الإمساك به, غير أنه ولّى هاربا,فيما الزوجة طلبت من زوجها مغادرة المكان, ناسية موضوع مجوهراتها التي كانت ترغب باستردادها , الزوج في قرارة نفسه , شكر ذلك المتطفل الذي انقضه في اللحظة الأخيرة من موقف محرج جدا , سيما وأن مشروعه ,يتوقف عليه مصير امرأة أخرى.



-11-
حاول أن يكون رقيقا وجذابا في ذلك اليوم, قطف ورده حمراء وضعها في جيب سترته .
بحث عن عطر,أي عطر؟لإضفاء مزيد من الجاذبية على نفسه , باءت محاولته بالفشل ,لم يجد غير (الكالونيا)رشّ منها شيئا على نفسه ثم خرج .
توقف عند أحد الأكشاك ,لشراء علبة سجائر, فضلها أجنبية, كان همه أن يصل إلى مكانه المفضل ,هناك سوف يمتع نظره بأشياء كثيرة ,استقل سيارة أجرة, وعندما ترجل منها, لم يحاول أخذ ما بقي من الأجرة.
أخذ يسير مزهوا بنفسه, إنه رجل عظيم ,الكل ينظر إلية ,الكل يحاول التقرب منه هناك ثمة فتاه غاية في الجمال تحاول أن تلفت نظره إليها, تظاهر بأنه لا يراها ,أخذ يلف ويدور في المكان واضعا يديه في جيب سترته, بدأ للوهلة الأولى كما لو كان مخبرا سريا, لا بل خال نفسه نجما من نجوم (هوليوود )
تمني لو أنه يمتلك نظارة سوداء , سوف تمنحه مزيدا من الجاذبية , ليس مثلها جاذبية ( جيمس بوند ) لا بأس سوف يشتريها في المرة القادمة ,هناك ثمة عيون تتابع تحركاته وتصرفاته ,جلس على أحد المقاعد ,أشغل سيجارة, أخذ يدخنها على طريقه نجوم السينما .
لم يمكث كثيرا, دار في المكان نفسه دورتين, كثر الهمس حوله, سمع أحدهم يقول للأخر:
- إنه يذكرني ب( الن ديلون) ,قال الأخر:
- إذا لم يخب ظني فإنه يشبه (جان بول بلمندو).
لم يصدق نفسه عندما سمع ذلك,تمني لو أنّ له جناحين, ليطير بهما , ليحلق بأوهامه وأحلامه الزائفة, التي ظلت دوما مجرد هباء لم يحاول تحقيق شيئا منها , اقترب منه شخصان ,امسك به احدهم قائلا:
- أنت مقبوض عليك , هيا معنا لو سمحت.
- إلى أين ؟
-سوف تعرف بعد قليل .
حاول أن يبدِ نوعا من المقاومة, همس في أذنه أحدهم قائلا:
- سوف تحاسب على تصرفك هذا .
- من أنتم؟!!
- تعقيب..
لجمته المفاجأة, لم يدر ماذا يفعل أو يقول,حل ربطة عنقه, استعدادا لسماع وابل من الأسئلة وربما الصفع والركل والتي ستنهال عليه بعد قليل.
سقطت أوهامه وخيلاءه بين قدميه, فلم يعد ذلك النجم (الهوليودي) , ولم تعد ثمة حاجة إلى نظارة سوداء, كان جل همه الخلاص من قبضة هؤلاء , إنهم يقذفونه بألسنتهم السليطة , ويتلذذون في جرّه وركله , كما لو كان متلبسا بجرم .

غور الصافي - 18/6/1992



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مذكرات رجل منبوذ / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: