غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الطفل الذي صنع رجلا/ قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: الطفل الذي صنع رجلا/ قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 6:59 am

الطفل الذي صنع رجلا..


بدأ الشارع خاليا من المارة تماما , كانت ليلة عاصفة, سقطت فيها أمطار غزيرة, الأضواء ظلت خافتة حتى بعد تلك العاصفة ,الأوساخ التي تراكمت داخل الزجاج الواقي لتلك المصابيح, كانت سببا في انبعاث الضوء ضعيفا وخافتا منها.
الشارع موحل إلي درجة لا يسمح فيها بالسير , الأرصفة شبة منهارة , لكثرة الانجرافات التي حدثت في تلك الليلة .
بعد زوال الغيوم بدت السماء صافيه أيضا في تلك الليلة, و النجوم تتلألأ في وسطها , منعكسة على صفحات بقايا الماء المتجمع هنا وهناك .
مزق الصمت صوت طلق ناري , ثم صرخة شديدة , صادرة عن حنجرة إنسان , وأصوات خطوات صادره من رأس الشارع , كان يلهث بشدة ذلك القادم من أعماق الليل , يركض كما لو كان الموت يطارده,خلفه شخصان آخران, لا بد أنهما يطاردانه , الدماء تنزف من كتفه بغزارة, كان همه الوحيد آن ينجو بجلده هذه الليلة , من براثن الشرطة .
التفت وراءه , إنهم يقتربون منه , زاد من سرعته في الركض , كانت أقدامه تغوصان في برك الماء , الذي كان يتطاير حوله , (طرطشة) الماء كانت تبعث في نفسه خوفا وهلعا شديدين , تعثرت إحدى قدميه , غاص في بركه موحلة , تحول إلي كتلة مبتلة مشبعة بالطين والوحل , لم يكن يعبأ بذلك, شعوره بالخوف وحبه للنجاة, جعلاه ينتفض واقفا ونظره لا يزال متجها صوب مطارديه, انعطف في شارع فرعى , اختبأ قليلا في زاوية مظلمة ليجمع أنفاسه, كانت خطوات الشرطيين تقتربان منه, إنهما يقفان بالقرب منه, ضوء المصباح في يد أحدهما, كان يتحرك بسرعة وفي كل الاتجاهات, بحثا عنه, كما لو كانت هناك جائزة للقبض عليه, التصق بالجدار حتى أصبح جزءا منه , مرَّ ضوء المصباح بالقرب منه, قال أحد الشرطيين:
- لا بد أنه سلك هذا الطريق.
قال الآخر:
- لا اعتقد ذلك, ربما ظل سائرا في هذا الاتجاه .
- لماذا لا يكون مختبئا في إحدى هذه الزاويا ؟
- إنها مظلمة لا يبدو منها شيئ.
- لولا هذه البرك اللعينة, لبحثت عنه هناك .
- لو أنها ابتلعته لتخلصنا منه .
- ما أن أكمل الشرطي عبارته, حتى سمع صوت ارتطام شئ في الجهة المقابلة , صرخ أحدهما قائلا :
- إنه هناك .
- اللعنة, كيف وصل إلي ذلك الشارع؟!!
ابتعدوا عنه قليلا , تنفس الصعداء , فيما لا زال ملتصقا بذلك الحائط , كانت لعبة قديمة , انطلت علي ذانيك الشرطيين , رمي حجرا إلى الجهة المعاكسة لإبعادهما , لم يضيع الوقت , أخد يركض في ذلك الشارع , تجاوز أزقة أكثر من حيٍّ إلي الفضاء الخارجي , إن بقاءه طويلا في هذه المنطقة لا بد وأن ينكشف , يجب أن يبتعد من هذا المكان, إلى مكان أكثر آمنا بالنسبة له .
أصبح خارج المدينة , آلم حاد في كتفه الأيسر , رأى خيطا من الضوء عن بعد , زاد ذلك من عزيمته وتنبيه حواسه للنجاة , كان يلهث بشدة , أنفاسه متقطعة, أخد يوبخ نفسه أثناء زحفه نحو ذلك الخيط من الضوء , إنه يمارس كسبا غير مشروع , إنه لص يعيش علي السرقة, لماذا سلك هذه الطريق ؟ كان وجهه يحاكي وجوه الأموات في تلك الليلة , خارت قوه , أخد يجر نفسه جرا نحو ذلك الخيط من الضوء ,أصبح يقف بالقرب من ذلك الخيط , ميز المكان رغم تلك العتمة التي كانت تلفه, إنه بيت صغير ,له باب واحد تناهى إلي سمعة ثغاء أغنام, تبعها نباح لكلب ,شعر بشيء من الراحة , سوف ينبه صوت الكلب أهل البيت, هذا كل ما يريده , اقترب من الباب, أخذ يطرقه بشدة ,عاود الطرق مرة أخرى, جاءه صوت من أعماق ذلك البيت , قال الصوت بعد أن سعل أكثر من مرة :
- لحظة ,لحظة !!
سقط مغشيا عليه قبل أن يصل إليه صاحب الصوت ,انفتح الباب على مصرعيه, مثيرا ضجة قوية وعالية .وقف على عتبته رجل في العقد الخامس من عمره, حملق في الشخص الملقى أمامه والقادم من أعماق الليل وفي مثل هذه الليلة الباردة, بشيء من الدهشة, امتدت يده إليه آخذ يتحسسه بيد مرتجفة ,التصقت يده بالجرح النازف دما , ندت عنه صرخة خافته ,قال متمتما وساخطا :
- أية مصيه هذه, إنه ينزف ؟!
عاد الرجل إلى الداخل ,أشعل فانوسا صغيرا ,بدد ظلمه ذلك المكان وأيقظ النائمين بسلام , اتجه نحو زوجته النائمة في فراشها, لكزها في خاصرتها .لم تستيقظ , حاول مرة أخرى,أبدت انزعاجها قائلة:
- ماذا تريد في مثل هذه الساعة ؟
أشار الرجل بيده صوب الباب قائلا :
- انظري هناك .. ؟!
قالت وشيء من النعاس ما زال يغشى عينيها :
- ضيف في مثل هذه الساعة ؟!!
- إنه ينزف .
أزاحت شيئا من الأغطية التي كانت تلف جسدها المكتنز والدافئ قائلة :
- ينزف ؟!!
- وبغزارة كما لو كان مصابا بعيار ناري ؟
- آية متاعب هذه ؟
- يجب إنقاضه وإلا ..
قالت الزوجة خائفة ووجلة وقد طار النوم من عينيها :
- وإلا ماذا ؟
نهضت المرآة واقفة ,كانت تشعر بالخوف, أثارت ضجة داخل البيت وجلبة مشحونة بالحيرة , جعلت طفلين صغيرين يتكوران في أعماق فراشهما, يراقبان ما يجري.
كان ذلك اللص, ما زال ملقى على عتبة ذلك الباب, تقدم منه صاحب البيت جره إلي الداخل ,مدده في زاوية الحجرة المقابلة لحجرة نومه,التي ينام فيها مع زوجته وطفليه , عاد مرة أخرى إلى الباب , حدق في الظلام , ليس سوى الماء وأضواء النجوم الخافتة , ,اطمأن قليلا, قال همسا :
- ليس هناك رفاق .
أوصد الباب جيدا ثم عاد إلي الداخل, كانت الزوجة مشغولة بإشعال بابور الكاز , فيما الزوج أخذ يحثها على الإسراع في إحضار قطعة من قماش, لف بها جرح ذلك اللص , بعد أن نظفه جيدا , قال ذلك اللص متألما :
- ماء ,ماء
أحضر الرجل الماء, دون أن يقول شيئا ,كان يرمقه , كما لو كان يوجه له سؤالا , قال بعد صمت وتدبر :
- إنك مصاب برصاصة, يبدو أن في الأمر ما يثير أكثر من سؤال.
- سوف أشرح لك ذلك فيما بعد ,المهم أن تساعدوني في إخراج الرصاصة إنها تؤلمني .
سوف نساعدك .ولكن ليس بعد الانتهاء من إعداد الماء الساخن. كانت زوجة الرجل قد انتهت من إعداد الماء الساخن, أحضرته بحلةٍ كبيرة ,قال الزوج وهو يسكب الماء على الجرح :
- اصنعي له شيئا من الطعام . لا بد أنه جائع .
خرجت الزوجة ,بعد أن أظهرت شيئا من التقزز لمنظر الدم الذي كان يلطخ قميص ذلك اللص , فيما الزوج راح ينظف الجرح لإخراج الرصاصة الغائصة في كتف ذلك اللص , والذي بدوره اظهر قدرة وقوة تحمل حيرت الرجل , وأخيرا ظهرت تلك الرصاصة, كانت غائرة في الكتف ويبدو أنها من العيار الثقيل , تناول الرجل سكينا حادة , كان قد وضعها فوق (البابور) , اختلط صوت الرجل بصراخ ذلك اللص المتألم , قال له مطمئنا :
- آلم ساعة,خير من آلم أيام.
وأخيرا انتزع الرجل الرصاصة وسط ذهول ذلك اللص, الذي تنفس الصعداء عندما رأى الرصاصة التي اخترقت كتفه .
قال ممتعضا وممتنا :
- هذا دين لن آنساه لكم.
رد الرجل وهو يجمع أشياءه:
- استغفر الله هذا واجب.
لم ينم ذلك اللص في تلك الليلة , كانت ذراعه ملفوفة بقطعة قماش كبيرة , شعر بشيء من الراحة تدب في أوصاله , كان لا يدري كم سيبقى على هذا الحال؟, شعر في قرارة نفسه, بأنه جلب لهذه الأسرة متاعب هي في غنى عنها , أقلها التستر عليه ,فكر في التسلل والهرب لرفع الكلفة عن هذه الأسرة, التي على ما يبدو أنها طيبة وبريئة لا تحتمل فكرة أنه لص هارب ومطارد من رجال الشرطة , على كل حال الصباح على وشك أن يصبح "وفي الصباح رباح" تمتم قائلا , كان في نظراته المتلصصة , يبحث عن شيء ما في تلك الحجرة التي يتمدد فيها منهكا ومتعبا ,ليس ثمة ما يلفت النظر غير بعض الأغطية القديمة والبالية ,فيما إلى جواره كميات كبيرة من الأعشاب وقطع من الحطب اليابس المخصص للتدفئة , وفوق رأسه تماما نافذة صغيرة تسمح بمرور رجل, حاول الوقوف على قدميه , لم يستطع , بدأ النعاس مع أول خيط من خيوط الفجر يتسلل إلي عينيه .
مضي عليه وقت طويل وهو لا يزال يغط في النوم ,عندما استيقظ تصور أنه يحلم, نظر حوله ,إنه لا زال في الغرفة نفسها , مستلقيا فوق ذلك الفراش , الأعشاب نقص منها شيء بسيط ,لابد أنهم أخذوا جزءا منها للماشية التي كان يكتظ بها الفناء الخارجي للبيت .
سمع طرقا خفيفا على الباب ,أعقب ذلك دخول طفل لم يتجاوز الحادية عشره , كان في وجهه نظارة وذكاء, لفتا نظر ذلك اللص, قال الصبي وهو يقدم له صينية كبيرة:
- الفطور لقد اعددتة بنفسي .
- بنفسك أنت ؟!
أشار الصبي - الذي ازداد وجهه إشراقا - بيده إلى الخارج ثم قال:
- والدي ووالدتي في الخارج انهما يعملان في الحقل .
ظل ذلك اللص صامتا , انتابه شعور بالخجل , طفل صغير يقوم بصنع الطعام له وأسرة بكاملها سهرت ليلة كاملة على راحته دون أن تتعرف عليه , قال دون أن يسمعه الصبي :
- إنني لا استحق كل ذلك .
بدد صوت الطفل شروده عندما قال :
- لقد رايتك ليله أمس , كنت متعبا , و مصابا .
- لاشيء إنها مجرد رصاصه أصبت بها خطأ.
- من أطلقها ؟
شعر بالحرج امام هذا السوال المفاجيء ,قال وهو يحاول شرب الشاي بيد واحد ة :
- الشرطة .
كان الطفل من الذكاء , بحيث أدراك أن لا فائدة من الأسئلة الآن, سكب شيئا من الشاي, في الكوب الفارغ , شرب ذلك اللص محتوياته كاملة , قال اللص للصبي :
- ما اسمك ؟
- سلطان
- وأنت ؟
- أنا . . يلقبونني ( سبع الليل)
- هذا اسمك ؟!
قال اللص محاولا قطع الطريق على الصبي سلطان, لعدم معرفة اسمه الحقيقي :
- آنت طفل رائع يا سلطان .
تظاهر سلطان بأنة لم يسمع شيئا, كان مشغولا بحشو قطعة من الخبز ببعض اللبن والزبدة, قال بعد أن ناولها للص :
- تفضل يا سيد فهد , أقصد سبع الليل .
لجمت المفاجأة اللص , الذي قال :
- كيف عرفت اسمي ؟!!
- إنه مكتوب هناك .
وأشار الصبي إلى مجموعة من الأوراق الخاصة باللص, منها بطاقته الشخصية ,تناول فهد فطيرة الزبدة واللبن , بعينين لاح فيهما الامتنان العميق والإعجاب بالصبي , لم يحاول التبرير أو التعليق فقط قال :
- سوف ارحل غدا أو بعد غد .
- لا لن ترحل حتى يلتئم جرحك .
- ليس هذا مهما .
- لن ترحل, لأني رأيتهم يبحثون بالقرب من هذا المكان .
- من هم ؟
- الشرطة .
قال اللص وقد توقف عن تناول الطعام :
- هل قلت لهم شيئا ؟
- قلت لهم, بأني لم أر أحدا .
- شعر فهد بالراحة,قال وقد زاد إعجابه بالصبي :
- ألم أقل لك بأنك رائع يا سلطان ؟
انتهت وجبة الإفطار , جمع سلطان ما بقي من طعام, ثم اختفي في الحجرة الاخرى .
ظل فهد وحيدا , شعور بالأسى يمزقه , أصبح يشعر , بميل شديد لذلك الطفل ,الذي لم يفضح آمرة أمام الشرطة ,ثم إنه تولى صنع الطعام له بنفسه , ماذا لو عرف إنه لص حارات وأزقة لا يتورع عن سرقة أي شيء , وربما لو قادته الصدف إلى هذا المكان لسرق منه الكثير, وعندما وصل به التفكير إلى هذا الحد , ضرب جبهته نادما وناقما ,قال له صوت جاءه من أعماقه :
- آنت لص , سارق , وجودك هنا, لا معني له .
دفن وجهه وسط تلك الوسادة , حاول أن يطرد من عقله أشياء كثيرة ولكنه لم يستطع , انتصب واقفا , نظر من تلك النافذة , رأى تلك المرأة وذلك الرجل , منهمكان في العمل , بالقرب منهما طفله صغيرة تداعب حمْلان صغيرة كانت تجري في أرجاء الحقل المحيط بالبيت , شعر بغصة شديدة عندما تذكر تلك الطفلة ( وداد) عندما تجرأ وسرق منها قرطا وحصالة نقودها ,كاد يسقط أرضا, لشعوره بالخزي والعار , ماذا لو كانت هذه الطفلة مكان وداد ؟ لم يطل النظر أليها , أخذ يسير داخل تلك الغرفة ويده لاتزال مربوطة بتلك اللفائف .
بحث في جيوبه عن علبه سجائره , لم يجدها, لابد أنها سقطت منه اثناء المطاردة , كانت ليلة قاسيه باردة , كاد يدفع حياته ثمنا لها,كل ذلك من اجل حفنة دنانير .
تذكر الدخان وتذكر بأنه بحاجة ماسة لسيجارة , سيجارة ألان كفيله بأن تخفف من همومه ومتاعبه , وأن تنسيه قصة وداد ولكن أين هي السيجارة ؟ وتذكر أن أول محاولة سرقة كانت من أجل سيجارة , توالت بعدها المحاولات ,أصبح يسرق لاتفة الأسباب .
دفن وجهه براحة يده اليمني ,ارتمي ممددا فوق الفراش , تذكر سلطان ذلك الطفل الممتلئ نشاطا وحيوية وقيما , لماذا أصبح يشعر بشوق شديد له لا يقاوم, لا يعادل شوقه لذلك الفتى, إلا رغبته الآن في إشعال سيجارة, ينفث معها بعضا من همومه ووساوسه وليستمع لذلك الطفل الذي بدأ يصرخ في أعماقه مؤنبا وموبخا .
دخل سلطان في صباح اليوم التالي كالعادة يحمل الفطور , تناوله صامتا, كان يتحاشى النظر إلي سلطان , إن في نظراته البريئة أشياء كثيرة , تمزق قلبه القاسي,سمع سلطان وهو يقول له:
- هذا لبن طازج أحضرته لك .
- لم أشرب اللبن منذ زمن بعيد.
- سوف تشربه هنا كثيرا .
سادت برهة من الصمت , خرج سلطان ليعود حاملا إبريقا من الماء قدمه قائلا :
- هذا ماء بارد , هل اصب لك شيئا منه؟ ,اكتفى فهد بالإيماء علامة الموافقة , فهمها سلطان على الفور , ملأ له كوبا من الماء ,تناوله الآخر بيد ترتجف , إنه يشعر بالعجز أمام هذا الطفل , إحساسه يقول بأن هذا الطفل يكبره عشرة سنين على الأقل , قال سلطان وهو يهم بالخروج :
- سوف أذهب إلي السوق اليوم , هل تريد شيئا من هناك ؟
- كلا لا أريد شيئا .
أدرك سلطان بأن ضيفه , ربما يكون لا يملك شيئا , قرر في نفسه أن يجلب له شيئا, قال مودعا :
- سوف أخرج إلي السوق بصحبة زينب , أختي الصغرى.
- إنها صغيرة لا تتركها وحدها .
أتجه سلطان نحو الباب صرخ بأعلى صوته :
- زينب , زينب تعالي القي التحية على فهد, مهما يكن فهو ضيفنا.
أقبلت زينب مهرولة , كانت ضفائرها تتأرجح معبرة عن فرح بريء وقفت أمام فهد , لم تقل شيئا , كان صمتها يحمل معاني كثيرة , مدّ فهد يده أليها , امسك بإحدى ضفائرها قائلا ومداعبا لأول مرة :
- كوني حذرة , لا تتركي سلطان وحيدا .
خرج الاثنان , شعر بوحدة قاتلة ,ملأه شعور بالعطف الشديد على هذين الصغيرين, الذين يتسابقان إلى خدمته, كما لو كان شقيقهما الأكبر , لا بل كان همهما البقاء إلى جانبه أطول فترة ممكنة , مع أنه في قرارة نفسه , كان يدرك بأنه لا يستحق كل هذا الإشفاق منهما , وهو الذي .. لم يقوَ على الاسترسال في هواجسه, عندما وصل به الحد تذكر وداد تلك الطفلة التي مزق أذنها من أجل قرط .
قفز كملدوغ , ضرب الفراغ المحيط بقبضة يده , اقترب من النافذة كان يراقب خطواتهما, إنهما يسيران كطائرين خرجا إلى العالم لأول مرة يجربان أجنحتهما الغضة , ماذا لو صادفهما فهد أخر مثله ؟
ظل واقفا ينظر إلي الأفق , بدت له المدينة شاحبة , هناك صراع عنيف يدور.
إحساسه يقول بأنة بدأ يتماثل للشفاء ,ومضت عيناه ببريق حاد, لماذا لا يهرب؟ , لقد قامت هذه الآسرة بواجبها تجاهه كما ينبغي, تذكر الطفلين , من غير المعقول أن يهرب دون أن يراهما , سوف يعودان بعد ساعة, على الأقل, ثم أن هربه في هذا الساعة من النهار حماقة ما بعدها حماقة.
تراجع عن تلك الفكرة , قرر أن يخرج لملء رئتيه بالهواء , سار إلي الباب, فتحه بحذر شديد , وقعت عيناه على تلك المرأة, إنها تحلب بقرة ضخمة , الزوج كان مشغولا ببناء سياج جديد للزريبة, اقترب من المرأة , القي عليها تحية الصباح , ردت بحياء :
- صباح الخير, كيف أنت ألان ؟
- بأحسن حال .. الفضل لكما .
- الفضل لله يا بني .
تجاوزها بقليل, اقترب من الزوج,ألقى عليه هو الآخر تحية الصباح , ردّ عليه الرجل وهو ينظر إلى يده :
- هل لا زلت تشعر بالألم ؟
- لقد زالت الآلام , بحمد الله.
سادت لحظة من الصمت,قال فهد على إثرها محاولا إبداء المساعدة:
- هل أستطيع مساعدتك؟
ردّ الرجل بتواضع جم قائلا :
- حتى لو كنت بحاجة للمساعدة, لن أدعك تفعل ذلك وأنت بهذه الحالة.
- ولكني أستطيع مساعدتك .
- لا تتعب نفسك , ساعة وأنتهي من صنع هذا السياج.
وجه الرجل صوته إلى زوجته قائلا :
- أم سلطان.. شاي للضيف .
وراغت المرأة إلى أعماق بيتها , لتعود بإبريق شاي كبير, قال الرجل اثناء ذلك :
- عرفت اسمك من سلطان , قال بأن أسمك فهد.
قال فهد : بعد أن تناول كأسا من الشاي:
- هذا صحيح , اختلس نظرة إثناء ذلك إلى أم سلطان, كان وجهها يبدو أحسن حالا من ليلة أمس,بدورها رمقته بنظرة عطف ثم عادت أدراجها لحلب تلك البقرة .
جلس فهد بالقرب من أبى سلطان على صخرة قريبة , راح يشرب الشاي ونظره معلق بضربات ذلك الرجل , والتي كان ينهال بها بمطرقته الضخمة على تلك الأوتاد لتثبيت السياج ,مما جعلها تغوص الواحد تلو الأخر في أعماق الأرض, تمني لو أنه والد مثل هذا الرجل, له زوجة وأطفال, يغدق عليهم , يداعبهم , ويقدم لهم شيئا من عرق جبينه , هاله تلك الحالة التي هو عليها , إلى متى سيظل مطاردا وهاربا؟ .
خلسة ودون أن يشعر الرجل وزوجته , توارى في أعماق البيت , وسط الأعشاب , وأكوام الحطب المعدة للوقود , أخذ يسير داخل تلك الغرفة , كما لو كان في انتظار مفاجأة من سلطان , نظر إلى امتداد الطريق المفضي إلى المدينة , فربما يرى سلطان الكفيل بالتخفيف من معاناته وندمه الذي أخذ يكبر شيئا فشيئا , ودون أن يدري استسلم لشيء من النعاس , راسما لسلطان وعودته من السوق صورة تبعث على التفاؤل , على الأقل ربما يعود ومعه علبة سجائر, أخذ ينتظرها , كجائع أو ظمآن , لم يعد يملك القدرة على تحمل الجوع أو الظمأ.
شعر بيد ناعمة تضع اللحاف فوقه , فتح إحدى عينيه وأبقى الأخرى مغمضه , قال وابتسامه فرح افترت عنها شفتيه :
- سلطان. هل عدت ؟
- منذ ساعة .
- وزينب هل هي بخير؟
- إنها في الداخل , رأيتك نائما , وجسمك معرض للهواء , فوضعت اللحاف فوقك.
شعر بدمائه تتدفق حارة في عروقه , حياة جديدة تدب في أوصاله ورغبه قويه جامحة تقول له " قبل هذا الطفل , ضمه إلى صدرك"
لم ينتظر مد يده إلي سلطان, ضمه إلى صدره , شعر بأن دمعة سقطت من عينيه, حاول أن يمنعها من السقوط ولكنه كان اضعف من أن يفعل ذلك .
خلص سلطان نفسه من تلك الضمه, التي شعر بأنها حانية وفيها شيء من دفء الأبوة , تركه وحيدا ,ودمعة لا تزال تترقرف في عينيه , رأى من خلالها حقيبة صغيره أمامه , امتدت يده إليها, فتحها ,ثمة في داخلها علبة سجائر و بعض المكسرات , وكيس ابيض صغير, يحوي قطعا من الحلوى و علبة أعواد ثقاب , لماذا كل هذا ؟ لماذا يشمله سلطان بهذا العطف؟ ماذا فعل له حتى يعامله بهذه الطريقة؟ إنه لا يستحق كل هذا العطف,لطالما امتدت يده لسرقة طفل كأمثال سلطان لطالما حرم أطفالا في سن سلطان من قطع حلوى كثيرة , لطالما قتل البسمة على شفاههم, ومرة أخرى ضرب الهواء بقبضة يده , كان لا يرى أمامه إلا طفلا صغيرا يرتدي جلبابا ابيض , بدت فيه رقعة وشق صغير, قال وقد بدا صوته كالنحيب:
- سلطان أيها الطفل العظيم , إني لا استحق كل ذلك منك.
قبض تلك الحقيبة بيد ترتجف , ضمها إلي صدره, انحدرت دموعه غزيرة , تحولت تلك الدموع إلي بكاء شديد , شعور بالارتياح يغمر روحه, أدران كثيرة سقطت في تلك اللحظة, من روحه الهابطة في مستنقع التخبط والضياع , لمعت عيناه ببريق قوي, قال وهو لا يزال يضم تلك الحقيبة إلي صدره :
- لا بديل عن الاستسلام , غدا سوف انهي جزءا مظلما من حياتي ,إذا لم يكن من أجل شئ, فهو من أجل سلطان
عاد الظلام يلف المكان من جديد , كان لا يزال مستلقيا في فراشه, تناهي إلي سمعه صوت تلك المرآة وهي تقول لزوجها :
- هل سيبقي هنا كثيرا ؟
- لا ادري , إني لا أملك القدرة على أن أقول له شيئا .
- إن بقاءه خطر علينا
- اعرف ذلك , ولكن ماذا أفعل ؟
- قل له الحقيقة .
- لا أستطيع , ولا أدري لماذا اشعر نحوه بعطف شديد؟ ثم إن سلطان متعلق به كما لو كان أخا له .
سقطت كلمة "أخ" على سمعه كما لو كانت ذلك الماء الذي تُغسل به الأدران , كما تناهي إلي سمعه صوت سلطان وهو يقول :
- إن جرحه لازال يؤلمه, ماذا لو بقي هنا يوم أو يومان؟
قالت أم سلطان بحدة :
- إن في بقائه خطر علينا يا سلطان:
- ليس هناك أي خطر,إنه شاب طيب, لا يؤذي أحدا,قال سلطان, فيما فهد أو "سبع الليل" توقف عن مواصلة الاستماع لذلك الحديث , اتخذ قرارا صارما , لن يحيد عنه , سوف يذهب إلى مكان آخر , سوف يسلم نفسه,لن يظل مشردا , والأهم من ذلك, أنْ يترك هذه الأسرة بحالها , على الأقل من أجل سلطان وزينب .
تمدد فوق كومة من الأعشاب , شعر بها طريه ناعمة تحته , استرسل في أفكاره , لاحظ أن هناك تغيرا كبير بدأ يطرأ عليه , كان فيما مضى لا يفكر إلا بالسرقة , يرسم الخطة تلو الخطة من أجل ربما سيجارة ,
ملأ رئتيه بالهواء , بدأ عليه شيء من الاطمئنان . قال وهو يُخرِج لفافة من تلك العلبة التي جلبها له سلطان :
- لولا رجال الشرطة, ما جئت إلي هنا , لما تعرفت على سلطان, نظر إلي السيجارة حملق فيها جيدا , كانت بالنسبة له تعني الكثير إنها من سلطان , لقد قطع مسافة طويلة حتى بجلبها له , قرر أن لا يشعلها , سوف يحتفظ بالعلبة كاملة كهدية من سلطان.
أوقظه من أفكاره طرق خفيف , عرف فيها دقات سلطان, قفز من فوق كومة الأعشاب مستلقيا فوق فراشه , تظاهر بأنه يغفو, فـُتح الباب, كان يقف على عتبته سلطان, رآه من بين رموشه المطبقة لماذا يبدو حزينا ؟
تقدم سلطان بخطى ثقيلة, تناول الغطاء ثم دثر به ذلك اللص الذي سرت في جسده رعشة خفيفة, تكهرب لها جسده , إنه إنسان, هناك آمل بأن يستيقظ ذلك النائم في أعماقه, إنه علي وشك أن يولد من رحم صحوته التي بعثها فيه سلطان, كان يهتف به من أعماقه قائلا :
- ارحل من هنا , إنه طفل صغير , لا تجعله يعرف بأنك لص.
ابتعد سلطان في تلك اللحظة وأغلق الباب وراءه, بعد أن ودعه بنظرة طويلة , تمنى لو يرى زينب هي الأخرى, تمنى لو يطبع علي جبهتها قبلة أبويه , أخد يهلوس قائلا :
- لن اسرق بعد الآن , لن أتردد على الحانات , لن اذهب إلى المواخير, نزف العرق من جبينه حارا, رغم برودة الجو , كانت كلمات أم سلطان لا تزال تقرع طبلة أذنه:
- إن بقاءه خطر علينا.
ازداد الصوت ارتفاعا:
- إن بقاءه خطر علينا.
أصبح الصوت كالناقوس يملأ الفضاء ضجيجا:
- إن بقاءه خطر علينا.
ندت عنه صرخة خافته قال بعدها:
- لا لن أكون خطرا عليكم , سوف أرحل الآن .
جمع ما جلبه له سلطان , ارتدى سترته البالية , أطال النظر إلى الباب الذي أوصده سلطان , شم اللحاف الذي دثره به, ثم بعد ذلك ابتلعه الظلام إلى غير رجعة , فيما يده تقبض على أشياء سلطان بقوة عجيبة , شعر بالأسف الشديد لأنه دخل من الباب وخرج من الشباك,
لقد صنع منه سلطان رجلا , أيقظ في أعماقه ذلك الرجل , التفت مرة أخري وراءه , بدأ له ذلك البيت نقطة من الضوء , قال قبل أن يبتلعه الظلام
- سوف أعود يا سلطان سوف أعود.
في الصباح , وقبل أن تدب الحياة في المكان , وقبل أن يصيح الديك , وتبدأ أم سلطان حلب تلك البقرة , وقبل أن يسعل أبو سلطان سعاله المعهود , تسلل سلطان إلى تلك الغرفة والتي هي في الأصل حظيرة للمواشي , انتابه حزن شديد , عندما وجد الفراش خاليا من صاحبه , خارت قواه , أجال الطرف في أرجاء المكان , ليس ثمة من أثر , تسمر في مكانه عندما رأى النافذة مفتوحة , جذب ذلك اللحاف إلى صدره , وضع رأسه فوق تلك الوسادة , وراح يبكي كما لو كان تائها في صحراء وظل الطريق .


1/6/ 1992
غور الصافي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الطفل الذي صنع رجلا/ قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: