غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 عندما يسقط الصمت / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: عندما يسقط الصمت / قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 7:03 am

عندما يسقط الصمت..


حقا إنها لحظات لا تخلو من الإزعاج تلك التي التقي فيها بعامر, كانت تربطني به صداقة قديمة, منذ أيام الدراسة الأولى, كنت أكن له شيئا من الاحترام ورغم ذلك كنت أتحاشى الجلوس معه أو الخوض في أي موضوع يكون هو طرف فيه, فهو لا يترك لي الفرصة للكلام أو التعبير عن وجهة نظري , يشرِّق ويغرِِّب , يتحدث في مواضيع شتى , حتى إنني وصلت إلي درجة لم أعد أميز في أي موضوع يتحدث , فمرة ينقلك إلي عالم الفضاء البعيد, حيث الكواكب والنجوم والمجريات , ومرة يغوص بك في أعماق البحار والمحيطات, ليقول لك بأنه رأي أشياء لا يصدقها العقل في برنامج وثائقي عن البحار والمحيطات, ومرة يحدثك عن الفن وأهله , و مرة تجده خبيرا من خبراء الأسلحة لا يجاريه في ذلك أحد.
وإذا ما أراد أن يناقشك في موضوع ,أي موضوع ,عدَّل من جلسته,واضعا الساق على الساق, ليمط بعد ذلك شفتيه بادئا معك معركة كلامية لا تدري متى ستنتهي ,كان يدعم كلامه بالأمثلة والشواهد التي لا تدري من أين يأتي بها ,ثم يضع الحكمة في غير موضعها ,ويضرب لك الأمثال , لأتفه الأسباب, فيما أنا أهز رأسي موافقا على كل ما يقول أو يذكر من شواهد وأمثلة, والويل لي إن قاطعته أو شككت في معلومة من معلوماته, وسولت لي نفسي مرة مقاطعته , لقد شعرت بالحسرة حينها, عندما ضاع صوتي وسط عباراته الرنانة ,وصوته الهادر الذي يطغى على كل شيء, وهكذا لا تملك إلا أن ترفع يديك له علامة الاستسلام ,مصغيا لما سيقول, كان عامر بالنسبة لي ولحفنة أخرى, من أصدقائه يرمز لأشياء كثيرة , فهو بالنسبة لهم المهرج الاول ,صاحب النكتة اللطيفة والظريفة,كان بمثابة ,مذياع يتجمعون حوله لسماع الأخبار والنوادر, بل إنهم لا يتورعون عن قذفه بكلمة جارحة ,أو عبارة نابية ورغم ذلك كان على قدرة كبيرة من التحمل والتجاهل لما يقولون,بينما أنا كنت لا اتفق معهم في ذلك, لسبب واحد بسيط ,هو أن عامر كان على درجه كبيرة من طيبة القلب وحسن الخلق وخفة الدم ,فهو رغم زياراته المتكررة لي ,كان يغض الطرف ,ولا يكلفك أكثر من إبريق شاي , أو فنجان قهوة .
الحقيقة أني تعودت عليه ,حتى بت لا أجد لذة للحديث, إذا لم يكن موجودا, وكانت ثرثرته تحمل في طياتها المعلومة المفيدة والنكتة الظريفة .
زارني ذات مرة, بعد غيبة طويلة , قال بعد , أن جلس أمامي مباشرة :
- كيف أنت لم أرك منذ مدة ؟
- بالعكس أنا الذي لم يرَك.
- لقد زرتك بالأمس ولم أجدك.
ولم يترك لي فرصة للرد, فأردف قائلا :
- مازن كان عندي بالأمس وهو يهديك السلام
- سلمك الله .
- هل قرأت الخبر المنشور عن نهائيات كأس العالم ,وحوادث الشغب التي حدثت هناك؟, يقولون : أن عددا لا يستهان به من الضحايا قد وقع .
فتحت فمي كي أشاركه الحديث ,غير أنه قتل الكلمات عند لحظة خروجها , قال متابعا :
- يا للأسف ,لو رأيت المدرجات وهي تنهار ,والناس وهم يقفزون خوفا وهلعا من أعلاها,الذي حيرني , هو كيف استطاع المصور أن يلتقط كل تلك المشاهد ؟.
رفعت صوتي قائلا:
- لقد رأيت كل شيء .
قلت بعد صمت :
- اخبرني عن أحوالك الخاصة, الآن وهذا يكفي, قال وكأنه لم يسمع كلماتي التي كنت أخاطبه بها .
- يجب أن تكون هناك إجراءات خاصة .ورادعة, للمحافظة على الأرواح والممتلكات , لقد تكررت مثل هذه الحوادث كثيرا في بريطانيا ,وفرنسا .وغيرها من الدول ,اشعر بخوف شديد من تسرب مثل هذا الأحداث إلى ملاعبنا لقد حضرت مباراة بالأمس ,جعلتني اشعر بالاطمئنان ,كان جمهورنا حقا على قدر عال من الروح الرياضية .
تركته قليلا وخرجت لأحضر إبريقا من الشاي, كان قد أعد للتو, رشف منه الكأس تلو الكأس , ليبدأ حديثا جديدا لا أدري ما هو؟ أشعل سيجارة أخرى أخذ ينفث دخانها بشدة وعصبيه قائلا :
- كنت على وشك الانفجار من شدة الحنق والغيض بالأمس.
قلت ممتعضا ومستغربا :
- يا ساتر, خير إن شاء الله؟ .
- ألم تسمع بأحداث مكة المكرمة ,تصور أن يصل الحقد والجهل بأولئك الكفرة الفجرة ,أن يحاولوا نسف أطهر بقعة على وجه الأرض (مكة).. أخر مكان في الدنيا يمكن لانسان أن يتصور بأنة مهدد أو مستهدف !! وبأن هناك خلق لا يخافون الله يحاولون نسفه أو تدميره نسأل الله العفو والعافية .
قلت وقد هالتني قدرته على الانتقال من ملاعب الكرة إلى الحديث عن مكة المكرمة :
- آمين.
قال بعد أن جذب نفسا من سيجارته التي تنتظر دورها لتستقر في المتكة:
- ألا يكفيهم ما يجري في لبنان؟ ,وفي فلسطين ,ألم يكتفوا بحرق الأقصى؟ .جاءوا الآن لتدمير مكة , نسأل الله أن يدمرهم ,ويفرق شملهم, قلت وأنا أشعر باليأس ,لأنه لن يسمع مني :
- إن من يفعل ذلك ليس لديه إلا هدف واحد ,هو النيل من ديننا العظيم ومحاولة القضاء على أعظم مقدساتنا ,التي تعد رمزا مقدسا للإسلام العظيم ولأمة العرب ,تنهد قائلا وكان طنا من الحجارة ازيح عن صدره :
- قدرة الله فوق الجميع.
ومرة أخرى رشف رشفه من الشاي .ثم قال :
- ليس هناك حل ,الحل الوحيد هو الضرب بيد من حديد . إنهم أعداء الإنسانية, ليس لهم هم إلا التخريب والقتل, تحت أغطية باتت مكشوفة لدى كل الناس ,إنهم مجرمون ,قتلة ,خون,
في هذه الأثناء, شعرت أني مغلوب على أمره, أمام هذا الاجتياح الصارخ وأني سوف أظل أهز رأسي علامة الموافقة والايجاب دون أن يكون لي حق التعليق او المقاطعة:
قال ودخان كثيف يخرج من كل فتحه في رأسه :
- صحيح نسيت أن اقول لك بأني جئت من أجل فكرة, كنت قد طرحتها على (الشلة )
- ايه فكرة؟!!
- فكرة بسيطة ,وافقَ عليها عدد ليس بالقليل من الشلة.
- يبدو أنها بسيطة حقا.
- تأكد أنها تخدم الجميع, لقد طرحتها منذ فتره لم يرفضها أحد قط .
- لم تقل لي ما هي هذه الفكرة ؟
- لم يبقَ إلا أنت ,ولا ادري هل ستوافق عليها ام لا ؟
- قلها حتى أوافق عليها .
- تأكد بأنك لن تخسر شيئا, بالعكس سوف تستفيد من ذلك كثيرا.
قلت وقد نفذ صبري, حتى كدت الطم وجهي :
- يبدو أني لن أوافق على فكرتك .
- بل ستوافق.
- لا حول ولا قوة الا بالله , اللـَّهم (طولك ياروح) .
في هذه اللحظة لا أدري لماذا امتدت يدي إلى المذياع؟ تمنيت لو أنها قطعت قبل أن تمتد الية
كان المذيع يقدم برنامجا أدبيا ,عن الشعر والشعراء, تدخل عامر مقاطعا عندما سمع المذيع يقول: ( من طلب العلا سهر الليالي ) قال:
- حقا من طلب العلا سهر الليالي ,أعتقد أن القائل هو (شوقي) ومطلع البيت هو (بقدر الكد تكسب المعالي .ومن طلب العلا سهر الليالي )تدخلت صارخا بأعلى صوت :
- يا رجل (أي شوقي) ؟هذا شعر قديم ليس لأحمد شوقي علاقة به لا من قريب ولا من بعيد.
- ليس مهما القائل المهم المعنى .
وهنا قلت له ونار تشتعل في صدري بعد أن شعرت بأنه سوف يدخلني في متاهة لا سبيل للخروج منها :
- دعنا من الأدب والأدباء وعد بنا إلى تلك الفكرة التي لم تخبرني عنها إلى الآن .
- آه حقا نسيت , الآمر في غاية البساط ,إنها رحلة صيد طويلة ربما تمتد إلى يوم أو يومين, شعرت بأن مطرقة تهوي علي راسي , فتجعلني أغيب عن وعي قلت متأسفا بعد أن شدني لبرهة :
- ولكنها فكرة قديمة , لطالما قلت لي عنها.
- هذا صحيح ولكن هل نفذناها ؟, هل قمنا بها؟
- لا أبدا.
في هذه الأثناء عاد يصغي , مرة أخري إلى المذياع ,كان يرهف السمع بشدة, حتى لتظنه قط يهم بالوثوب على فرسيته , شاركته إصغاءه إلى المذيع الذي كان يقول :"هذا وإلى الآن لم يعرف عدد الجرحى , والقتلى وتبذل قوات من الأمن جهودا جبارة لإنقاذ اكبر عدد ممكن من الجرحى" قال متحسرا:
- هل سمعت؟ انفجار هائل في طائرة,يؤدي إلى مقتل جميع ركابها, بما فيهم طاقم الطائرة ,لقد كثرت حوادث الطائرات هذه الايام ,لا أدري كيف يدخلون إلى تلك الطائرات ومعهم تلك المتفجرات ؟,رغم تلك الإجراءات الأمنية المشددة , حتى أنهم ...
قاطعته صارخا وحانقا :
- مالنا ولهم ؟,لقد أصبحت مثل هذه الامور أمرا عاديا .
- أمرا عاديا ؟ ومن قال ذلك ؟ ,إنها أرواح , وليست أثاثا رخيصا , مع الأسف أين حسك الإنساني الذي كنت تحدثني عنه دوما ؟ فضلت الصمت على الكلام ربما يكون ذلك أبلغ بالنسبة لي ,مد يده إلى المذياع قائلا :
يا إلهي كيف نسيت ,هناك أغنية لعبد الوهاب سوف تبث الآن .
أدار مؤشر الراديو نحو إذاعة (صوت العرب) ,التي كانت بالفعل تبث أغنية لعبد الوهاب ,قال وقد تهللت أسارير وجهه, كما لو كان قد عثر على ضالته المفقودة :
- إنها الجندول هل سمعتها ؟,إنها رائعة من روائع عبد الوهاب .
- ألهذه الدرجة أنت مغرم بعبد الوهاب ؟
- إنَّه يذكرني بأشياء كثيرة, هذه الأغنية بالذات, لها قصة طويلة .
وزفر زفرة قويه , خلت أن روحه سوف تخرج معها ,أشعل سيجارة ,ثم سرح ببصرة بعيدا وكأني غير موجود , كانت قسمات وجهه توحي لي بأشياء كثيرة , فيها الكثير من الألم, بيد أن السؤال الذي حيرني هو , ما علاقة الجندول بتلك القصة ؟
قال بلوعة :
- زمن لايرحم .
قلت وقد ذقت ذرعا :
- يبدو أنك ضيعت عمرك بالأوهام ؟
لا أدري ,هل كنت أخاطب نفسي بذلك أم أخا طبه هو؟ إنه لا يحس بوجودي معه ,كان يدندن مع الأغنية, إنه يحفظها عن ظهر قلب .
السجائر تهزم على فمه السيجارة تلو السيجارة ,امتلأت المتكة بالسجائر متناثرة حولها وعلى الطاولة الصغيرة التي نجلس حولها , كنت اشعر بأن سلاسل من حديد تشدني بقوة تخنق العبارات في حلقي ,إنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالضيق من هذا (العامر).. ,امتدت يده إلي إبريق الشاي الذي كان فارغا , لم أتدخل ,تركته يعيد الإبريق إلى مكانه دون أن ينبس بكلمة , كان يعيش في عالم آخر من التأمل والترديد
فجأة وعلى حين غرة انقطع التيار ,شعرت أن أنفاسه قد انقطعت مع انقطاع التيار , أخد يسب ويشتم التيار و الكهرباء, والحياة.تنفست الصعداء عندما نهض واقفا , ليقول:
- أنا خارج.. يجب أن اسمع الأغنية كلها.
- قلت وكلي حذر, خوفا من أبدأ معه حديثا آخر:
- لتحفظك عين الله يا عامر.
- هل تريد مني شيئا ؟
- لا أريد لك إلا العافية.
كان يقف علي عتبة الباب, إنه من القدرة بحيث يمضي ساعة على الأقل واقفا على عتبة الباب,تمهيدا للخروج قال وهو يهم بالخروج:
- أرى أن نؤجل فكرة الصيد فالجو لا يساعد علي ذلك .
- نِعم الرأي .
قلت ذلك, بعد أن جذبت نفسا طويلا , استرخيت بعد ذلك في مقعدي منهكا, كما العائد فعلا من رحلة صيد منهكة .
غور الصافي – 1/6/1992
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عندما يسقط الصمت / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: