غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الحقيقة خلف القضبان / قصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: الحقيقة خلف القضبان / قصة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 6:57 am

الحقيقة خلف القضبان


كان ممددا على بطنه , شُدت أطرافه إلى أوتاد مثبتة بالأرض, بدأ ظهره مقوسا إلى الأعلى , وذلك لوجود اسطوانة دائرية, كانت موضوعة تحت بطنه, كان عاريا إلا من قطعة تواري سوءته , ظهره المقوس كان حافلا بالندوب وأثار التعذيب,الدم ينزف منه بغزارة ,مكونا بقعة حمراء تجمدت حول جسده الواهن.
سحنته كانت توحي بأشياء كثيرة , الذي يبعث على الدهشة والحنق بالنسبة لهم , أنه لا يتألم, أو يظهر ضعفا أو يطلب الرحمة منهم , كان يكتفي بإصدار أنةٍ بسيطةٍ, ليتوقف بعد ذلك عن إصدار أي صوت, أو ضعف قد يوحي لمعذبيه أنهم نالوا منه ومن كبريائه .
كل ذلك كان يجري في حجرة صغيرة , ليس فيها إلا سلاسل تتدلى من السقف, وثلاثة مقاعد خشبية , كانت شاهدا على تأوهات وأنات من سكنوا جنبات هذه الحجرة , في أركانها كانت توجد أكثر من هراوة ,كانت تستخدم لغايات التعذيب وانتزاع الحقيقة, ممن يُستعصى عليهم انتزاعها منه , إنه أمر يبعث علي الذعر حقا, كان في تلك الاثناء وحيدا داخل القاعة, ينتظر وجبة أخري من التعذيب والتنكيل, سوف يتولى مهمة تعذيبه شخصان ,أحدهم يقوم بجلدة بذلك السوط اللعين, والآخر يتولي سكب شيء من ذلك السائل الذي يؤلمه كما لو كان نارا تدب في ظهره النازف ,لم تؤثر فيه أساليبهم تلك أو تثبط من عزيمته, فهو أقوى من سياطهم وسوائلهم الكريهة ,أعقاب سجائرهم ,كانت شيئا تافها بالنسبة له, فهو على قدرة من التحمل جد كبيرة, جعلت أولئك القتلة يتميزون غيضا وحنقا, بإمكانهم قتله بطلقة واحدة, ولكنهم لازالوا يصرون على انتزاع الحقيقة منه , تلك الحقيقة التي لايدري هو ماذا يقصدون بها, انفتح الباب الوحيد لتلك الحجرة اللعينة ,ولج منه ثلاثة اشخاص ,اثنان عرفهم فور دخولهم,إنهم جلاديه , أما الآخر فكان طويل القامة , ذو شارب رفيع, تختفي عينيه خلف نظارة سوداء قاتمة , يعتمر قبعة ,غطت نصف جبهته ,أخذ يرمقه بنظرات حادة , قال ناظرا إلى راحة يده:
- ألا تزال مصرا على عدم قول الحقيقة؟
رد بصوت يكاد لايسمع :
- أية حقيقة ؟!!
- لازلت تتجاهل ما يقال لك.
- اقسم لك بأني لا أتجاهل ..
- أنت الوحيد الذي يعرف الحقيقة .
- لو كنت أعرفها لما تركتكم تفعلون بي فعلتكم هذه.
- إذاً ليس أمامك من خيار, غير الاعتراف .
- الاعتراف بماذا؟
- بالحقيقة.
- حقيقة ماذا؟
نفذ صبر ذلك الرجل , اكتفى بإشارة من يده , انهال عليه أحدهم جلدا بكل ما أوتى من قوة ,كانت لسعات السوط تنفذ إلى عظامه, إلى كل خلية في جسده ,حتى أن ذلك الشخص الذي كان يبادله الحديث كان في أعماقه يشعر بالقشعريرة والامتعاض , ليس رأفة به , ولكن لشعوره بالعجز أمام هذا الشخص الذي بدأ ينتزع منه شيئا لا يدري ما هو؟لماذا أصبح الإنسان جلادا في هذه الأيام , لماذا يعذبونه بهذه الطريقة البشعة دون سبب يذكر؟ , فقط لأنه مشتبه به , إنه لا يرى في عيونهم إلا الشر والمكر والخداع, ليس هناك غير الحقد والكره في قلوبهم ,جاءه صوت معذبه قويا مجلجلا وناقما :
- ألا تريد قول الحقيقة ؟
فقد القدرة على الكلام ,خانه لسانه , دماؤه كانت تنزف بشدة, أكتفي بإشارة من رأسه ,جعلت ذلك الوحش ينقض عليه غاضبا,تقدم منه ,راح يركله بكلتا قدميه, في كل مكان من جسده الدامي قال :
- أيها اللعين لماذا ترفض الكلام؟ , لماذا لا تتحدث ؟ لماذا لا تقول الحقيقة؟
رفع الآخر رأسه ,كان ينتظر تلك الفرصة , نظر في وجه عدوه نظرة طويلة ,بعثت الأمل في نفس ذلك العدو, في قول شيء ذي بال , مما شجعه على سؤاله مرة أخرى:
- هل ستقول الحقيقة ؟
ظل الآخر صامتا , جمع أنفاسه مدَّ عنقه إلي الأمام , بصق في وجه غريمه قائلا :
- هذه هي الحقيقة أيها الوغد , الحقيقة أنك وحش بشري لا أكثر.
كان الموقف أكثر من أن يحتمله ذلك الوحش , جذب السوط من مساعده, كانت يده ترتفع إلى الأعلى, فتهوي ممزقة ما بقي من لحم في ظهر ذلك الممدد أرضا قائلا :
- سوف تقول الحقيقة , لن تخرج من هذه الحجرة حيا , سوف تدفع ثمن تصرفك هذا , التفت إلي مساعده صائحا:
- أين زجاجة الصوديوم اللعينة ؟ أعطاه مساعده زجاجة نصف فارغة, سكب شيئا منها فوق جراحه , انتفض الآخر آلما , إنها المرة الأولى التي يُشعرهم فيها بأنه يتألم.
دب الأمل في نفس ذلك الجلاد عندما رآه ينتفض قال هامسا :
- والآن هل ستقول الحقيقة ؟
قال بصوت متقطع :
- سوف انتقم منك آيها الكلب.
- اللعنة.. لازلت مصرا على عدم الكلام؟ جذب الجلاد نفسا طويلا ,شعر بأن مساعده لم يعد يقوى على الضرب, عاد مساعده إلى الجلد مره أخرى , كان ينهال عليه بكل قوته, قال الجلاد لمساعده الذي نال منه التعب بشدة لفتت نظر ذلك الجلاد :
- كفى يجب أن يظل حيا .
توقفت يد ذلك المجرم عن الضرب ,كان سوطه .يقطر دما ,الزجاجة فرغت من ذلك السائل, سمعوه يقول دون إبداء أي ردة فعل :
- كلاب مسعورة.
تبادلوا فيما بينهم ألفاظا غريبة ,إنها لغة لا يفهمها ,لغة أخرى غير التي يتحدث بها .
ودَّ أن يصرخ بأعلى صوته , قائلا لهم لصوص , كلاب سوف يأتي اليوم الذي ترحلون فيه من هنا .ابتعدوا عنه قليلا قال ذلك الشخص الذي يعتمر قبعة ويضع نظارة سوداء على عينيه .
- في المرة القادمة سوف نحضر معنا صديقا تحبه , إنه الوحيد القادر على انتزاع الحقيقة منك .
- هل تعرف من هو ذلك الصديق؟
كان يعرف من هو ذلك الصديق, إنه واحد منهم , كلب مسعور له أنياب حادة, مهمته نهش لحوم الأبرياء أمثاله.
صاح فيهم قائلا بعد أن تحامل على نفسه :
- ذلك الصديق لا يختلف عنكم أيها الكلاب إنه واحد منكم , بل إنه مجرد كلب , ربما يكون أرحم منكم .
ضجت الحجرة الصغيرة بالتصفيق, تقدم منه ذلك الشخص الذي كان يتولى دور المحقق قبل قليل قائلا:
- أنت رائع ,أنت أعظم ممثل رأيته في حياتي .
انتصب الآخر واقفا, بعد أن خلص نفسه من تلك القيود, في حين تولى شخص آخر , إزالة بعض الأصباغ التي كانت بلون الدم , قال مبتسما , من هذا الإطراء :
- اعتقد بأننا انتهينا من تصوير هذه المشاهد علي أحسن وجه .
- بالتأكد لقد أدينا أدوارنا كما ينبغي.
- لا أخفي عليك, بأن ضربات سوطك كان فيها شيء من القسوة, مع أنها أسفنجية , عندما كنت أنظر إليك وأنت تنهال بها علي , اعتقدت بأنك تقوم بذلك كما لو كنت جلادا حقيقيا .
- إن نجاح أي ممثل يكمن في مدى قدرته على تقمص الدور المطلوب منه , ومحاولة التميز في ذلك قدر الإمكان , وإلا فإنه ليس ممثلا .
صمت ذلك الشخص قليلا ليقول :
- والآن إلى مشهد آخر في مكان آخر, هل الجنود جاهزون؟
- إنهم ينتظرون .
- والأطفال, أين هم؟
- أيضا في الحجرة الأخرى ينتظرون .
وقفا عامل ( الكلاكيت ) يحمل لوحه مكتوب عليها( المشهد التسعون ) مجموعة من الجنود تطارد أطفالا يرشقونهم بالحجارة .


غور الصافي / 1992
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحقيقة خلف القضبان / قصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: