غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 كابوس اسمه الاخبار /قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: كابوس اسمه الاخبار /قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 7:06 am

كابوس أسمه الأخبار
مهداة إلى روح ماجد سرحان وأسرة هيئة الإذاعة البريطانية


كنت أصغي بانتباه شديد , لصوت ماجد سرحان , المنبعث عبر أثير(هيئة الإذاعة البريطانية) , كان صوتا مجلجلا قويا , كما هي هيئة الإذاعة البريطانية , أصبحت أنتظره على أحر من الجمر, مساء كل ليلة من ليالي الشتاء الدافئة , وليالي الصيف اللاهبة , أعتدت على سماع صوته , أصبح مألوفا بالنسبة لي , كما القهوة في ساعات الصباح الباكر , أو الشاي في ليالي الشتاء القارصة , إن صوته يتردد في أذني أكثر من صوت والدي وربما والدتي .
ماجد سرحان ينقلني إلى عوالم مختلفة , يحلق بي في مجاهيل القارات والمحيطات , في أعماق الكون المسكون بالآهات واللوعات , يقتحم بك أعتى الانفجارات , يسافر بك عبر الزمن بلا جوازات , كان كما الطائرة تحط بك في شتى المطارات .
ها هو يبدأ قراءة جولته الإخبارية الصباحية , مضفيا عليها روح الدعابة, مما يشدك لسماع ما في جعبته من أخبار , قائلا :
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعد ذلك أسمع أنفاسه المتأهبة واللاهثة وراء الحدث,أو كما الذي يحتسي فنجان قهوة مشبعة بالهيل, حيث يردف قائلا :
- أحداث البوسنة والهرسك ,الجزائر ؛ اغتيال محمد بوضياف ,الانتخابات الإسرائيلية وهزيمة ساحقة للـّيكود , محادثات أبوجا , نبذة عن الجنرال محمد فارح عيديد , توتر في العلاقات الأردنية الأمريكية .
إنها طائفة من الأخبار لا تنتهي كل ليلية , وأنفاس ماجد سرحان , تنبعث حارة دافئة , من أعماق المدينة الضبابية , من أزقتها وضواحيها , المزدحمة برائحة , (البور غر) , و(الكبتشينو) , المختلط بدقات ( بج بن الخالدة ) وبنكهة ( التايمز ) المسافر عبر المسافات , الملبد بروايات ملوك ( انجلترا في العصور الغابرة ) لتقول لك من هو( قلب الأسد) , ومن هو (ذو السيقان الطويلة) , و(هنري السادس ) وكوكبة من عمالقة (المائدة المستديرة ), مرورا بشكسبير ها , وتشر شلها , إنها حكاية التاريخ والعراقة يرويها ماجد سرحان متجاوزة اللامتناهي , لتتناهى إلى سمعك ممزوجة برائحة العنب والنبيذ الانجليزي , وهجمات (الفايكنغ) على السواحل الانجليزية , ثم بعد ذلك قد يطوف بك في رحلة عبر ضواحي انجلترا كمانشستر الكبرى (مانشستر)، وميرسيسايد (ليفربول)و يوركشاير الجنوبية (شفيلد)، وتاين ووير (سندرلاند)، و ميدْلاَنْدز الغربية (برمنجهام)، و يوركشاير الغربية (ليدز). ودون أن تدري يجعلك تلهث راكضا مع عمالقة (مانشستر يونايتد) متذوقا ومستمتعا بالكرة وهي تعانق أقدام اللاعبين في (مسرح الأحلام ) .إنّه نافذة أطل من خلالها على العالم , إذا مضى يوم أو يومان, دون أن أسمع صوت ماجد أشعر بأنـّي أعيش في عالم آخر مغلق, لا أرى فيه إلا الظلام .
وتنتهي الجولة الإخبارية , ينهيها ماجد بدعابة موجة لأحد زملائه, لحسن معوض أو زياد الحكيم, أما منيرة الشايب, فكان الله في عونها فهي دوما تتوقع شيئا من ماجد.
انفجر ضاحكا ذات مرة ,عندما بدأ بإذاعة نشرة عن سباق في باريس, غطته منيرة الشايب , قال ضاحكا: "تعالوا نتسابق مع منيره الشايب" , لم يتمالك نفسه من الضحك , تمنيت في تلك اللحظة لو أضع أذني على سماعة المذياع ,لأسمع دقات قلب منيرة, تمنيت مصافحة ماجد سرحان ومعانقته , ذلك الصوت العربي الحر الذي ينطلق عبر البحار والمحيطات, لنقل أخبار هذا العالم المثخن بالجراح والآهات والأزمات.
وبعبارات موجزة , ينهي ماجد جولته الإخبارية, راح يقول: "وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا الإخبارية, هذه تحية من معدِّها زياد الحكيم, ومن مخرجتها منيرة الشايب
وهذا ماجد سرحان يحيكم من لندن"
في تلك الأثناء, رحت أقول:" لو أن للعرب إذاعة جامعة, تحمل هموم وأراء المواطن العربي, بهذه الروح وبهذه الحرية , انتهت ساعة , ساعة تجاوزت الزمان والمكان, كانت أكثر من كونها ساعة, إنها وبحق حصاد و خلاصة ساعات طويلة, من صراع مرير يجتاح هذا العالم , يمزقه ويرديه ويعيده إلى عصور حروب المائة عام .
امتدت يدي إلى المذياع, أخذت ابحث عن إذاعة أخرى أروي بها ظمأي, المتعطش للأخبار ولأبدد سكون الليل الموحش, الذي خلا من صوت ماجد سرحان , ليس هناك
إلا أشباح إذاعات تبث هراء في هراء, أصوات كئيبة لمذيعين كأنهم لم يسمعوا نشرات أخبار في حياتهم , مذيعات يغنجن في الكلام كأنهن في أعراس.
لا بأس من سماع مقطوعة موسيقية , ولكن أين هي ؟ ليس هناك إلا مقطوعات بكائية -نواح في نواح- سوف أحاول مرة أخرى, لعل وعسى أغنية لعبد الوهاب .. أبحث وابحث ولا أمل على ما يبدو لإشباع رغبتي الجامحة للأخبار أو على الأقل لم أجد البديل عن ماجد سرحان , أكثر الإذاعات, تبث أغان للشباب
كلها دلع في دلع قلت متهكما :" والله زمن"!! أطبقت عقارب الساعة على الثانية عشرة ليلا, أدرت مؤشر الموجات نحو إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية , هناك نشرة موجزة للإخبار, ليس هناك جديد, الأحداث نفسها الاختلاف فقط في التقديم والتأخير,بُدئ الموجز:
"جلالة الملك يبعث بتعازيه بوفاة بوضياف" "جلالته يزور القيادة العامة "," توتر في العلاقات الأردنية الأمريكية" هتفت قائلا:
- جاء اليوم الذي أثبت فيه الأردن مواقفه الثابتة, أردن الرباط والصمود
وتستمر النشرة : " أحداث البوسنة والهرسك""رئيس إسرائيل حاييم هيرتسوغ يكلف "إسحاق رابين" رئيس حزب العمل تشكيل وزارته " أحداث شغب في صعيد مصر بين المسلمين والأقباط
انتهت نشرة الأخبار, كانت موجزة ومختصرة , بدأتُ رحلة مع أغنية كئيبة تذكرت بأني أتابع أحداث مسلسل محلي أسمه (ناسك الجبل) فيه شيء من المتعة , نوار يبحث عن نورا ليقتلها, العالم كله قتل في قتل حتى الأخ يتربص بأخيه ليقتله.
انتهى البث, أدرت مؤشر الراديو باحثا عن إذاعة أخرى, ليس أمامي غير (صوت العرب) لا أدري هل حقا كانت صوتا للعرب؟ هذا غير مهم الآن, المهم أن اسمع أي شيء -وأن أبدد وحشة الليل وتلك المشاعر المسكونة بالفشل والفراغ الممتد عبر مساحات جسدي الواهن- ومهما كان ذلك الشيء , ليس هناك غير طنطنة وتمازج في الأصوات, إذاعات اختلط بعضها ببعض , مسكينة (صوت العرب) لا بد أنها بدأت تشعر بالتعب, هدّها الكبر,ولم يعد يسعفها تدفق النيل الذي زاده الخيال والسحر والعطر والجمال, أصوات وأصوات سُمعت عبر أثير هذه الإذاعة, عبد الناصر والسادات, أم كلثوم ,وأسمهان, سيد درويش ,عبد الوهاب وعبد الحليم وفريد والسنباطي, جمعيهم رحلوا فيما هي ما زالت صامدة , كان الله في عونها, ازدادت الطنطنة إنها (دوشة) أنا في غنى عنها, سوف أبحث عن إذاعة أخرى, كنت يائسا من العثور على إذاعة الجمهورية العراقية .
لعب الحظ دوره, إنني الآن أرهف السمع لتلك الإذاعة, كان الصوت يتناهى إلى سمعي كئيبا حزينا, كأني به جاء من عوالم مجهولة, حتى الصوت انتابه شعور بالحزن .
لسنوات خلت كنا نسمع هذه الإذاعة في أي وقت من النهار, لقد وهن صوتها حتى لا تكاد تسمع , لماذا تعلو أصوات وتنخفض أصوات؟ ,لماذا يرتفع صوت الباطل ويضيع صوت الحق؟ نسمه باردة تسللت إلى مفاصلي , تدثرت (بشرشفي) جذبت المذياع وضعته فوق صدري , أخذت العب بمؤشره, لعل وعسى أن يكون الصوت أكثر وضوحا, عكـَّر سكون الليل تشويش حاد, كان يروح ويجيء, نكد عليَّ متعتي وأنا أستمع إلى مقام (البوذية )العراقي, أصيل هذا المقام, إنه يستمد أصالته من نخيل العراق الشامخ, من حضارته,عبر آلاف السنين , فيه رائحة (حمو رابي) و(نبوخذ نصَّر) فيه ما فيه من بابل الحزينة ,شعرت بأن لا فائدة ترتجى, أعدت المذياع إلى مكانه, تركته كما هو, ازداد الصوت وشوشة, امتدت يدي بفتور, غيرت الموجه إلى أخرى, ما هذه الإذاعات؟ القسم العربي من ألمانيا وقسم عربي من هولندا وآخر من النمسا, إذاعة موسكو وعموم الهند, الدنمرك , بث بالعربية من طهران,صوت اللجان الثورية من الجماهيرية العظمى , إذاعة قطر العظمى, صوت الإمارات العربية المتحدة , صوت
القسم العربي من أمريكا(صوت أمريكا) والقسم العربي من رومانيا, إذاعة تحتضر تبث بالعربية من جزر (واق الواق), لما كل هذا الاهتمام بالعرب؟ هنيئا للغة العربية, أصبحت لغة عالمية؟ ماذا يختفي وراء كل ذلك ؟ أختلط عليَّ الأمر, لم أعد أدري الى أي ِّ إذاعة أصغي؟ فضلت كتم أنفاس ذلك المذياع. قفلته غير آسف على ذلك , سرحت ببصري إلى السماء وددت في تلك اللحظة ,أن أغفو, كنت بحاجة شديدة للنوم, مرت بخاطري أحداث كثيرة, أصبحت كالمسجل أعيد ما اسمعه من أخبار .
إحساسي يقول بأني مصاب بهلوسة, مرة أخرى, عاد إلى ذهني ماجد سرحان وبوضياف والبوسنة و الهرسك , كابوس اسمه الأخبار يجثم على صدري ,اختلطت موجات عقلي بعضها ببعض , ليس هناك من حل غير القيام , وتناول كوب من الماء , حاولت النهوض, لم استطع, شعرت بارتخاء شديد, ثمة في أعماقي صوت يقول :
- بوسنه هرسك, هرسك بوسنه .
بدأ النعاس يتسلل إلى جفوني, كنت أعلل النفس ساعتها بسماع أخبار الصباح ,هناك جولة أخرى بصحبة جورج مصري ,لا بأس جورج رجل طيب وصوته حنون , لو كان جميل عازر لكان ذلك أفضل , كلاهما رائع كما دفء المدينة الضبابية , ويعود الصوت من جديد :
- بوس ... نه, هر ..سك, هر.. سك, بو..سنه
وغبت في سبات عميق , وأنا أعلل النفس بسماع الجولة الإخبارية الصباحية بصحبة علي اسعد هذه المرّة فقد نسيت جورج وجميل ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كابوس اسمه الاخبار /قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: