غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 قديمة / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: قديمة / قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 7:04 am

قديمة .. قديمة ..

كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء , عندما كانت الفنانة الكبيرة , ذات الصوت الملائكي - كما يسمونها- تضع اللمسات الأخيرة على ووجهها من الماكياج , الذي اختارته ورديا بلون فستان السهرة التي ستحييها , في هذه اللحظة بالذات , رن جرس الهاتف أكثر من مرة , رفعت سماعة الهاتف بتثاقل, فيما كانت تنظر إلى وجهها في المرآة , جاءها صوت من الطرف الأخر , قال متحمسا :
- نحن في انتظارك , لقد اكتظت القاعة بالمعجبين والمتحمسين لسماع صوتك الشجي .
- صوتي أنا ؟!!
- طبعا صوتك أنت, يا آنسة مفاتن ؟!!
- نصف ساعة , و أكون جاهزة.
عادت تنظر إلى نفسها في المرآة , ابتسمت مرة ومرتان , وفي الثالثة , أبدت رضاها , وكأنها كانت تبحث عن ابتسامة ترضي بها ذلك الجمهور المتعطش لسماع صوتها .
كان يجب عليها أن تحظى بإعجاب ذلك الجمهور , وكانت تدرك بما لا يقبل الشك , بأن نجاحها ومصيرها الفني يتوقف على هذه الليلة , سوف تكتب عنها المجلات والصحف , وسوف تكون نجمة الغلاف لإحدى المجلات الشهيرة , تنهدت قليلا مبدية بعض الارتياح عندما وصلت إلى مرحلة, تخيلت فيها بأنها نجمة الغلاف لهذا العام لتلك المجلة الشهيرة, مما بعث فيها حماسا وسرورا , شجعاها على الإسراع, للقاء جمهورها العريض .
تمتمت قائلة وقد برقت عيناها :
- مضى عهد كارلا ومحاسن , كلهن مبتدئات بالنسبة لي .
صمتت لبرهة , ثم تطاولت في أفكارها إلى مطربة كبيرة , مطت شفتيها بامتعاض , مشيحة بوجهها نحو اللا شيء , ولم تدر ماذا تفعل؟ تمتمت جامعة أشياءها :
- سوف يأتي اليوم الذي أحطمك فيه , لن يردد الناس غير اسم مفاتن, مفاتن وبس .
أدارت جهاز التسجيل واضعة فيه واحدا من ألبوماتها الغنائية , فيما راحت يدها الأخرى تشعل سيجارة , أخذت تنفث دخانها على أنغام تلك الأغنية , التي وكما يبدو, هي الأفضل في ألبومها الغنائي, هتفت مستبشرة وفرحة :
- لو يعرفون أي حنجرة حنجرتي؟ لو يعرفون روعة هذه, الأغنية وقيمة كلماتها التي حرصت أنا شخصيا على اختيارها , في هذه اللحظة , جاءها صوت من أعماقها يقول :
- إلى متى يا مفاتن؟ إلى متى ؟
وهنا رن جرس الهاتف الذي انقضها من وساوسها وحالة الهوس التي تعيشها , قالت :
- آلو مين؟
- معجب .
- مين حضرتك ؟
- قلت لك معجب .
كانت على وشك أن تضع سماعة الهاتف, معلنة عن سخطها من هذا المعجب الغليظ , بيد أن المعجب سارع إلى الرد قائلا :
- أنا الباشا .
هتفت قائلة :
- ملحم باشا ؟ أهلا وسهلا.
قهقه هو الأخر , مظهرا شيئا من الأبهة والتعالي الذي كانت تمقته في أعماقها :
- هل عرفت الصوت ؟
- وهل يخفى القمر ؟
قال بعد صمت متعمد :
- سمعت بأنك ستحين حفلا ساهرا الليلة , من ألبومك الجديد ؟
- هذا صحيح .
- إذا أنا في انتظارك بشوق .
وضع السماعة دون أن يسمع منها ردا , بينما سارعت هي إلى إقفال شقتها وكما الذي ينتظر مفاجأة, خرجت إلى الفناء الخارجي , ومعها مجموعة كبيرة من ألبومها الجديد .
سوف تقدم له نسخة خاصة كهدية منها, إنه مغرم بصوتها, إلى درجة كبيرة, نزلت درجات العمارة التي كانت تسكنها بسرعة مذهلة, بل إن مظهرها كان يبعث على الضحك وهي تقفز تلك الدرجات, حتى كادت تقع على وجهها, لولا أنها تداركت نفسها في اللحظة الأخيرة .
عندما دلفت إلى الفندق استقبلها أحد العاملين هناك, غير أنها تجاهلته ودخلت تبحث عن ضالتها المنشودة, بين تلك الوجوه التي كانت تنظر إليها بفضول زائد .
لابد أنه هنا لقد رأت سيارته الفارهة في الخارج , يجب أن تراه , قبل بدء السهرة , مليونير مثل ملحم باشا يعد صيدا ثمينا بالنسبة لها .
في كل مرة تدخل فيها الفندق تهتم كثيرا بالملصقات التي تحمل صورها , وباليافطات التي تحمل اسمها , ولكنها في هذه المرة نسيت كل ذلك , نسيت اليافطة التي تحمل اسمها , وذلك اللقب الذي كانوا يطلقونه عليها .
كانت قاعة الفندق تعج بالجماهير أطفال , ونساء , شبان , وكهول كانوا يقهقهون ويتسامرون . وسط تلك الغيوم من الدخان الذي كانوا ينفثونه من أفواههم .
ومع ذلك استطاعت أن تراه وأن تميزه, إنه يجلس هناك,يرتدي بذلة سوداء وقميص ابيض , أما ربطة العنق فكان لونها فاتحا, يميل إلى اللون الرمادي , حتى الحذاء كان لونه اسود , "حقا إنه باشا" .
قالت ذلك وهي تقترب منه .
مد يده إليها مصافحا, شعرت بيده تضغط على يدها, حتى كادت تحس بأنه لن يفلت يدها ,أدركت بأنه يخفي رغبة جامحة لاحتواها والاستحواذ عليها إلى الأبد, بيد أنها سحبت يدها برفق مظهرة نوعا من العفة المكشوفة .
بادرها قائلا :
- لساني عاجز عن وصف ما أرى , ما هذه الرقة؟! وما هذا العطر الذي يفوح من ثنايا فستانك الرائع ؟
علت وجهها حمرة,ثم هتفت مأخوذة بما قال وغير مصدقة في الوقت نفسه :
- هذا لطف منك يا ملحم باشا.
- هذه الحقيقة يا مفاتن .
كان من الذكاء بحيث يعرف كيف يأخذ بجماع قليها , بل إنه كان صبورا حد أنه قال لها:
- لن نمكث هنا كثيرا.
- الى أين ستأخذني ؟
- هناك عشاء فاخر بانتظارك, ومجموعة من الهدايا التي تليق بك , كفنانة كبيرة ,أدركت أنه يستدرجها لغاية في نفسه , مما جعلها تشعر بالحرج
فهي تدرك جيدا , بأن العشاء ربما يكون هناك في شقته,قال متوددا وملاطفا :
- لولاك لما جئت إلى هذا المكان. ولم يترك لها مجالا للتعليق أو الرد, قال مشعلا سيجارة على طريقة النجوم :
- ماذا في جعبتك من الحان جديدة؟
وهنا امتدت يدها إلى حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها "شريطا"
- ثم قالت:
- هذه نسخة خاصة من ألبومي الأخير, أرجو أن تحتفظ بها كهدية .
وامتدت يده هو الأخر إلى جيبه ثم أخرج منها ورقة مطوية, يبدو أنها "شيك" قال لها:
- وهذه هديتي لك .
تناولت الشيك بيد ترتجف نظرت إليه قائلة - محاولة إخفاء دهشتها- :
- أنت الوحيد الذي يقدر الفن وأهل الفن يا ملحم باشا.
ابتسم قائلا :
- هذا قليل من كثير يا مفاتن , المهم أن أدخل إلى قلبك وأحظى به وحدي , مع أنه كان يدرك في أعماقه بأنها من النوع الذي يأخذ أكثر مما يعطي وبأنها أنانية, تنظر إلى الجميع على أنهم مجرد صيد ثمين.
وشعرت بأن قلبها يخفق بشدة . ماذا يقصد من وراء ذلك , هل يريدني أن أبادله الحب؟
لماذا يخفق قلبها له الآن . هل هو صوت الحب؟ أم الفرحة "بالشيك" الذي لم تشك مطلقا بأن قيمته النقدية مرتفعة جدا ؟
ولكن قلبها لايعرف للحب معنى, فهي مجرد أنثى تسعى وراء الشهرة والمال , ورغباتها المكبوتة , ولم يحدث أن خامرها شعور برجل المستقبل, فالرجال كلهم بالنسبة لها مجرد أ صحاب نزوات وفرائس يسهل صيدها والإيقاع بها ,أم هو الحياء؟ الذي غادرها منذ زمن بعيد ,إنها لا تتقن إلا لغة واحدة , لغة "الأنا"
خاطبها ملحم باشا والذي لاحظ شرودها قائلا :
- هل أنت متعبة ؟
- لا أبدا.
- إذا إلى أين شرد ذهنك؟
- إنه هنا في القاعة.
نظرت إلى ساعتها قائلة:
سوف تبدأ السهرة بعد قليل, علي الذهاب إلى غرفتي الخاصة, لوضع بعض اللمسات.
قال لها وهو ينفث دخان سيجارته في الهواء:
- لا تنسي العشاء وقلبي معك في حلك وترحالك .
ردت عليه بإيماءة بسيطة من رأسها, ثم أخذت تشق لها طريقا وسط ذلك الموج من الناس, كانت الفرقة بانتظارها , عازف "الغيتار" كان جاهزا وعازفوا "الكمنجات" على أهبة الاستعداد وكذلك بقية الفرقة , إذا لم يبق غيرها .
راح الجمهور يهتف بشدة عندما صعدت إلى خشبة المسرح :
- مفاتن مفاتن.
امتد نظرها إلى الركن الذي كان يجلس فيه ملحم باشا, إنه لا يزال يدخن سيجارته , ينظر إليها من وراء زجاج نظارته السوداء لا بد أنه هو الأخر ينتظر على أحر من الجمر , إذاً سوف تغني من اجله, على الأقل ليس غير
وبدأت تغني وتغني , كانت أغنيتها الأولى محاكاة لأغنية مشهورة, سمعها الجمهور أكثر من مرة , أما الثانية فكانت لمطربة أخرى لم تجرِ عليها أي تغير يذكر , وهنا ارتفع صوت أحد السكارى قائلا:
- قديمة قديمة نريد غيرها.
وشاركه في ذلك ثاني وثالث . ثم سرت في القاعة همهمة شديدة وأصوات تسب وتلعن مطالبة إياها تقديم شيء جديد, ازداد الصخب في القاعة , وأخذ الكل يهتف بصوت واحد قديمة قديمة نريد غيرها.
"جمهور جاحد" قبل قليل كانوا ينتظرونها على أحر من الجمر والآن يتنكرون لها , شعرت بأنها تختنق وبأن صوتها يخونها وبأنها سوف تسقط , كان يجب عليها أن تغني ثلاث أغان أخرى غير التي غنتها ولكنها شعرت بأنها لن تقوى على ذلك, لذلك طلبت من قائد الفرقة إنهاء فقرتها ,انتظرت قليلا إلى أن يأتي ذلك المطرب الشاب , عزاؤها أنه شاب وليس شابة ,
صعد الأخير إلى خشبة المسرح لاحتواء نقمة الجمهور والحد من ذلك الصخب الدائر نظرت إليه بعينين زائغتين , كانت تنتظر من ملحم باشا التدخل لصالحها ولكنه لم يفعل شيئا,ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة لم تفهمها ,أعطت "الميكروفون" لذلك المطرب الشاب الذي ظنته للوهلة الأولى مطربة, فكل شيء فيه يوحي بالأنوثة
بل إنه يمتلك صوتا أرق من صوتها , وقوام رشيق أفضل من قوامها,
توارت عن الأنظار خلف المسرح, في تلك الغرفة , ودون أن تدري
أجهشت بالبكاء , كانت في أعماقها تزدري ذلك الجمهور وتزدري نفسها, لم تيأس كانت في كل مرة تحلم بالنجاح وتحلم أنها مطربة المطربات .
شعرت بأن أحداً يقف خلفها , نظرت في المرأة, رأت وجهه إنه ملحم باشا الذي كان ينظر إليها قبل قليل, قال متوددا:
- يجب أن لا تشعري باليأس أبدا هكذا يبدأ الكبار, فشل ثم فشل ثم نجاح .
- إني خائفة يا ملحم باشا.
- لا مكان للخوف هنا , هيا نخرج فالمكان غير مناسب لك الآن.
خرجت بصحبة ملحم باشا, كانت تشعر في أعماقها, بأنها فاشلة و بأنها ليست فنانة, إنها مجرد امرأة,تلهث وراء المال والمتعة .
لو كانت فنانة حقا, لما خرجت مع ملحم باشا بهذه الطريقة المهينة ولما قبلت "بالشيك" "لا لن تبقى معه", وفجاه صرخت قائله :
- أوقف السيارة يا ملحم باشا
- شعر بالذهول ثم قال:
- لماذا يا مفاتن ؟
- أريد أن أعود إلى الفندق , نسيت شيئا هاما في السيارة
- سوف نعود إليه فيما بعد .
قال ذلك محاولا استدرار عطفها نحوه .
- قلت لك أوقف السيارة , لا أريد الذهاب إلى أي مكان , فأنا متوترة الآن وهذا "الشيك" لا أريده . أوقف ملحم باشا السيارة
مذهولا,فيما هي ألقت "الشيك" في وجهه قائلة :
- لن أقبل هدية من أحد .
كانت تقود سيارتها وشعور يغمرها بالفشل و بأنها تسير في الطريق الصحيح , كان صوت واحد يتردد في إذنها قائلا:
- قديمه . قديمه
حاولت أن تطرد ذلك الهاجس من خيالها ,غير أنها لم تستطع فعل ذلك .
كانت تشعر بأنها تسير نفق مظلم ولا تسمع إلا تلك الكلمات . قديمة.. قديمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قديمة / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: