غور الصافي

كل ماتريد هنا
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 البغل سكسك / قصة قصيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عطيه العشوش



المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 11/04/2010

مُساهمةموضوع: البغل سكسك / قصة قصيرة   الأربعاء أغسطس 04, 2010 6:55 am

البغل سكسك...

لم تكن شمس البتراء التي كانت تعانق الجبال الوردية , مصدر خوف ومعاناة فقط , لمجموعة البغال الرابضة في مناطق شتى من الصخور الحمراء , بل كانت أيضا مصدر اكتئابٍ وقلقٍ شديدٍ لها, وذلك لأسباب كثيرة منها : وكما جاء على لسان البغل (سكسك) , وهو أحد البغال الشابة العاملة في البتراء :
- لقد أُرهقنا صعودا ونزولا , ولم نعد قادرين على تحمل هذا الويل من الصعود والنزول , لماذا كتب علينا هذا الويل ؟ تُقيد أفواهنا هذه الألجمة اللعينة , وتثقل كاهلنا هذه السروج , فيما حدواتنا تآكلت, وأصبحت كميات الطعام التي تقدم لنا قليلة,لا تشبع , هذا عدا عن كونها مجرد أعشاب لا تنفع , لماذا لا يقدمون لنا الشعير كما يقدم للخيول ؟ أم لأننا مزيج من الخيول والحمير .
وفيما البغل سكسك يحاول ايقاض البغال من غفوتها ولفت نظرها إلى حالتها المزرية والمحزنة , يرد عليه البغل (حلوفه) قائلا :
- هذا عدا عن كوننا مصدر دخل لا يستهان به للكثير من الأسر العفيفة والشريفة , إن ما نقدمه من جهد لا يوازي فعلا ما نحصل عليه من طعام , فأنا مثلا يوميا أشاهد مالكي , ومع ساعات المساء, يعد الدولارات بالعشرات , وأنا أتضور جوعا وعطشا وتعبا شديدا , إنني انتظر غروب الشمس , كما لو كنت عاشقا يتحرق شوقا للقاء الحبيب , لأحصل على القليل من العشب , ولأن الليل هو منقذنا الوحيد من هذا الجحيم.
وتدب بين البغال حالة من التذمر والقلق الشديد على مستقبلها الغامض, ليقطع حبل الصمت البغل (سكسك) قائلا :
- عندما أتذكر صديقي ورفيق دربي (برهومه) الذي قضى صعودا وهبوطا , أبكي ألما وحرقة , كانت آخر كلمات قالها : الرحمة لقد كبرت واشتهي حفنة من شعير , لقد ردد اسمي أكثر من مرة سكسك ..سكسك ؟!!ثم مات , إنه هناك يرقد بسلام في وادي البغال, بعد عشرة أعوام من الهبوط والصعود , والمؤلم أن مالكه لم يضرف عليه ولو دمعة واحدة , كان قاسيا لا يهمه إلا جمع الدولارات وتحميل وتنزيل (السياح) ويبدد السكون وحالة التذمر , صوت أحدهم يقول :
- حان وقت العمل , هيا يا بغال .
ويرمقه سكسك بنظرات الازدراء, متمتما بينه وبين نفسه قائلا :
- لا بل حان وقت الصعود والهبوط وجمع الدولارات .
وتبدأ رحلة العمل,ويقف سكسك إلى جوار (حلوفه) الذي بدا متعبا واهن القوى, قال هامسا لسكسك :
- لم أذق طعما لراحةٍ وأحشائي فارغة , كان العشاء قليلا..شيء من العشب الجاف وبعض أوراق الذرة , إن مالكي رجل بخيل , مع أنني بذلت جهدا مضنيا , جنى من ورائه أربعين دولارا .
لم ينبس سكسك بشيء , لشعوره بأن حاله قد تكون أسوا من حال حلوفه الذي باح بمكنون صدره , ماذا يقول هو؟ الذي رفض أصلا تناول حصته من الطعام, لخلوها من الشعير, ولشعوره بالاحتقار وعدم الأهمية, رغم تميزه, وكونه مصدر دخل لا يستهان به بالنسبة لمالكه الذي لا يكن له أي شعور بالاحترام , وهاله مجرد شعوره بأنه بغل خسيس على حد تعبير مالكه الذي ضربه ضربا مبرحا , لأنه خذله في السباق يوم أمس مع البغل ( سلوّم) لقد راهن مالكه بعشرة دولارات
في حال خسارته أمام سلوم , وتذكر سكسك أن سلوم كان يحمل سائحا واحدا ولا يجر عربة خلفه, بينما هو , كان يجر عربة يستقلها سائحان , لم يقدِّر مالكه ذلك فضريه ضربا مبرحا , وحرمه من وجبة العشاء , وأبقى اللجام في فمه , عقابا له , ونَعته (بالنغل) مقللا من شانه.
وتنهد سكسك كاظما غيضه وحقده على مالكه, الذي كان في تلك اللحظة ممسكا باللجام بقوةٍ يشده دون أن يعير (سحيله) أدنى اهتمام , كان يتألم من اللجام الذي كان يلهب فمه , وكانت قدماه ولأول مرة تخذلانه , علما بأنه لم يقبل الهزيمة أو التحدي , بيد أنه وأمام إصراره على عدم السقوط أو طلب الشفقة من مالكه, الذي كان منشغلا بالحديث مع السائح, الذي كان مستمتعا في ركوبه على ظهره , حاول أن يبدو متماسكا وقويا , وانتابته لحظات من ثورة مشاعر جياشة , كاد خلالها , أن يُسقط السائح أرضا ويرفس مالكه غير المكترث لحاله ولتلك الآلام المبرحة التي كانت تدب في قدميه , وتنهد سكسك عندما تذكر حدوته المتآكلة , والتي مضى عليها زمن, وهو أحوج ما يكون لحدوةٍ جديدةٍ , وسرج , ولجام , أسوة بغيره من البغال , ألا يستحق ذلك؟ أمام ما يقدمه من جهد لا يقوى عليه أي بغل في المنطقة, باستثناء صديقه ورفيق دربه برهومة, الذي قضى قبل مدّةٍ , وتنتابه حالة من الشعور بالحزن ويتمتم مترحما على برهومة ولاعنا مالكه الذي كان السبب في القضاء عليه , لم يرحم شبابه ولم يمنحه فرصة للراحة والتقاط الأنفاس .
وبينا سكسك تخامره هذه المشاعر , و في الوقت الذي كانت أحشاؤه فارغة , رأى بغلا شابا لأول مرة في المكان , بدأت عليه علامات الترف والرخاء , كان مالكه يقوده ويسوسه بلطف لم يعهده من قبل , وكان يأكل من زوادة رُبطت في رقبته, إنها مترعة بالشعير والحنطة على ما يبدو , حاول سكسك لفت نظر حلوفه لذلك , بيد أن حلوفة , كان يسير متهالكا محاولا بذل أقصى جهد لإرضاء مالكه , فربما يحنو عليه, إذا جمع له اكبر عدد من الدولارات , وسال لعابه عندما تخيل كيسا ضخما من الشعير , قد وضع أمامه كمكافأة له على جهوده وإخلاصه في عمله المضني .
وقرر سكسك الاقتراب من البغل الشاب الذي كان هو الأخر منشغلا في تناول وجبته السريعة , بيد أنه لم يفلح في ذلك, فقد جذب مالكه اللجام طالبا منه الوقوف بناء على طلب السائح الذي وعلى ما يبدو كان يرغب في التقاط صورة للذكرى في مكان أعجبه , تمتم السائح لمالك سكسك قائلا :
- ابعد هذا البغل اللعين عني .
وتجرع سكسك الشتيمة دون أن يحرك ساكنا, وتذكر أثناء ذلك البغل المترف , إنه (رحبون) لقد كان بغلا رفَّاسا وجاحدا , كثير التذمر , وتذكر لحظتها مقولة برهومه عندما قال له : ( هذا زمن البغال الرفَّاسة والجاحدة )سرعان ما تتسلق وتصل , غير أنه وعن بعد شاهد ما لم يكن في الحسبان , إنه حلوفة , لقد رفس مالكه وألقى بالسائح أرضا , وفر هاربا إلى وادي البغال , وسرت في جسد سكسك قشعريرة وخوف شديد , فقد أدرك بماذا يفكر حلوفه , وصرخ هو الأخر قائلا :
- لا يا حلوفه لا تفعل ذلك .
وقبل أن يرفس مالكه, توجه نحو السائح الذي نعته باللعين ورفسه رفسةً قويةً تركت أثارا لن ينساها على صدغه, قائلا ومتشفيا :
- هذا لتتذكر البغل اللعين , مع أنني لا أحب الرفّاسين .
كان حلوفه يعدو نحو وادي البغال متخذا قرارا لا رجعة فيه , فقد قرر أن يتخلص من الصعود والهبوط , وأن يخلد إلى الراحة الأبدية , لم يكترث لنداء سكسك الذي توسل إليه بكل معاني (البغولة) أن يتوقف عن الجري نحو وادي البغال,غير أن حلوفة , سقط على بعد أمتار من الوادي , أدركه سكسك في النزع الأخير , قال قبل أن يلفظ أنفاسه :
- الوداع سكسك الوداع , كن بغلا رفاسا , متذمرا,فهذا زمن الرفاسين والمتذمرين, ارفس تعش .
لم يتمالك سكسك رؤية صديقٍ أخر يلفظ أنفاسه , توقف عن الحركة نظر شامخا إلى الأفق, حيث الشمس لا زالت في كبد السماء , وحيث ينتظره طابور من السياح ومالكٌ يضمر له كل معاني الشر , سوف يجلده مرَّة أخرى وسوف يحرمه من وجبة أخرى من الطعام , وتذكر بأن عليه واجب إلقاء حلوفة في الوادي, مثواه الأخير , ومن هنا سحب حلوفة من لجامه وجرَّه إلى حافة الوادي,ثم رفسه إلى حيث تستقر جثة برهومة وبغال أخرى قضت نحبها صعودا وهبوطا وجوعا .
سقطت جثة برهومة في قاع الوادي, مصدرةً دويا قويا, افزع سكسك الذي تمتم قائلا :
- لترقد أشلاؤك بسلام , إلى جانب برهومة وعظام البغال , لقد كنت طيبا عزيزَ نفس , ولم أعهدك إلا مخلصا لمالكك , ومحبا للبغال , لا متسلقا ولا أنانيا أو وصوليا .
لم يكن سكسك قد اتخذ قرارا معينا بخصوص مصيره الغامض , بيد إنه فر هاربا إلى الجبال المجاورة , لقناعته بأنه لا مستقبل للبغال الوفية في هذا المكان , كانت أخر كلماتٍ تذكرها عن حلوفه قوله :
- لن يذكر أحد محاسنك يا عزيزي, فقيمتك فيما يجنيه مالكك من دولارات أخر النهار .
مسح سكسك دمعة حارة سالت من مقلتيه , تخلص بعدها من السرج واللجام , ثم أطلق قائمتيه للريح مرددا ونائحا :
- إلى الديار.. إلى الوطن.. إلى البراري والقفار.
وهكذا اختفى سكسك ولم يعد يرى في أي مكان , فقط وتحت جنح الظلام كان يتسلل إلى المكان نفسه, الذي قضى فيه كبار البغال مترحما عليهم ثم يبتلعه الظلام .



البتراء / 10 / 1/ 2009
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
البغل سكسك / قصة قصيرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غور الصافي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: