غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 المعطف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: المعطف   الأربعاء أغسطس 04, 2010 7:02 am




المعطف/ قصة قصيرة ..


كان المعطف الأزرق الداكن مركونا ومعلقا في خزانة ملابسها, مهملا منذ سنة تقريبا , علته مسحة من غبار متراكم, وشيء من رطوبة جعلته ينكمش شيئا ما , باحثا عن ذلك الدفء وتلك النشوة التي كانت تجعله يبدو أكثر دفئا ونعومه عندما يلف جسدها المخملي, ويصبح جزءا منه,رسم في خياله الخصب المتداعي صورا شتى للحظات اللقاء التي ربما تكون اكبر من أن تحتملها بطانته الرطبة, وأكبر من أن تستوعبها ذاكرته المفرغة من لقاءاتها منذ عام ,بصيص الأمل ينبعث في عقله وفي وجدانه عند أول قطرة ماء, ساعتها لابد وان تهرع لارتدائه, عندها فقط سيعانق ذلك الجسد المفعم بالحيوية وينتشي لساعات طوال باحتوائها ودفئها.
على حين غرة فتح باب الخزانة ,وقفت تتأمل ذلك الكم الهائل من أشيائها وملابسها , تنقلت أصابعها من قطعة إلى أخرى ,مرت بالمعطف الذي كان يستصرخ, ويستغيث طالبا الرحمة والشفقة , لسان حاله يقول: "عام كامل وأنا مهمل وملقى في هذه الزاوية" .
توقفت أصابعها فوقه تماما , لمسته بأصابعها الرقيقة , كانت مترددة في ارتدائه , انتقلت بأصابعها إلى أخر, كان لونه احمر مشوب بشيء من الصفرة والزرقة ومرة أخرى تمتمت قائله : "هذا مناسب" , سرت في الأخر أي الأزرق قشعريرة, وغيرة لو كتب لها أن تترجم إلى ثورة لحطمت الخزانة وما فيها .
توقفت للحظات ,وأعادت النظر في قرارها الذي اتخذته قبل قليل, ثم ومرة أخرى عادت اصابعا تمسح اكتاف المعطف الأزرق, الذي راح يرقص طربا وفرحا, لابد أنها اتخذت قرارها المناسب بارتدائه, ودون تردد أخرجته من مكانه الذي أمضى فيه عاما كاملا يتجرع ألم عدم الارتداء ولوعة عدم شعوره بالدفء ,وهو يلف جسدها المخملي في حين يعانق شعرها المسترسل الغجري نهايات الحزام الذي كان يتدلى تيها وزهوا من الجانبين .
عندما استقر المعطف الأزرق في مكانه, وعندما اطمأن إلى أنه نزيل جسدها الذي قد يصيبك بالجنون, فيما لو كتب لك ملاحظة ما قد يبدو من تقاسيمه, وتقاطعيه , راحت هي تشده مرة وترخيه أخرى ,بينما( قبة) المعطف, وعند محل قرطها راحت تقيس المسافة من مهوى قرطها إلى أكتافها في رحلة مليئة بالتيه, والنشوة , لتجد بعد ذلك كم هي بعيدة تلك المسافة , وعلى الجانب الأخر كانت نهايات (القبة) الحادة تلامس أنفها المتقن الإبداع , وتختلس النظر بين لحظة وأخرى إلى قمته الحادة المنتصبة كما قبة الهرم, شامخا تيها ونشوة بتلك الأنفاس التي كانت تنبعث منه , كانت تقف أمام المرآة تراقب بقايا الماكياج الذي كان يلطخ وجهها, فضلت التخلص منه, وتغطية جانبي وجهها( بقبة) المعطف الذي كانت سعادته لاتوصف وبحركة لا شعورية أدخلت كلتا يديها في جيبي المعطف, الذي شعرت به يستغيث, ويلهث طالبا بقاءهما أطول فترة ممكنة داخل الجيبين , عادت إلى الوراء لتطمئن إلى أنها لم تكن مخطئة في قرارها, وعندما وصلت إلى قناعة مطلقة بأنه المعطف المناسب خرجت إلى حجرة مجاورة , أخذت بعض أشيائها وخرجت .
في الوقت الذي كان فيه المعطف الأزرق يعيش نشوة لا توصف وينهل من عطورها وبخورها ويقيس الإبعاد بين مكان وأخر من جسمها , هناك وفي خزانتها بالتحديد كان المعطف الأحمر المشوب بشيء من الصفرة والزرقة يعيش أسوا أيامه بعيدا عنها مهملا يكاد يقتله الظمأ إليها , لاحت منه التفاتة إلى ما بقي منه , كانت صورته باهتة شيئا ما, ويداه تتدليان كما لو كانتا صورة ليأس كتب له أن يكون مزمنا لا خلاص منه .هناك وفي مكان ما حدث ما لم يكن بالحسبان, تمرد المعطف الأزرق الداكن, تمزق جزء منه عندما علق في باب سيارتها , نظرت إليه ساخطة ولاعنة , رمقته بعينيها اللتين رأى فيهما ما جعله ينهار ويسقط متهاويا عند قدميها

تماما كحصان أصيل لم تعد منه أية فائدة , لأن قدمه كسرت , كان ينتظر منها رصاصة الرحمة
, لم يستعطفها, أو يطلب منها الشفقة ,استسلم لقدره المحتوم, فلم تعد منه أية فائدة , تجرع ألم إلقائه من نافذة السيارة في اقرب مكب للقمامة, تقوقع وتجمع وتدحرج, ليستقر فعلا في قاع الحاوية, قاذفة بقاياه بسباب ولعان لاذعين .
وأجهش بالبكاء حد النحيب, وهو يرى سيارتها تبتعد عنه وزاد نحيبه وعويله أكثر وهو يراها ترتدي منافسه ذلك المعطف الأحمر المشوب بالصفرة والزرقة وتمر بأناملها عذبة الدفء فوقه وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة سبه لاعنا وساخطا .. اللعين اللعين



خالد العشوش
khaledoshoosh@yahoo.com



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المعطف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: